ريناتا دورستين: الكتابة أصبحت ملجئي الخاص، لأني لا أملك بيتا آمنًا

ترجمة: ميادة خليل
عشت بما يكفي لأعرف أن من البؤس يولد شيء جميل.

عشت بما يكفي لأعرف أن من البؤس يولد شيء جميل.

 الماضي

عندما تعلمتُ القراءة والكتابة، كان الأمر كما لو أنني أصبحتُ عضوة في نادٍ سرّي. تلك الإشارات التي أراها حولي في كل مكان، اتضح لي أنها تحمل معنى! كان عمري ست سنوات وعرفت حينها بأنني: أريدُ أن أكتب.

بدأت بالخواطر والقصص القصيرة. وأدركت أنك عندما تكتب تترك عالمك الواقعي لتخلق لك كوناً تحدث فيه تغييرات وفقاً لرغبتك.  الكتابة أصبحت ملجئي الخاص، لأني لا أملك بيتاً آمناً.

والدي كان سكيراً، وأمي كانت امرأة غير متوازنة. لم أتعرّض للضرب ولكنني كنت حذرة على الدوام. والدي كان خارج المنزل طوال اليوم ونحن، أنا وأختيَّ وأخي، نجلس مع أم مزاجية لا تحب العناية بنا. من حسن الحظ أننا نذهب الى المدرسة. كنا في مدرسة الراهبات وكنت سعيدة هناك. الراهبات حفّزن مخيلتي ــ القصص المتطرفة التي تحكيها لنا الراهبات عن الحياة المقدسة، العباءة السوداء التي يرتدينها، كنت أتساءل ماذا يرتدين تحتها؟ وهل لديهن شعر تحت هذا الغطاء؟ عندما كنتُ في الثانية عشرة من عمري كتبت قصصاً طويلة كانت مقسمة بالفعل الى أجزاء، والراهبة فيرجينيا كانت بمثابة محررة لي. سمحت لي أن أقرأ من قصصي للتلاميذ في صفي كل جمعة، والتلاميذ يعلقون على ما قرأت لهم. وهذا هو السبب الذي جعل مني كاتبة تحترم رأيَ قرائها. رأيت حينها كم من المهم أن أستمع الى تعليقاتهم.

أكملتُ الدراسة الثانوية، ولكني لم أستمر بعدها في الدراسة، لأني أردت قبل أي شيء أن أصبح مستقلة: كنت مستعجلة في أن أكون إنسانة ناضجة. في الثامنة عشرة من عمري أصبحت صُحفية، في البداية عملت في مجلة “بانوراما”، وبعدها في مجلات أخرى. لم أكن أعرف إن كنت سأنجح في كتابة رواية. والصحافة تبدو لي  مهنة جميلة قريبة من كتابة الرواية.

يمكنني أن أعمل دوامًا كاملا في كتابة رواياتي

يمكنني أن أعمل دوامًا كاملا في كتابة رواياتي

السبعينيات، كانت الفترة الذهبية للصحافة. كان هناك تمويل ووجدوني موهوبة. لذلك كنت أسافر باستمرار خارج البلاد لعمل التقارير. عمل مثير ورائع. وخلال تلك الفترة كتبت روايات سيئة الى درجة أني لم أجد ناشراً يقبل نشرها. وفي تلك الفترة أيضاً، هربت أختي الصغيرة من البيت وجاءت لتسكن معي. بعد ستة أشهر من ذلك انتقلت لتسكن وحدها في غرفة في آمستلفين. ومنذ ذلك الوقت بدأت حالتها تسوء تدريجياً. استغرقَ الأمر وقتاً طويلاً حتى عرفنا بأنها مصابة بالبوليميا، لأنه مرض يمكن إخفاءه بسهولة. حاولت مساعدتها. كانت هناك فترات تجول فيها البلاد بالقطار بشكل عشوائي، وعندما تستقر في مكان ما وتنفد نقودها، في آسن أو رورموند، تتصل بي وأذهب لجلبها من هناك. حاولت الانتحار عدة مرات. ونقلت الى المستشفى عدة مرات. كنت في السابعة والعشرين من عمري عندما أتصل اتصل أبي في الساعة السادسة صباحاً ليخبرني بأن أختي قد قفزت من إحدى البنايات. ردة فعلي الأولى كانت: عدت الى الفراش، تدثرت بالأغطية حتى رأسي، ونمت. نمت فعلاً. موتها كان صفعة، لم أتمكن من تقبلها. وبفضل عدم إنقاذها والشعور القاتل بالذنب بقيت أكتب.

لحوالي سنة كاملة، كنتُ أجلس صباحاً في وقت مبكر جداً قبل ذهابي الى عملي خلف مكتبي لكتابة رواية حيث سألت فيها، وبدون وعي، عما هو جنون وما هو طبيعي، ولم أترك فيها أختي لوحدها. بعد كل تلك الكتب الفاشلة نجحت أخيراً في كتابة كتاب جيد: “الغرباء”، صدر عام 1983، وكانت أصداؤه رائعة.

نضجت موهبة التأليف لديّ مع موت أختي. لقد أهدتني ثيمات عظيمة. لكن هناك المزيد. كانت أختي تريد أن تصبح كاتبة أيضاً. أشعر بأن موهبتها في الكتابة قد انتقلت لي بعد موتها، ولهذا، ولهذا فقط، حققتُ نجاحي. الناس يقولون: لا يمكن ذلك، لا يمكن أن تنتقل موهبتها لك. لكنني أعرف أن هذا ما حدث بالفعل.

 الحاضر

 في 1982 بدأت بالكتابة في مجلة ” Opzij ” وكانت بداية لعهد رائع. مجلة Opzij كانت تترأسها السياسية هيدي دانكونا وبعدها تأسست أول رئاسة تحرير للمجلة. رئاسة التحرير كانت مكونة من سيسكا دريسلهويس، أنا ومساعدة التحرير. سيسكا كانت تقول دائماً: ” نحن نفعل كل شيء ما عدا القلق،” العمل في المجلة كان ممتعاً وكنا نضحك طوال الوقت. تحدثنا عن مواضيع كنا أول من نتطرق لها: العنف الجنسي، النساء يجب أن يأخذنَ الريادة في الشارع، وأن تستقل المرأة اقتصادياً. كل شيء نفعله ذو معنى، يحمل معنى. عملت هناك بكل سعادة. بعد عشر روايات كسبت بما يكفي، وأمكنني ذلك من العيش على الكتابة. وحينها حصلت على الحياة التي كنت أحلم بها. يمكنني أن أعمل دوامًا كاملا في كتابة رواياتي. كل يوم أجلس الى طاولة الكتابة، وبإثارةٍ وفضول أودُّ ان أعرف كيف سينتهي الأمر مع شخصياتي. امتياز لا يصدق، من يمكنه أن يكسب لقمة عيشه من الحلم طوال اليوم؟

عندما تكتب تحوّل الخوف الى فوضى، لأنك تعيد ترتيب وتصميم الواقع. يوجد في القصص طاقة كبيرة جداً. تمنح كلمات الى تجاربنا وفي هذا عزاء كبير لنا. القصص تعطينا الأمثلة، التي من خلالها نتعرف على الشخصيات. كيف ننصف الحب، كيف نتقبل الموت، نتعلم كل هذا من رواية جميلة.

عشت حياةً مثالية الى حد كبير.  كرِّمت أعمالي، ترجمت الى لغات عديدة، وتحولت الى أفلام. أنا شاكرة لذلك كل يوم، والشكر عاطفة رائعة. عندما أمشي في طريقي الى البيت، أفكر دائماً: لقد كتبت كل هذا، وحققته. أسكن لوحدي. وصديقي مارتن، الذي عشت معه 22 سنة، يسكن في أمستردام. هو يعيش بكل حماس في المدينة وأنا أعيش بكل حماس خارج المدينة. ولكي نعيش مع بعضنا، كانت حياتنا نحن الأثنان لا تسمح بذلك. سوف نتشاجر على أتفه الأسباب وهذا ليس جيداً لعلاقتنا الحميمة. ليس لديّ أطفال. فأنا أنتمي للجيل الأول من النساء اللواتي كن يملكن الأختيار في عدم الأنجاب وقررت ذلك منذ أن كان عمري 28 عاماً. أدركت بأني لا أريد أطفالاً، مثلما أدركت تماماً بأني لا أريد أن أدرس الأقتصاد أو أن أتعاطى المخدرات.

غالباً ما أُسأل  فيما إذا كنت قد ندمت على هكذا قرار. أجيب دائماً: “نعم، مثلما يندم الأشخاص الذين لديهم أطفال،” لأني رأيت أن الكثير من صديقاتي وجدن الأمومة مهمة شاقة جداً. وهذا لا يعني أن كل جوانب الحياة تمر بي وحدي. من حولي أطفال كثيرون. بنات صديقتي المقربة، ونور، بنت مارتن، التي أعرفها منذ أن كان عمرها ثمان سنوات.

أنا ومارتن انفصلنا عن بعضنا لبعض الوقت. بعد خمس سنوات انتهى كل شيء. اتخذنا أنا وهو قراراً بإنهاء العلاقة، بنيّة أن نحافظ على ذلك. لكن بعد سنة ونصف استلمتُ بطاقة منه: “اشتقت لك كثيراً” قرأتها لقططي وقلت: “هل تصدقون ذلك؟” بعد مدة قصيرة من ذلك وجدته واقفاً أمام باب المنزل. رجل آخر تماماً، أصبح لطيفاً جداً. ركعَ على ركبتيه وقال: “هل تمنحيني فرصة أخرى؟” قلت له:” بالتأكيد. أنت تعرف ما أحب. ابذل قصارى جهدك!”.

وجدت أيضاً أنني في هذه العلاقة قد وضعت نفسي في نمط معقد من المد والجزر. لهذا يكون تقبل الأمر من الآخر صعب جداً. أقول لنفسي أحياناً: لا أريد كل هذا. مارتن لديه غاليري وهو مهندس معماري، متخصص في إعادة ترميم المباني. إنه خبير، متحرر ولديه تركيز كبير على حل المشاكل. لديه سعة أفق. نحن منسجمان مع بعضنا تماماً. في ظهيرة كل جمعة أقول لنفسي: بعد قليل سيأتي زوجي. وعندها لدينا الكثير لنقوله لبعضنا.

 المستقبل

منذ حوالي سنة بدأت بكتابة كتاب جديد كنت أظن حينها أنه لن يكون كتاباً جيداً. لذا رميته. هذا بحد ذاته ليس مستغرباً، لقد فعلت هذا من قبل. لكن بعد ذلك لاحظت بأنني لم أعد على ما يرام جسدياً بسبب فكرة أنني يجب أن أكتب رواية. لم أجرؤ على البدء في الكتابة. كانت هناك مشاعر قلق. كانت لدي حالة “Writer’s block”* (أو حبسة الكاتب) شعرت للوهلة الأولى بالرعب. هل يمكنني ممارسة مهنتي من جديد؟ كيف أبدء مع نفسي؟ وبدأت بجدية في التفكير بمهنٍ أخرى. التحقتُ بدورة للأصوات ــ أنا الآن معتمدة كممثلة صوت. وخلال ذلك كنت أقرأ أي شيء يخص ظاهرة حبسة الكاتب. لكن لا شيء من ما قرأته حول هذه الظاهرة حدث معي.

يحدث أحياناً أن تنظر في فم الوحش

يحدث أحياناً أن تنظر في فم الوحش

ما لفت انتباهي أنني لم أجد صعوبة في الكتابة، ولكن المشكلة كانت في فكرة كتابة رواية. وعندها عدت الى الرواية التي لم أكملها ورميتها في سلة المهملات. الخطأ حينها كان أن الشخصية الرئيسية كانت شخصية أب حاول الانتحار، وجعلتُ إحدى الشخصيات الأخرى تعلم بذلك.  تدريجياً فهمت ما حدث معي: لقد عدتُ الى أختي. في كتبي الخمسة الأولى، كان هناك دائماً شخصيات تهوي من الشرفة، السطح. لكني كنت أحرص على أن لا تتحطم عند سقوطها. في الحقيقة فعلت على الورق ما عجزت عن فعله في الواقع: إنقاذ أختي. كنت في كل مرة أعيد كتابة سيناريو موتها. عندما أدركت هذا، كتبت “الحركة الدائبة للحب” في 1988، الكتاب عن موت أختي. كنت أظن بأنني انتهيتُ من الماضي. ولكن لم يكن الأمر كذلك. توقفي عن الكتابة كان مواجهة جديدة مع مشاعري حول موت أختي. عامل الانتحار في الرواية الأخيرة الفاشلة دفعني لكتابة رواية جديدة تماماً: رواية فيها كل انتحارٍ محتمل له أسباب مختلفة، لأن الكتاب قال لهم ماذا سوف يفعلون بأقاربهم مع هذا الانتحار. رواية تطرح السؤال التالي: كم كنت بائساً لتبرر أنك فعلت هذا؟ لكنني أدركت أيضاً بأني لن اتمكن من كتابة هذه الرواية أبداً. فمن أنا حتى أقول: لا يمكنك القفز من البناية؟ أعرف بأن معاناة أختي كانت غير محتملة. وما يجعل الأمر أصعب، هو أنني ما كنت لأصبح كاتبة لو أنها كانت على قيد الحياة. لقد منحني موتها الكثير.

كانت إغاثة عظيمة وتحرر من معرفة لماذا توقفت عن الكتابة. أن يحدث أحياناً أن تنظر في فم الوحش (كما يقولون) حتى لو تطلّب مني ذلك فترة طويلة. حتى بعد ثلاثين سنة يمكنك أن تنجح في تنظيف الماضي. كتبت كتاباً أيضاً عن كل تاريخي مع حالة التوقف عن الكتابة: “الحصار”. لا يمكنني القول بأن حبسة الكاتب قد غادرتني تماماً، لأني لا أعرف أن كانت ستعود مرة أخرى عندما أبدأ برواية جديدة. كتابة رواية هي استحضار عالم خيالي والعيش فيه، عالمه يشبه سيرك مدهش.  لأول مرة في حياتي لا أرى فيها مستقبلي واضحاً. كنت أظن دائماً بأنني سوف أمضي حياتي كلها في كتابة الروايات، في البداية كنت غير متأكدة من الأمر. ربما عليّ أن أجد طريقاً آخر. ربما سأستمر كممثلة صوت. الرعب من الزمن الأول قد أنتهى، لأنك لا يمكنك أن تعيش هكذا، في رعب دائم. بدأت أنظر باهتمام الى ما سوف تكشفه الأحداث. هذه هي أكثر مرحلة لا تنسى في حياتي وأنا مستعدة للتغيير. عشت سعيدة بما يكفي لأعرف أن من البؤس يولد شيء جميل. وهذا ما يجعلني متفائلة.

المصدر: FLOW

 * Writer’s block: هي حالة يمر بها الكاتب، تعيقه عن كتابة عمل جديد، أو حتى البدء في الكتابة.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *