فاروق مواسي: الطقوس، وطقوسي في الكتابة

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه

أ. د فاروق مواسي

يبدو لي أن “الطقوس” كما يسميها الكثيرون أو العادات المنتهجة أو “السلوك الكتابي” كما أرى، فيها ما يشي بالمضمون، وإذا كان الأسلوب هو الكاتب كما يرى بوفون فلا بدع إن لاحظنا أن الشكل حتى الخارجي عن النص أو السابق له، له علاقة ما بالفحوى، أو بصاحبه.

وقد ألف س. ر مارتين كتابه “في تجربة الكتابة”- ترجمة: تحرير السماوي، فعرّفنا إلى بعض السلوك الكتابي، فسيمنون يصحو من السادسة صباحًا ويحضر لنفسه القهوة، ويأخذ فنجانه يوميًا إلى غرفة عمله.. الستائر تظل مسدلة فهو يحب العمل تحت المصابيح الكهربائية. سيمنون كان يعمل لمدة ثلاث ساعات يوميًا أي أنه في التاسعة صباحًا يكون قد أكمل ما يقارب العشرين صفحة دونما استراحة تستمر طباعته كطلقات الرشاش، ويطبع نسختين من كل صفحة خوفًا من أن تضيع إحدى أوراقه… في فترات الاستراحة لا يقوم بأي عمل (ص92)

أما أجاثا كريستي ففي الحمام تأتيها أفضل الأفكار كما قالت:

كانت تجلس في البانيو ساعات طوالاً حتى تجد القصة الملائمة وتضيف:” لا أستطيع وضع التصاميم إلا في الرياح الممطرة، أما إذا أشرقت الشمس فيكون أحب شيء الى نفسي هو الجلوس في الحديقة. ففي الأيام العشرة قبل الأخيرة قبل البدء في الكتابة أحتاج لتركيز محكم. عليّ أن أظل وحدي دون ضيوف ودون تلفون ورسائل (ص 108)

أغاثا كريستي تأتيها الأفكار في الحمام

أغاثا كريستي تأتيها الأفكار في الحمام

ولم يكن همنغواي يستعمل المكتبة لعمله بل كان يعمل في “البرج الأبيض” المطل على العاصمة هافانا (ص12) الأمر الذي يذكّر بميخائيل نعيمة و”الشخروب” في أعلى بسكنتا.

لا بد من الاشارة كذلك إلى مقال كتبه صالح علماني في صحيفة تشرين السورية 2003/05/28 حيث استعرض كتاب “عندما تأتي ربات الإلهام” للمؤلفين الإسبانيين راؤول كريماديس وأنخل استيبان. أما الأول فقد كان أستاذًا للأدب الإسباني والأمريكي اللاتيني في جامعات مختلفة، وحرر مقالات أدبية ونقدية في صحف كثيرة، وأما الآخر فهو أستاذ الأدب الأمريكي في جامعة غرناطة. وهذا الكتاب يدرس عادات ستة عشر أديبًا في ستة عشر فصلًا، نحو: ألبرتي، نيرودا، بورخيس وأوكتافيو بات وإدواردز…إلخ.

فبورخيس مثلاً كان يغطس في الصباح الباكر في حوض الاستحمام ليستغرق في التأمل وليناقش الحلم الذي حلمه الليلة الفائتة، وليدرس إن كانت فكرة الحلم تنفعه في صياغة أدبية ما، فإذا اهتدى إلى البداية والنهاية لم تكن لديه صعوبة في استمرار معالجته للنص.

ومن الجدير أن نذكر أن ماركيز كان يؤمن بأن الأزهار على منضدته تجلب له الحظ، وقد ذكر أنه يستهلك مئات الأوراق حتى يستخلص قصة في اثنتي عشرة صفحة.

أما الحديث عن يوسا وانضباطه ودقته فيذكرنا بنجيب محفوظ الذي كان يمر في وقت محدد تُضبط الساعة حسبه. ولكن المفاجئ في سلوك يوسا الأدبي أنه كان يكتب وأمامه دمى لأفراس النهر.

همنغواي يكتب في البرج الأبيض

همنغواي يكتب في البرج الأبيض

وكنت قد قرأت أن شوقي كان يكتب في المقاهي وعلى أوراق علبة الدخان، وكان يترنم في شعره على شاطئ النيل، وأن نزار قباني كان لا يستخدم إلا الورق الملون في كتابته.

وقد تعرفت إلى بعض الأدباء الذين يُعدّون للكتابة عدتها، فيحضر هذا الطاولة والأقلام والورق، ويعد القهوة، ويستمع الى الموسيقى الكلاسيكية.

ونحن بالطبع لا نستطيع أن نصل بين خط السلوك وفحوى النص تمامًا، ولكن ذلك يحتاج إلى دراسة مسؤولة، والافتراض أن ثمة علاقة ما كما أشرت.

سأحاول أن أبيّن ذلك من خلال سلوكي الشخصي (وعذرًا لأنني أذكر نفسي بين عظماء أنا تلميذ لهم، فقد طُلب مني أصلاً أن أكتب عن سلوكي أو طقوسي الشخصية:

إن النظام والانضباط والدقة أهم ما أهتم به، والصدق هو العمود الفقري لكتابتي، فإذا وردت القصيدة وكنت سائقًا كتبت بعض أبياتها وأنا أقود سيارتي، وإن كنت على فراشي ليلاً فإنني أدوّن الوارد والنور مُطفأ (خشية من تعكير الصفو على العائلة)، وإن أطلت الفكرة أو الإشراقة لجأت إلى الهدوء لأتابع ما أحسه ويختلج في مشاعري وفكري.

أقرأ بصوت عال كل ما أكتبه، وفي قراءتي يتبين لي الشعر بتلقائية، وألاحظ كيف يرتفع صوتي وينخفض مع وتيرة دمي. بعض قصائدي كانت تأتي إثباتاً لمقولة “إن الشعر فيضان تلقائي”، فتولد القصيدة كاملة دون أن أحس فيها حرفًا منها على سبيل المثال: “ند في أضرحة عراقية” التي كتبتها والدمعة ترف على مآقيّ.

أما القصائد التي أقرأها على نفسي بإلقائي المتفاعل فقد أجد كلمة بحاجة إلى تغيير، أو إلى معنى جديد جدير أن أتوسع فيه، أو أختزله، فأفعل ذلك أسوة بعبيد الشعر الذين اشتهروا في الجاهلية بسلوكهم الكتابي الذي كان يمتحن الجملة الشعرية، ومنهم زهير في حولياته، عبيد بن الأبرص، الحطيئة وعدي بن زيد..

أحمد شوقي يكتب على أوراق علبة الدخان

أحمد شوقي يكتب على أوراق علبة الدخان

ولعل في هذا إيجابًا أيضًا أن الشاعر لا يعتبر كلماته كمالاً مطلقًا، وقد توصل الى ذاك لاحقاً العماد الأصفهاني الذي رأى في التغيير علامة على “استيلاء النقص على جملة البشر”.

أما كيف تولد قصيدتي، فالأمر يتعلق بما شحنت به أو عبّئت أشجاني وأحلامي وعاطفتي. تأتيني جنية الشعر (ولا أقول شيطانُه) فأتبعها بلباسها الشفاف. هل الصورة أوشكت أن تكون؟ إذن فاسمعوا ما أقول:

انحنت لي قليلًا فبدا تكوّر نهديها/ فرمقت الزغب الأبيض.
في شهوة/ ومضينا في الكلام وفي القصيدة.

عندما أختم القصيدة أحب أن أقرأها فتكون رفيقتي عفاف (تسمي نفسها “الأذن الأولى”) هي التي تستمع، فأقرأ وأراقب تعابير وجهها، وأستمع الى تعليقها، ولكنني لا أتقيد به.

أما كتابتي النقدية والبحثية فهي من قبيل القصدية، فأنا معنيّ مثلاً بفكرة أو بنص أو بأديب أحب أن أعرف به أو مبدأ شعري أو فكري.

أقرأ أولاً ماذا كُتب، وأعطي كل ذي حق حقه، فلا أسرق من هذا ولا أنتحل، ولا أنكر على ذاك فضله، فقد جعلت رائدي الصدق -كما قلت-.

أبحث عن متلقٍ يستمع إليّ وأشترط فيه (في قرارة نفسي) أن يقدّر جهدي، فلا يتوقف لدى الملاحظة التي لا تروق له.

شرط كتابتي أن يكون هدوء حولي لأركّز فكرتي، وأغوص في أعماقها شعراً ونثراً.

فهل هذا الصدق وهذا الهدوء وهذه الدقة تنعكس في كتابتي؟
أدع الجواب للمتلقي الذي أرحب أن يكون موضوعياً.

نشرت في مقال كتبه كمال الرياحي في مجلة عمان العدد 121 – تموز 2005، ص 9 – 11.

This entry was posted in طقوس الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *