ريك مودي: لماذا أكتب؟

ترجمة: أسماء الدوسري مراجعة: بثينة العيسى
أكتب لكي أصلح عجزي، وأستعيد ثقتي

أكتب لكي أصلح عجزي، وأستعيد ثقتي

 كنت قد تخلّيتُ عن كتابة روايتين عندما كنتُ في الصفّ السادس، وقد كتبت – ربما – عشر صفحات من كل واحدة. أذكر أن إحداهما كانت عن طفلٍ أصبح نائب الرئيس. مازلت أحتفظ بذالك الكتاب الغريب فارغ الصفحات الذي استخدمته للبدء في كتابة هاتين الروايتين. الحكّة التي تصيبني لإنجاز عملي تعود – على الأقل – إلى هذا الحدّ.

لماذا أكتب؟ لأنني أثناء الكتابة أكون أفضل مع اللغة، أكثر مما أنا عليه في الواقع. لكي أصلح عجزي، وأستعيد ثقتي، وفي هذه اللحظة بالذات، لأنني لا أعرف ماذا أفعل غير الكتابة. إنني أكتب كما أتنفس وآكل، يوميًّا، على سبيل العادة.

سيكون أسهل عليّ القول بأن شيئًا ما يحدث معي عندما أكتب، أو حتى عدد من الأشياء المتوقعة، ولكن الحقيقة هي أن عددًا كبيرًا من الأشياء العظيمة، المتقلبة، غير قابلة للتنبؤ، حدثت لي وأنا أكتب على مرّ السنين.

أظن أنني أمارس الكتابة – إذا أرّخت أول محاولاتي لكتابة أي شيء وحتى هذا اليوم – منذ ما يقارب الثلاثة والثلاثين عاما، أنشرُ الكتب منذ حوالي عشرين عاما. أحيانا تكون الكتابة ملهَمة أو ملهِمة، وأحيانا أخرى تكون مجردة من كل شيء إلا الحاجة لمزاولة العمل. ما أحاول قوله أن ما يحدث لي متغيّر جدًا بحيث سيكون من الحماقة أن نحاول إطلاق التسميات عليه. من ناحية أخرى، أظن أنني متى ما كتبت – أو بشكل أدق – أينما كتبت، سأكون بخير وسلام وبكامل إنسانيتي. ولسوء الحظ، هذا لا يعني أنّ إنتاجي الأدبي بهذه الجودة.

تجاوبًا مع أربعة حوافز عظيمة للكتابة، لجورج أورويل

 

1-   الأنانية المطلقة: أن يتم التحدث عنك، أن يتم تذكّرك بعد الموت، أن تنتقم ممن ازدراك في طفولتك

الكتابة المنبثقة عن النكد. أو من الرغبة الشخصية في الكسب. لا تنسجم مع ما يجعل الأدب مفيدًا، وعميقًا، إلخ. إن سببي عصابيٌّ[i] بالدرجة الأولى. أشكّ في أنني كنت مرتاحا قط وأنا أتكلم. الكتابة تمنحني الوقت والسكون اللازمين لأقول ما لم أقله كلامًا، ولكن بشكل أفضل. هادئة ومسالمة تلك المساحة التي أجدها في الورقة، حيث لا أتعرّض للضغط كما أنا في العالم.

2-  الحماسة الجمالية: غبطة تأثير وقع صوتٍ على آخر، في انضباط النثر الجيد، أو إيقاع قصة جيدة”.

نعم، هذا سبب ممكن للكتابة. أتخيل نفسي وأنا أفكر بالسّردِ كمن يفكر بالموسيقى، أفكر بالسّردِ كشكلٍ موسيقي، وليس بصفته نظامًا متفقا عليهِ للتقدم في الحبكة. الحماسة الجمالية هي ما يدفعني للكتابة بشكلٍ أساسي، لأن هذه الحماسة لا تحتاج إلى متطلبات سردية محددة.

3-  الدافع التاريخي: الرغبة برؤية الأشياء كما هي. بالعثور على الوقائع الحقيقية وحفظها من أجل الأجيال القادمة”.

 بالتأكيد، أتمنى أن تكون الأجيال القادمة مهتمة بي، ولكنني سأكون ميتا بحلول ذلك الوقت، وأنت لا تستطيع أن تأخذ الأجيال القادمة معك عندما ترحل.

4-   أغراض سياسية: “الرأي الذي يقول بأن الفن يجب ألا يتعلق بالسياسة، هو بحد ذاته موقف سياسي”

جملة لطيفة فعلاَ، وأنا مؤمن بصحتها. أعتقد بأن لكل الفنون دوافعَ سياسية، ولكن صمت بعضها بشأن السياسة يدعم خرافة أن لا دخل لها بها، بطريقة مشؤومة بعض الشيء. لقد حاولتُ دائما أن أتخذ موقفا سياسيًا فيما أكتب، لكن ليس بطريقة مملة جدا أو صاخبة جدا، كما آمل. أعتقد بأن الاثنين – الجمالي والسياسي، يمكن أن يسيرا يدًا بيد، حتى لو لم يُحسم هذا الجدل بين الواقعيين الاجتماعيين، أو مع جماعة “الفن للفن”.

 

ما يحدث لي متغيّر جدًا بحيث سيكون من الحماقة أن نحاول إطلاق التسميات عليه

ما يحدث لي متغيّر جدًا بحيث سيكون من الحماقة أن نحاول إطلاق التسميات عليه

الرد على جون ديديون

“الكتابة هي أن تقول أنا، أن تفرض نفسك على الآخرين، بواسطة قول: اسمعني، فكر بطريقتي، بدّل رأيك”

لو كان الموضوع بهذه البساطة، لأردت باختصار أن أستسلم وأفعل أمرا آخر بحياتي. بالرغم من أن هناك “أنا” في كل وجهة نظر تبدأ بي أولا، إلا أن هناك “أنت” في كل قارئ حر يستطيع التعبير عما يريد في كل مرة. وفي هذا السياق، لا أرى الكتابة تعبيرا عن النفس أكثر مما هي تخففٌ من عبء النفس. (تي. أس. إليوت، كما أظن).

الرد على تيري تيمبست ويليام

“أنا أكتب لأقابل أشباحي”

يبدو رأيه مثيرا، ولكنه متسم بالغلو ومجازي أكثر من اللازم بالنسبة لي.

مصطلحات

لم لا أشعر بالراحة أبدًا مع كلمة (كاتب).

عندما كنتُ صغيرًا، قال لي أستاذي بأن كلمة كاتب غير مهمة، وأن كل ما يهم هو الكتابة نفسها. ويبدو أنّي أوافقه على نحو ما. أظن أن هناك نوع من عدم الاتزان يحدث أثناء الكتابة، فقدان لليقين يحدث معي. فقدان اليقين يجعلني أكثر تفاعلا وتقبلا للحياة. وإذا كان علي أن أصدّ كلمة (كاتب) لأحصل على هذا الانفتاح والقرب والإحساس بالعالم، فليكن. لا أنكر أنني استخدمها أحيانا كنوع من التبسيط، ولأتجنب إرباك الناس . ولكنّي لم أكن قط مرتاحا في استخدامها.

الانطلاقة الأولى

انطلاقتي الأولى كانت عندما نشرتُ روايتي الأولى بعد فشل امتدّ ستة عشر شهرا في العثور على ناشر مهتم بها. بدت انطلاقة كبيرة لي في ذلك الوقت.

لطالما فكرتُ بأنني سأفشل، ولا زلتُ أفكر بأنني قد أفشل. لذا، فإن مجرد وجود كتاب لي في العالم جعلني سعيدًا جدًا. في بادئ الأمر لم أفكر بعدد النسخ التي ستباع، لم أعطِ اهتماما لهذه الأمور. ومازلت لا أفعل، لا أذكر أنني حاولت، ولا حتى لمرة واحدة، أن أعرف كم نسخة بعتُ لأي شيء كتبته.

ومنذ سنة انطلاقتي الكبيرة وحتى الآن، ما زلتُ أعيل نفسي من خلال الكتابة، وأيضا من خلال التعليم، وإقامة ورش العمل، وإلقاء المحاضرات.

 إنه من الصعب حقًا أن أعزل الجزء المتعلق بالكتابة من الجزء المتعلق بكوني على قيد الحياة. ولذا لا أستطيع أن أتخيّل أن تعبّر جملة “أفضل الأوقات” عن حياتي ككاتب وحسب. أعتقد بأن أفضل ما حدث لي هو تحوّلي إلى أب في 2008، رغم أن المرة الثانية – القريبة -هي دخولي إلى مستشفى الطب النفسي في 1987. فقد تبين أنها كانت حركة موفقة. أنا كاتبٌ أفضل لأن عندي شياطين أقل، لأنني فضوليّ جدًا بشأن العالم وساكنيه. لذا، لأولئك الذين يظنون أنهم بحاجة إلى شياطينهم لكي يكونوا مبدعين: أرجو أن تتغيروا.

أوقات صعبة

الكتابة دائما صعبة، هناك الكثير من الرفض المصاحبِ لها.

حتى الآن، مازلت أرى جزء الرفض في عملي تحديًا كبيرًا. لست شخصا قويًا بما فيه الكفاية لأعيش هذه الحياة. أحاول ألا أحسد كتابا آخرين. لكني لا أظن أن هناك شيئا أسوأ لي وللأدب والعالم الأدبي من الرفض. ولا تجعلني أبدأ في الكلام عن النقد!

أنا لا أحل مشاكلي الشخصية عن طريق الكتابة، الكتابة هي مهربي من مشاكلي الشخصية. أحيانا أسببّ المشاكل، كوني أكتبُ أولاً وأفكّر لاحقًا. المشاكل الشخصية لا تحل إلا بالطرق المعتادة: الزمن، الحوار، الاستعداد للإصلاح.

أعتقد بأن الأفضل لي هو أن أستمرّ في الكتابة، وأن أحاول – قليلاً – الإيمان بما أفعل.

تحذير: القراءة يمكن أن تؤدي إلى الكتابة

أحب الكتب، تلك الأشياء المادية، الفعلية. أحملها معي إلى كل مكان. لا أنزعج من ثقلها، ولا أحتاج إلى الكثير من البهرجة عليها.

قبل أن أبدأ الكتابة، كنت قارئًا نهمًا. كان والداي من الأشخاص الذين تجد معهم روايات للقراءة على الدوام. نوعٌ من الشهوة الحسية للكتاب يجري في دم عائلتي مثل شيء مقدّس، وتم نقله لي في سنٍ مبكرة. لا أعرف تحديدًا إلى متى ستبقى الكتب التي نعرفها موجودة في هذا العالم. ولكنني متأكد تماما من أنني لن أتخلى عن الكتب حتى وفاتي.

عديم الرحمة

طموحي الأكبر هو ألا أفعل الشيء نفسه مرتين. عملية التركيب، العبث بالفقرات ومحاولة أن أكتب سردا جيّدًا، هي جزء مهم من شخصيتي، وأنا أحاكم نفسي بقسوة بالغة. إنني عديم الرحمة تجاه نفسي وعملي، والذين ليسوا مثلي هم على الأرجح أفضل صحةٍ مني.

 

نصيحة ريكي مودي للكتاب

• محاولة الكتابة بشكل تقليدي دعائي لجعل مبيعات كتبتك تزداد ليست إلا مسألة خاسرة، خسارة المزيد من الأعمال الإبداعية والتجريبية المثيرة بسبب قيود النشر تعتبر خسارة لنا جميعا.

• هيكل الرواية هو شيء تكتشفه، وليس شيئًا تركّبه. لا تمسك لوحة المفاتيح لتصبح عبدا لخطّتك في الكتابة.

• عندما كتابة الرواية يجب عليك أن تبقيها كاملة في ذهنك، من الجيد أن تذهب لمكان هادئٍ لتمارس الكتابة، ومن الجيد أيضا أن تجد الوقت لكي تلهو بعملك لبضعة أيام دون مقاطعة.


[i] عصابي – مصاب بمرض عصبي.

This entry was posted in لماذا تكتب؟ and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *