آن لاموت: الكماليّة سوف تدمّر كتابتك

ترجمة: أحمد الزبيدي مراجعة: بثينة العيسى
الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

الكمالية هي صوتُ الطاغية، وعدو الناس. سوف تجعلك معاقًا ومجنونًا طوال حياتك. إنها العائق الأهم بينك وبين مسوّدتك الرديئة الأولى.

أعتقد بأن الكمالية تنبعُ من ذلك الهاجس، بأنك إذا ركضتَ بحذرٍ كافٍ، ووطأت على كلّ حجرٍ بالشكل الصحيح، فلن تموت. الحقيقة هي أنك ستموت في جميع الأحوال، وأن كثيرًا من الناس ممن لا ينظرون إلى خطواتهم، سيبلون خيرًا منك، وسيقضون أوقاتًا ممتعة أكثر منك بكثير.

إلى جانب ذلك كله، الكمالية سوف تدمّر كتابتك، سوف تحجبُ عنك الزخم واللعب وطاقة الحياة. الكمالية تعني أنك تحاول باستماتةٍ ألا تترك وراءك أية فوضى أو أشياء زائدة لكي تتخلص منها، ولكن تلك الفوضى ترينا أن الحياة قيد العيش، فهي أرضٌ خصبة بشكل رائع، ويمكنك أن تكتشف كنوزًا بين تلك المخلفات؛ تتخلص من أشياء، وتمحو أخرى، وتثبّت أخرى، وتعثر على غيرها. الصرامة تعني أن النّص هو أفضل ما ستحصل عليه.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

عندما كنتُ في الحادية والعشرين، قمت بإزالة اللوزتين، كنت من أولئك الذين يصابون بالتهاب الحنجرة كل بضعة دقائق، وأخيرا قرّر الطبيب أنني بحاجة لإجراء عملية ازالة للوزتين. بقيت لمدة أسبوع بعد العملية أعاني الألم الشديد عند محاولة بلع أي شيء، حتى أنني كنت بالكاد أفتح فمي. أخذت وصفة طبية تشتمل على مسكنات للألم، ومع ذلك، وبعد أن نفدت الوصفية، لم يتوقف الألم. تحدثت مع الممرضة وقلت لها بأنّ من الضروري جدًا أن تصرف لي وصفة جديدة أقوى، وربما من الأفضل أن تحتوي على مزيج أدوية أكثر فاعلية، لأنني بدأت أشعر بالقلق نوعا ما، ولكنها لم تفعل. طلبت أن اتحدث مع مسئولتها، فأخبرتني بأنها تتناول الغداء، وأن ما أحتاج إليه هو شراء بعض العلكة قبل أي شيء، وأن أقوم بمضغها بقوة.

هذه الفكرة جعلتني أقبض على حلقي بإحكام. فشرحت لي كيف أن جسدنا حينما يصيبه جرح ما، فإن العضلات القريبة من الجرح تحيط به، لحمايته من أي تلوث أو عدوى، لذا فأنا بحاجة لاستعمال تلك العضلات إذا ما أردت أن أشعر بالراحة.
وأخيرًا، ذهبت صديقتي المفضلة بامي واشترت لي بعض العلكة، وبدأت ألوكها وأنا مستاءة ومرتابة. كانت أولى الحركات قد خلفت إحساسا فظيعًا في مؤخرة الحلق، ولكن الألم زال تمامًا خلال دقائق.

أعتقد بأن شيئاً مشابهاً لذلك يحدث لقوانا النفسية، فهي تضيّق الخناق على جروحنا -ذكريات الطفولة المؤلمة وهزائمنا وخيبات أملنا في مرحلة البلوغ والإذلال الذي عانيناه من كليهما، فهي تحمينا من عودة الآلام الى المكان ذاته مرة اخرى، وتلفظ الأشياء الغريبة خارجًا، وعليه فهي لا تسمح لتلك الجروح بأن تلتئم.

الكمالية هي أحد الطرق لتضييق الخناق على جروحنا. في بعض الحالات، نحن لا نعرف حتى أن الجروح والتشنّجات موجودة، إنّها تحدّ من قدراتنا، تجعلنا نواصل المسير ونكتب بأساليب صارمة وقلقة، تجعلنا نتراجع ونتقهقر أمام الحياة، وبطريقةٍ فجة ومباشرة تمنعنا من اختبار الحياة، فكيف يمكن لنا تجاوز كل ذلك والتقدم الى الأمام؟

حسنًا، سيكون ذلك أسهل، إذا ما كنت تؤمن بإله. ولن يكون مستحيلا إن لم تفعل. إذا كنت تؤمنُ بإله، فإن الإله الذي تؤمن به قد يكون قادرًا على تحريرك من الكمالية. رغم ذلك، فإن أحد أكثر الأشياء إزعاجًا أن تعرف بأن إلهك لن يمسّك بعصاه السحرية، مثلما تفعل الجنية الطيبة جليندا، ويعطيك ما ترغب به. ولكنه قد يمدّك بالشجاعة أو قوة التحمّل لكتابة المزيد والمزيد من المسوّدات الرديئة، وعندها ستتعلم أن المسودة الثانية المتقنة ستنبثق من ذلك، وستدرك قيمة تلك الفوضى والركام الرهيب الذي تركته خلفك.

والآن، قد يكون الإله الذي تؤمنُ به صارمًا ومطلق أحكامٍ وكماليّ، من النوع الذي يشبه بوب دول، أو يشبهني أنا. ولكنّ صديقًا قسّيسًا حذرني مرة لأبتعد عن إله المعايير في طفولتي، الذي يحبّك ويرشدك، ثمّ – إذا تصرّفت بسوء- سوف يشويك. إلهٌ مثل ناظر مدرسة ثانوية ببذلة رمادية، لا يتذكر حتى اسمك، ولكنّه دائمًا ما يقلّب أوراق ملفك بضيق. إذا كان هذا هو الإله الذي تؤمن به، فأنت بحاجة لأن تندمج مع شخصٍ يسليك قليلا، أقل وسوسة وتدقيقًا. ديفيد بايرن مثلا، قد يكون جيدًا، وكذلك غريس الين، ومستر روجر.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

الصرامة تجعلني أفكّر بحبس أنفاسي، وبإيقاف حركتي، في حين تحتاج الكتابة إلى التنفس والحركة.

إذا لم تكن تؤمنُ بإله، فقد يكون من المجدي أن تتذكّر الكلمات العظيمة لجنين روث:

“إن الوعي والإدراك يعلّمانك أن تصاحبَ نفسك وأن تكون صديقًا أكثر تعاطفًا معها، كما لو كنتَ شخصًا تحبّه وترغب بتشجيعه. أشكّ بأنك ستقرأ المسودة الأولى لصديقٍ مقرّب، بحضوره، وأنت تقلّب عينيك منزعجًا وساخرًا. أشكُّ بأنك سوف تقحمُ إصبعك في حنجرتك، أعتقدُ بأنك ربما ستقول شيئًا يشبهُ؛ أحسنت. يمكننا أن نعالج بعض المشكلات لاحقًا، ولكن حاليًا.. اعمل بكلّ طاقتك”.

وعلى أية حال، فإن الحقيقة هي أنك إذا أردت أن تكتب، فبإمكانك ذلك، ولكن من المحتمل أنّك لن تكون قادرا على التقدم إذا لم تتجاوز عائق الكمالية.

أنت تريد أن تروي قصة من نوع ما، تروي الحقيقة كما تشعر بها، لأن شيئا ما يدعوك لذلك.

إنه يدعوك كما في افلام الكارتون، عندما يرتفع من الفطيرة الساخنة – التي تركوها قرب النافذة لتبرد – إصبعًا من الدخان الرفيع، ينزلق تحت الباب، إلى جحر الفأر، أو أنف الرجل والمرأة النائمين على الكرسيّ المريح، فيلوي الدخان العبقُ إصبعه، ينهضُ الفأر، أو الرجل أو المرأة، ويتبعونه، بأنوفٍ ترتفع في الهواء.

ولكن في بعض الأيام، يكون الدخانُ خفيفًا، وعليك أن تلاحقه بأفضل ما تستطيع، وأن تتشمّمه. وحتى في تلك الأيام، يمكنك أن تحسّ بالمثابرة، وفي اليوم التالي قد تكون الرائحة أقوى، كما لو أنك تنمّي في داخلك غريزة كلبيّة. إنه أمرٌ لا يقدّر بثمن. في حين أن الكمالية، على الجانب الآخر، لن تأخذك إلا إلى الجنون.

إن يوم عملك قد يتحول الى فوضى تامة، ما الضير في ذلك؟ يقول فونيغت:

“عندما أكتب أشعر مثل رجلٍ بلا يدين، ولا ساقين، بقلمِ تلوينٍ شمعيّ في فمه”.

لذا، انطلق وأحدث الكثير من الخربشات والأخطاء. استخدم الكثير من الأوراق، الكمالية هي شكلٌ لئيمٌ وجامدٌ للمثالية، في حين أن الفوضى هي صديق الفنان الحقيقي.

ما ينساه الناس غالبًا، من دون دراية أنا متيقنة، أننا عندما كنا صغارًا، كنا نحتاج أن نخلق الفوضى لنكتشف من نحن، ولماذا نحن هنا، ومن ثمَّ.. ما الذي يفترضُ بنا أن نكتبه.

من كتاب: Bird By Bird

This entry was posted in نصائح الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *