ويليام فوكنر: يجب على الكاتب ألا يرضى عمّا يكتبُه

ترجمة: رهام المطيري

 

على الكاتب أن يحاول أن يكون أفضل من نفسه.

على الكاتب أن يحاول أن يكون أفضل من نفسه.

ولد الشاعر والروائي ويليام فوكنر في مدينة نيو ألباني، ميسيسيبي، حيث كان يعمل والده محصلَ تذاكر في القطار الذي بناه جد جده، العقيد ويليام فوكنر، كاتب رواية “وردة ممفيس البيضاء.” بعدها انتقلت عائلته إلى أوكسفورد، حيث درس الثانوية هناك ولكنه لم يتمكن من التخرج بالرغم من أنه كان قارئًا نهمًا. في ١٩١٨، انضم كطالب إلى صفوف الطيارين في سلاح الجو الملكي الكندي. وبعدها عمل كمدير مكتب البريد في الجامعة لكنه طرد لاحقًا لأنه يقضي معظم وقته في القراءة. في ١٩٢٦، كتب روايته “أجر جندي” بتشجيع من الروائي الأمريكي شيروود أنديرسون. بعدها نشر فوكنر عددًا من الروايات بشكل متواصل. حصل فوكنر على جائزة الكتاب الوطنية مرتين. المرة الأولى في ١٩٥١ عن مجموعته القصصية “مجموعة قصصية” والمرة الثانية في ١٩٥٥ عن روايته “حكاية”. وفي ١٩٤٩ نال فوكنر على جائزة نوبل للأدب.

– حدثنا عن ويليام فوكنر الكاتب.

لو لم أولد لكان أحدهم سيكتب ما كتبت أنا وهيمنجواي ودوستوفيسكي وكل واحد منا. والدليل على ذلك أن هناك ٣ كتاب مختلفين مرشحين لأن يكون واحدٌ منهم الكاتب الأصلي لمسرحيات شكسبير. على أي حال، المهم أن أحدهم كتب “هاملت” و”حلم منتصف ليلة صيف” وليس المهم من كتبها. فالكاتب ليس له قيمة، ولكن ما يكتبه هو ماله قيمة، بما أنه لا يوجد شيء جديد يُقال. شكسبير وبلزاك وهومر جميعهم كتبوا عن نفس الأشياء، ولو عاشوا ١٠٠ أو ٢٠٠ سنة لما احتاج الناشرون أي كاتب.

– هل هناك وصفة معينة يتبعها الكاتب ليصبح روائيا جيد؟

٩٩ ٪ موهبة، ٩٩٪ التزام، ٩٩٪ عمل. يجب ألا يرضى الكاتب مطلقًا عما يكتبه فلا يمكن أن يكون ما كتبه جيدًا كما يجب. على الكاتب أن يحلم دائمًا ويرفع سقف طموحاته أعلى مما يعرف أنه يستطيع فعله. كما عليه ألا يشغل نفسه بأن يكون أفضل من معاصريه أو أسلافه من الكُتاب، بل عليه أن يحاول أن يكون أفضل من نفسه. فالكاتب كائن توجهه الشياطين. إنه لا يعرف لماذا اختاروه وغالبًا هو مشغول للغاية ليتساءل عن السبب. فالكاتب سينهب أو يستعير أو يستجدي أي شخص لينجز عمله.

– هل تعني أنه على الكاتب أن يكون قاسيًا؟

إن مسؤولية الكاتب الوحيدة هي تجاه عمله. وسيكون قاسيًا إن كان كاتبًا جيدًا. فهو لديه حلم يزعجه وعليه أن يتخلص منه ليشعر بالطمأنينة. فكل شيء يتوقف: الفخر، والاحترام والأمن والسعادة، كلها تتوقف في سبيل إنجاز عمله. فلو اضطر الكاتب لنهب والدته فلن يتردد.

الكاتب كائن توجهه الشياطين

الكاتب كائن توجهه الشياطين

– إذن هل تعتبر الافتقار للأمن والسعادة والفخر عاملًا مهمًا بالنسبة لإبداع الكاتب؟

لا. فالافتقار لهذه الأشياء مهم فقط لسلامة وقناعة الكاتب الشخصية، والكتابة لا شأن لها لا بالسلامة ولا بالقناعة.

– ماذا عن الحرية الاقتصادية، هل يحتاجها الكاتب ليكتب؟

لا. كل ما يحتاج إليه الكاتب هو قلم رصاص وورق. فأنا لا أعرف أي كتابة جيدة تأتي من وراء قبول عطايا مالية. فالكاتب الجيد لا يقدم للحصول على هبة مالية فهو مشغول للغاية بالكتابة. لكن لو لم يكن كاتبًا من كُتاب الطراز الأول فإنه سيخدع نفسه قائلًا بأنه لا يجد الوقت الكافي أو لا يملك الحرية الاقتصادية ليتفرغ للكتابة.

إن الكتابة الجيدة قد يقدمها اللصوص أو مروجو الخمور أو عمال الإسطبل. إن الناس يخشون بالفعل معرفة خشونتهم وقدرتهم على تحمل المصاعب والفقر.

لا شيء يمكن أن يدمر الكاتب الجيد. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يغيره هو الموت. والكتاب الجيدون ليس لديهم الوقت ليزعجوا أنفسهم بالنجاح أو الثراء. فالنجاح كالمرأة، لو تذللت أمامها ستتحكم بك. لذا طريقة التعامل معها هي أن تريها ظاهر يدك حينها ربما قد تأتيك زاحفة.

المحاور: هل إنتاج أعمالك الروائية كأعمال سينمائية من شأنه أن يضرها؟

لا شيء يمكن أن يضر بكتابات أي كاتب إذا كان من كتاب الطراز الأول. لكن إن لم يكن كذلك فإنه لا يوجد أي شيء يمكن أن يساعده.

– هل يضطر الكاتب للوصول لحل وسط عندما يتم تحويل نصه الروائي لعمل سينمائي؟

بالطبع لأن العمل السينمائي بطبيعته عبارة عن تعاون وأي تعاون هو توصل لحل وسط وهذا ما يعنيه “الأخذ والعطاء”.

– ذكرت أن على الكاتب أن يصل لحل وسط عند العمل في كتابة نصوص للأعمال السينمائية. ماذا عن كتابته، هل هو تحت أي التزام تجاه قرائه؟

إن التزام الكاتب الوحيد هو إنجاز عمله على أفضل وجه ممكن، وأيّ التزام آخر بعد ذلك له أن يقضيه كيفما يشاء. أنا عن نفسي مشغول للغاية لأهتم بالعامة وليس لدي وقت لأتساءل من يقرأ كتبي. لا أهتم برأي أي شخص في أعمالي أو أعمال غيري من الكُتاب. إن المعيار الذي أسعى للوصول إليه هو أن يجعلني الكتاب أشعر بنفس الشعور الذي أشعر به عندما أقرأ “إغراء سانت أنتوني” أو “العهد القديم” فكلاهما يجعلاني أشعر بالسعادة كما تجعلني مشاهدة العصافير سعيدًا. لو كان بإمكاني أن أحيا مرة أخرى، فسأفضل أن أصبح صقرًا حوامًا، فلا أحد يكرهه أو يحسده أو يريد منه شيئا أو حتى يحتاجه. فهو لا يشعر مطلقا بالإزعاج أو الخطر وبإمكانه أن يتناول ما يشاء.

لا شيء يمكن أن يدمر الكاتب الجيد.

لا شيء يمكن أن يدمر الكاتب الجيد.

– ماهي التقنية التي تتبعها لتصل إلى معيارك؟

فليحترف الكاتب الجراحة أو البناء إن كان مهتمًا باتباع تقنية معينة لإنجاز عمله. لا يوجد هناك تقنية معينة أو اختصار يمكن اتباعه لإنجاز الكتابة. سيبدو الكاتب الشاب أحمقًا لو اتبع نظرية معينة.

علّم نفسك من أخطائك، فالناس تتعلم فقط من أخطائها. إن الكاتب الجيد يؤمن بأنه لا يوجد أحدٌ جيدٌ بشكل كافٍ ليقدم له النصيحة، فهو يشعر بالغرور.

فمهما كان الكاتب معجبًا بكتابات أسلافه، فهو يسعى ليكون أفضل منهم.

– هل تنكر إذن أهمية وجود تقنية؟

على الإطلاق، أحيانًا تتحكم التقنية بحلم الكاتب حتى قبل أن يضع الكاتب نفسُه يدَه عليه. الإبداع والعمل المُنجز هو ببساطة كصف الطوب بعضه على بعض بدقة حيث أنه غالبًا ما يكون الكاتب يعرف كل كلمة في كتابه قبل أن يشرع بوضع الكلمة الأولى على الورق. وهذا ما حدث معي عندما كتبت “بينما أرقد محتضرة” ولم يكن هذا بالأمر السهل. فلا يوجد عمل محترم سهلٌ. كان الأمر بسيطًا لأن المادة الخام للعمل في متناول يدي حيث استغرقت فقط ستة أسابيع في وقت فراغي من عملي الذي يستغرق ١٢ ساعة يوميًا. لقد تخيلت ببساطة مجموعة من الأشخاص وأخضعتهم لكوارث طبيعية كونية، مثل الفيضان والنار، مع وجود حافز طبيعي لإعطاء اتجاه لتقدمهم. لكن عندما لا تتدخل التقنية في الكتابة فإنها ستصبح سهلة. لأنه بالنسبة لي فإنه يوجد في كل كتاب نقطة ما حيث تنهض الشخصيات وتصنع الأحداث وتُنهي العمل مثلا في صفحة ٢٧٥. لا أدري ما قد يحصل لو أنهيت العمل في صفحة ٢٧٤. فالجودة التي لابد أن يتحلى بها الكاتب هي الموضوعية في الحكم على عمله بالإضافة للصدق والشجاعة. وبما أنه لم يصل أيا من أعمالي إلى المعيار الذي أرتجيه، فيجب عليّ أن أحكم عليها بناءً على أكثر كتاب من كتبي سبب لي الحزن والمعاناة؛ كالأم التي تحب ابنها الذي صار لصًا أو قاتلاً أكثر من ابنها الذي أصبح كاهنًا.

– إلى أي مدىً كتاباتك مبنية على التجربة الشخصية؟

لا أستطيع أن أحدد ذلك، فأنا لم أعدها. لأن “لأي مدى” ليس بالأمر المهم. فالكاتب يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الخبرة والملاحظة والخيال. أي اثنين منهم، وفي بعض الأحيان أي واحد منهم، يمكنه تعويض نقص الآخر. بالنسبة لي، تبدأ القصة غالبًا بفكرة وحيدة أو ذكرى أو صورة ذهنية. وكتابة القصة هي ببساطة عبارة عن العمل للوصول لتلك اللحظة، لتفسير سبب حصولها أو ما الذي تسببت به ليحصل لاحقا. فالكاتب يحاول أن يخلق شخصيات قابلة للتصديق في مواقف معقولة ومؤثرة. ومن الواضح أنه على الكاتب أن يستخدم البيئة التي يعرفها كأحد أدواته. ويمكنني القول بأن الموسيقى هي أسهل وسيلة للتعبير منذ أن برزت في تاريخ وخبرة الإنسان. ولكن لأن الكلمات هي موهبتي، فعلّي أن أعبر عبرها بشكل غير مصقول ما تستطيع الموسيقى الصافية فعله بشكل أفضل. فالموسيقى تعبر بشكل أفضل وأبسط، لكني أفضل استخدام الكلمات كما أفضل أن أقرأ على أن أستمع.

– لقد ذكرت أن الخبرة والملاحظة والخيال أدوات مهمة للكاتب. ماذا عن الإلهام؟

لا أعرف أي شيء عن الإلهام لأنني لا أعرف ما هو، لقد سمعت به ولكني لم أره.

الكاتب يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الخبرة والملاحظة والخيال.

الكاتب يحتاج إلى ثلاثة أشياء: الخبرة والملاحظة والخيال.

– ككاتب يذكر أنك مهووس بالعنف.

هذا مثل القول أنّ النجار مهوس بمطرقته. إن العنف هو ببساطة أحد أدوات النجار. وكما لا يستطيع النجار البناء بأداة واحدة فإن الكاتب لا يستطيع الكتابة بأداة واحدة.

– هل لك أن تحدثنا عن بدايتك ككاتب؟

كنت أعيش في نيو أورليانز، أعمل أي عمل لأتمكن من جني القليل من المال من حين لآخر. وحينها قابلت الكاتب الأمريكي شروود أندرسون فكنا نسير مشيًا عبر المدينة في وقت الظهيرة ونتحدث مع الناس. وفي المساء نلتقي مجددًا ونحتسي النبيذ بينما هو يتحدث وأنا أصغي. لم أكن أراه مطلقا أثناء النهار لأنه كان مشغولا بعمله. وفي اليوم التالي نعيد الكره. لذا قررت إن كانت هذه هي حياة الكاتب فإن هذه الحياة هي الحياة المناسبة لي. وشرعت فعلا بكتابة كتابي الأول. وعلى الفور وجدت الكتابة شيئًا ممتعًا لدرجة أنني لم أرَ السيد أندرسون لمدة ثلاثة أسابيع حتى حضر لمكتبي بنفسه وكانت تلك المرة الأولى التي يحضر فيها لمكتبي ليراني. وعندما قابلني قال “ما الخطب؟ هل أنت غاضب مني؟” فأخبرته أنني عاكف على كتابة كتابي. فقال “يا إلهي ثم غادر”. عندما انتهيت من كتابي “أجر جندي” قابلت زوجة السيد أندرسون في الشارع. سألتني عن كتابي وأخبرتها أنني انتهيت من كتابته. قالت “سيعقد زوجي معك صفقة. إذا لم يكن عليه أن يقرأ كتابك سيجعل ناشره يقبله”. فقلت “حسنًا” وهكذا أصبحت كاتبًا.

– هل تقرأ أعمال معاصريك؟

لا. الكتب التي أقرأها هي الكتب التي عرفتها وأحببتها عندما كنت شابًا، والتي أعود لها كما يعود الشخص لأصدقائه القدامى: كالعهد القديم وأعمال ديكنز وكونراد ورواية “دون كيخوته” لسيرفانتس. فأنا أقرؤها كل عام كما يقرأ البعض الإنجيل. كما أقرأ أعمال فولبير وبلزاك ودوستوفيسكي وتولستوي وشكسبير. أقرأ أيضًا بين الحين والآخر للكاتب الأمريكي ميلفل. بالنسبة للشعراء، أقرأ لكرستيفور مارلو وتوماس كامبيان وجونسون وروبرت هيرك وجون دون وكيتز وشيلي. ومازلت أقرأ لهاوسمان. لقد قرأت هذه الكتب كثيرًا لدرجة أني لم أعد أبدأ بقراءتها من الصفحة الأولى، بل أقرأ أي مشهد أو عن أي شخصية كما تلتقي بصديق وتتحدثان لعدة دقائق.

– هل لديك أي تعليق بخصوص مستقبل الرواية.

أتخيل أنه طالما استمر الناس بالقراءة فإن الكُتاب سيستمرون بكتابة الروايات، والعكس صحيح. بالطبع إلا أذا أضعفت المجلات المصورة والرسوم الهزلية قدرة الناس على القراءة ورجع الأدب إلى ما كان عليه من الكتابة المصورة في عصر الإنسان البدائي.

ليس لدى الكاتب الوقت ليستمع للنقاد.

ليس لدى الكاتب الوقت ليستمع للنقاد.

– وماذا عن دور النقاد؟

ليس لدى الكاتب الوقت ليستمع للنقاد. الذين يريدون أن يكونوا كُتابًا يقرؤون مراجعات ونقد الكتب ولكن الذين يريدون أن يكتبوا ليس لديهم الوقت لقراءة تلك المراجعات. إن النقاد أيضًا يحاولون أن يقولوا “نحن هنا”. إن دور الناقد ليس موجهًا للكاتب نفسه فالكاتب أفضل منه لأن الكاتب يكتب شيئا يحرك الناقد بينما يكتب الناقد شيئا يحرك الجميع ماعدا الكاتب نفسه.

حاورته: جين ستين، من صحيفة الـ Paris Review

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *