آن لاموت: الكتابة هي أن تنظر حولك

ترجمة: سارة عبدالرحمن مراجعة: بثينة العيسى
تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث

تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث

 

تتعلق الكتابة بتعلّم الانتباه والتواصل مع ما يحدث. والآن، في حال سألتني عما يحدث، فهو أن نتمكن جميعاً من الوصول إلى ذات اللحظة الواقعية، وربما ما هو أكثر أهمية؛ ألا نصرخ على بعضنا البعض، وإلا لكنا ننبح جميعا ككلب البيكينيز*: (آه! التصقت بالقذارة، إنها غلطتك! أنت فعلت هذا..).

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس و – كما عبّر روبرت ستون مرة- إيجاد معنىً ما داخلها. لكنك لا تستطيع فعل ذلك إن لم تتسم بالاحترام. إذا كنت تنظر إلى الناس وترى فقط ثياباً متسخة أو غنية، فسوف تراهم على نحو خاطئ.

الكاتب هو شخص يقف منعزلاً مثل الجبنة في أغنية (الفلاح في الوادي)* يقف وحيداً، لكنه يقرر أن يدوّن بعض الملاحظات. أنت تقف في الخارج، لكنك تستطيع رؤية الأشياء قريبة عبر منظارك. مهمتك هي أن تعرض وجهة نظرك بوضوح؛ أن تعرض حدّ رؤيتك.

مهمّتك أن ترى الناس كما هم في الحقيقة، ولتفعل ذلك، عليك أن تعرف من أنت في أقصى حسّك العاطفي. بعدئذ تستطيع التعرف على الآخرين. هذا بسيط نظريًا، لكن تطبيقه ليس سهلاً. قبل عشرين سنة، كتب لي عمي (بين) رسالة قال فيها:

“أحياناً تلتقين أشخاصًا، بغض النظر عن العمر والجنس، وتعرفين بأنهم جزءٌ مستقلّ من الكلّ الذي يحدثُ في داخلك، وكأن عينيك أبصرتا للتو، وصرت تسمعين رجع أصداء غناء القبائل، وها أنتِ .. تتعرّفين عليهم”.

هذا هو ما أتحدث عنه، تريد أن تجعل عيون القراء تبصر بإدراك، بحيث يبدؤون بالتعرف إلى إحدى شخصياتك، لكن من المرجح أنك لن تستطيع تقديم شخصية قابلة للإدراك إن لم يكن لديك التعاطف الكافي في المقام الأول.

من السهل نسبياً أن تنظر برقة وتقدير إلى طفل، خاصة إن كان طفلك، وبالتحديد وقت كونه لطيفًا أو مضحكًا، حتى لو كان يؤذي مشاعرك. كما أنه من السهل نسبياً أن تنظر برقّةٍ – لنقل – إلى سنجاب، أن تراه بشيءٍ من التأمل، لترى أن الحياة الحقيقية تقبع تحت قدميك، أو على الأقل هناك، في الغصن المنخفض، أن تدرك بأن لهذا الكائن الحيّ برنامج أعماله الخاص، أن تسمع سقسقته الحادّة، والبارعة، ومع ذلك لا تؤخذ تمامًا بظرفِه.

لا أريد أن أبدو هنا مثل “كوزميكا راما” ولكن في تلك اللحظة عندما تجد أنك أصبحت شبيهاً بالسنجاب تكونان جزءاً من الكل. أعتقد أن بإمكاننا رؤية ذلك بشكل أكثر لو لم نستحضر عقلنا الواعي.

يبدو أن عقلنا الواعي يقوم بحجبِ شعورنا بالاتحاد مع الآخر، حتى نتمكن من العمل بكفاءة، ونناور في العالم بشكلٍ أفضل؛ أن ندفع ضرائبنا في الوقت. ولكن من الممكن أيضًا أن تحسّ بهذا الشعور، عندما ترى – ترى فعلاً – شرطيًا، عندما تنظر إليه فترى أنه شخصٌ حيٌ يتنفس، ومثل أي شخصٍ آخر، يعاني كالأوغاد. ولا تراهُ بتلك الصور النمطية للعنف والفوضى والخطر، التي يمثلها رجال الشرطة؛ أن تقبل به كمساوٍ لك.

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس وإيجاد معنىً ما داخلها.

تتضمن الكتابة إبصار معاناة الناس وإيجاد معنىً ما داخلها.

من الأصعب بكثير، كما هو واضح، أن تنظر إلى نفسك بنفس الحس التعاطفيّ المنفصل. بإمكان الممارسة أن تساعد، قد يكون التمرّن موجعاً في الأيام الأولى، ثم يصبح أفضل مع الأيام. إنني أتعلّم ببطء كيف أعيد كرة عقلي المجنونة إلى هذا المكان ذي الطابع الودّي الموضوعي تجاه نفسي، حتى أتمكن من النظر إلى العالم من الخارج ومشاهدة كل الأمور الأخرى باحترام. حاول النظر إلى عقلك كجروٍ مشاكس تحاول ترويضه، إنك لا تركله إلى فناء جارك كلّما بال على الأرض، بل تقوم بإعادته إلى الجريدة التي يفترضُ به أن يتبوّل عليها.

هكذا أظل أحاول بلطف إعادة عقلي إلى ما هو حقيقي هناك ليُرى، ربما ليُرى ويُلاحظ بشيء من التوقير، لأنني إن لم أفعل ذلك، فسأستمر في تلقي الأمور بطريقة خاطئة.

أعتقدُ، بصدقٍ، بأنك كي تصبح كاتبًا، يجب عليك أن تتعلم أن تكون وقورًا. إن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا تكتب؟ لماذا أنت هنا؟
لنفكر بالتوقير كأمر مهيب، باعث للمثول والانفتاح على الوجود، سيكون بديله التسفيه، مما سيطفئنا.

فكر بتلك المرات التي قرأت فيها نثراً أو شعراً كتب بطريقة تجعلك تشعرُ بالجمال والبصيرة، بأنك تقوم بنظرة خاطفة إلى روح أحدهم. في لحظة يبدو كل شيء منسجماً، أو على الأقل تحصل لوهلة على بعض المعنى. أعتقد أن هذا هو هدفنا ككتّاب؛ مساعدة الآخرين على الحصول على هذا الإحساس المدهش بالغفران، في رؤية الأشياء جديدةً، أشياء بإمكانها أن تأسرنا، وتتحطم داخل عوالمنا الصغيرة، المحدّدة.

عندما يحدث هذا سيبدو كل شيء أكثر رحابة. جرب المشي مرة برفقة طفل ممتلئ بالدهشة بحيث يعلّق: “يا إلهي! انظر لذاك الكلب القذر، انظر لذاك المنزل المحترق، انظر لتلك السماء الحمراء”. الطفل يشير وأنت تتبع إصبعه بنظراتك وترى فتبدأ بالدهشة:” يا إلهي! انظر لذاك السياج الكبير المسعور! انظر لذاك الطفل الصغير جداً! انظر لتلك السحابة السوداء المخيفة!” أعتقد بأن هذا هو ما يفترض أن نكون عليه في العالم، حاضرين وخاشعين.

علقتُ على الجدار فوق مكتبي قصيدة رائعة للمتصوف الفارسي جلال الدين الرومي:

تتحرك بهجة الإله عبر مغلفات غير ملاحَظة
من خلية لأخرى، كما قطرات المطر إلى مشاتل الأزهار
كالوردة من الأرض إلى الأعلى
والآن يبدو كطبق الأرز والسمك
الآن كهاوية محاطة بالكروم
الآن كحصان يُمتطى
إنها تختبئ خلف هذه الأشياء
حتى يستخرجها أحدهم يوما ما

هناك نشوة في الملاحظة، يمكنك الوصول إلى نوع من الانفتاح على طريقة وليام ووردزورث تجاه الكون، بحيث ترى في كل جوهر شيء من القداسة، علامة على أن الإله كامن في كل ما في العالم. وربما لم تكن ميالاً للنظر إلى الحياة بقداسة، للنظر إلى كل شيء كإشارة مرئية لنعمة غير مرئية.

هذا لا يعني أنك حثالة جاهل بلا قيمة، أي شخصٍ يستطيع الاندهاش للجمال أو الألم الموجودين في العالم الطبيعي، للعقل والقلب الإنساني، ويستطيع محاولة القبض على التفاصيل بفوارق بسيطة لا تكاد تذكر. إذا شرعت بالنظر حولك فستبدأ بالإبصار. عندما يأسرنا فجأة ما نراه ويستولي علينا فنكتبه بقدر ما نستطيع من انفتاح وواقعية، فإن هذا يمنح الأمل. تنظر حولك وتقول: “يا إلهي! إنه نفس الطائر المحاكي! إنها نفس المرأة ذات القبعة الحمراء مجددا!” والمرأة ذات القبعة الحمراء هي الأمل أيضاً، فهي ترتدي تلك القبعة المجنونة كل يوم وتسير في البلدة. قد تظهر بعض هذه الصور بشكل باهت في أدنى ربع الدائرة الأيمن للصورة المتخيلة التي التقطتها، لم تكن تعلم منذ البداية أنها جزء من المنظر الطبيعي، وهنا انتهى بك الأمر إلى أن الصورة استدعت شيئاً عميقاً في نفسك لم تكن لتستطيع وضع إصبعك عليه. هذه إحدى الجمل لجيري سندر:

التموجات على صفحة الماء
لم تكن سوى أسماك السلمون الفضية العابرة أسفله
وهي مختلفة عن تلك التي يشكّلها النسيم

تلك الكلمات، الأقل من عشرين، تجعل التموّجات صافية ومشرقة، ومميزة مرة أخرى. لديّ شريط تسجيلي لراهبة من التبت تعيد غناء المانترا بإحساس عالٍ لأكثر من ساعة، ثمانية كلمات تعيد تكرارها وكل سطر يُسمع مختلفاً، يبدو معتنىً به جيداً ومجرباً كما تغنيه. لن تشعر أبداً ولو لوهلة أنها تسترق النظر إلى ساعتها قائلة: “يا إلهي! مرت خمسة عشر دقيقة فقط!” بل بعد خمسة وأربعين دقيقة ما زالت تغني كل سطر بوضوح، كلمة وراء كلمة، حتى لفظت آخر كلمة مغناة.

في الغالب، الأمور ليست بهذه الطريقة، بهذه البساطة والنقاء، وبكلّ هذا التركيز المعطى لكلّ مقطع لفظي للحياة، عندما تغنّي الحياة نفسها. ولكن هذا النوع من الانتباه، هو المكافأة. أن نكون منهمكين في شيءٍ خارج أنفسنا، لهو ترياقٌ قويٌ للعقل المنطقي، العقل الذي يحولُ مرارًا دون التأمل والانفتاح، الذي يرى الأشياء من زاوية نرجسية، ضيقة ومظلمة، لا تقدّم سوى نظرياتٍ عن “لاهوت القولون”، ولا تمنح الأمل لأحد.

• فصيلة من الكلاب الصينية
• أغنية للأطفال في نهايتها تظل الجبنة وحيدة.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *