جوان أكوتشيلا: عن النهايات السيئة

ترجمة: ميادة خليل

 

الكثير من الروايات العظيمة في العالم انتهت نهاية سيئة

الكثير من الروايات العظيمة في العالم انتهت نهاية سيئة

الكثير من الروايات العظيمة في العالم انتهت نهاية سيئة. لا أقصد بذلك النهايات الحزينة، أو العودة الى العمل، أو نصوص الغفران (على سبيل المثال: ” الحرب والسلام”، ” الاحمر والاسود”، “الفتى المناسب”)، لكن أقصد هنا النهايات التي تفتقد للقيمة الفنية ـ خيانة ما جاء في بداية الرواية. هذه الحقيقة لا تخص الروايات الجيدة فحسب ولكن كذلك الكتب التي تتوقف عليها سمعة الروايات الغربية.

 النصف الاول من “ديفيد كوبرفيلد” يتركك تلهث. تضحك، وتبكي، وربما سيغمى عليك. المشهد الذي أنقذ فيه ديفيد عمته بيتسي، غَسَلّها، ووضعها في الفراش، نظر من النافذة الى ضوء القمر على مجرى النهر، تخيل انه قد رأى أمه ميتة هناك، وطفلها بين يديها (توفيت أثناء الولادة). بعد ان نسيت الكثير من احداث حياتي، سوف أتذكر هذا. ولكن في الفصول الاخيرة من الرواية، ديفيد البالغ يتزوج امرأة حكيمة وينجح في حياته، ومنذ تلك اللحظة عليك ان تموت من الملل. الشيء ذاته مع ” مرتفعات ويذرنغ”. بعد العاطفة الثمينة لكاثرين وهيثكليف، من يعتني بحب (يأتي ويذهب) لأولادهم المملين؟ لا يزال هذا يحتل نصف الكتاب.

 ويلا كاثر في “أغنية القبرة” هي حالة مماثلة. الرواية تُظهر لنا كيف أن ثيا فتاة البلدة الصغيرة في ولاية كولورادو، أصبحت سوبرانو فاغنر عظيمة في أوبرا متروبوليتان. كاثر، مثل ديكينز، شعرت أن قدوتها في شبابها كان شيئاً عظيماً وبحاجة الى وصف. لم يحدث ذلك. كل ما فعلته الشخصيات في الفصول الاخيرة هو الكلام، الكلام، الكلام. حتى عندما قبلت ثيا طلب الزواج من الرجل الذي يعشقها، النص كان مقصوصًا وجافًا. كاثر أخيراً أدركت المشكلة، وبعد أكثر من عشرين سنة على إصدار الرواية، تنقحها، قرصنت معظم الفقرات، وضمنتها مقدمة وضحت فيها ما فعلته. كتبت: “الخطأ الكبير في الكتاب كان هو وصف منعطف منحدر، حياة فنان ناجح (في مد وجزر) لديه فرصة ناجحة لإنجاز هدفه ليست مثيرة للاهتمام كحياة شابة موهوبة ” شقت طريقها بنفسها” كما نقول دائماً. الصراع أكثر إثارةً من النجاح ـ وحتى تحقيق النجاح”. هي لم تضف شيئًا، كان هذا حقيقة حياتها على أي حال ــ في فترة سابقة كانت عاشقة ومناضلة عظيمة، وفي السنوات التالية، عندما أصبحت مشهورة، كان هناك تصحيح لألواح الطباعة ودقة أوقات تناول الطعام. ورددت القول الشهير لــ جول ميشليه “Le but n’est rien. Le chemin، c’est tout.” (ليس المهم تحقيق الهدف، الأهم هو الوصول اليه).

 أعظم رواية في بلدنا هي الرواية التي نهايتها صادمة، وهنا “التوت الفنلندي”، بعد رحلة هاك وجيم في النهر ــ رحلة قد تحكي لك كل شيء عن أمريكا، وهي كذلك قصة حب، فيها رجل أسود وصبي أبيض يصبحان صديقان مخلصان لبعضهما. هاك يلتقي بالصدفة بصديقه القديم توم سوير في بيت عمة توم. وبينما بيت القصيد من رحلة النهر هو إنقاذ جيم من العبودية، يُسجن جيم كهارب. توم، روح الخاسر الذي فقد الحس الاخلاقي، لديه فكرة جيدة عن كيفية مضايقة جيم وتخويفه في الكوخ الذي يمتلكه، هاك وافق.

 كل من يقرأ الكتاب يخرج بــ O.K. (جيم تحرر من العبودية)، لكن ليس هناك من صعوبة في تجرع طعم المرارة في فمك عندما تغلق الكتاب. كيف استطاع توين، وبجدية تامة، أخلاقياً على الأقل، في الجزء السابق من الرواية، أن ينحرف الى هذه الكوميديا القاسية؟

  برنارد دفوتو، اعتقد أنه وقر توين، لا يزال يكتب بما هو مألوف في تاريخ الرواية المكتوبة باللغة الانكليزية: ” لا مفاجئة أو هجوم حاد بعد الآن “. بعض النقاد، العظماء منهم، حاول الدفاع عن النهاية على اساس رسمي. تي.اي.اليوت كتب ان توين اعاد هاك الى حيث بدأ: في عالم هزلي، يحكمه توم.

 ليونيل تريلينغ قال شيئا من هذا القبيل مع بعض الشك. ليو ماركس وبّخ كل منهما على ذلك. حسب رأيه يجب علينا الاعتراف بان توين ” تنقصه الشجاعة”، وعاد الى ما قاله في الجزء الرئيسي من الكتاب عن العِرق والأخلاق. أعتقد أن هذا أفضل تفسير. لكن المثير هنا ان القرّاء يعتبرون الكتاب عظيم جداً جداً، عندما يحتوي على خطأ فادح كهذا. نتظاهر ان بإمكاننا أكل النص الجيد من التفاحة ورمي الجزء التالف بعيداً.

 في الفترة الاخيرة قرأت ” مرتفعات ويذرنغ” صُدِمت من ضعف النصف الثاني من الكتاب. لقد نسيته. اي. ام. فوستر في “جوانب من الرواية” قال: كل نهاية رواية تقريباً مخيبة للآمال. “هذا لان الحبكة يجب أن تنتهي. لماذا هذا ضروري؟ لماذا لا يكون هناك اتفاق يسمح للروائي بالتوقف عندما يشعر بالتشويش والملل؟ للأسف، عليه ان ينهي الامر، وعادة الشخصيات تموت بينما هو يكتب”. هذا التفسير ليس كافياً، لماذا يشعر الروائي بضرورة إتمام الامر؟ هل هناك تحفظ؟ ام كلاسيكية؟

 هناك احتمال آخر، هو ان الكاتب يشعر بالتعب. راجعت الكثير من الكتب، أغلبها كتب غير خيالية. ومرة اخرى، الفصول الاخيرة سريعة ومملة. “لقد بذلت قصارى جهدي” ربما يقول الكاتب لنفسه، “تطور الاحداث لم يكن كافياً. أمتلك بالفعل فكرة كتاب جديد. أخرجوني من هنا”.

 لكن حتى هذا المنطق البديهي الجذاب، غير كافٍ. أعتقد أن التعب ليس شخصيا، ولكن شيء ما عن الكون عموماً: بايولوجي، فيزيائي. الفن، سواء الخيالي او اللاخيالي، هو تحدٍ للكون، شيء ما يتجه نحو الاعلى في حين يجب ان يكون على الارض. عندما تفكر في ذلك، تستغرب بان الفن يسمح له في الوجود. هناك دائماً انحراف: انتقائية مفرطة، وعدم مصداقية، ليس في جميع تجاربنا لكن في افكارنا التي غلب عليها التعميم، الافكار التي تمنحها لنا الحياة. في ” الحرب والسلام”، عندما البطلة الشابة سريعة الانفعال كَبُرت وأصبح لديها اولاد وأصابتها السمنة، شعر القرّاء الشباب بخيبة الامل، لكن اعتقد ان البالغين ربما شعروا بالارتياح. معظمنا يريد أشياء غير عادية، وبعد فترة من الوقت نتخلى عن وجودها الغير العادي ــ كانت هذه هي الغاية. الحجارة تسقط في الماء. تموجات الماء تتسارع. الان يجب ان تتوقف. السطح يجب ان يعود صافياً مرة اخرى.

المصدر: The New Yorker

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *