عبدالله حبيب: أؤمن بالصمت ولا أؤمن بالحبسة

 

أؤمن بالصمت

ثمة شاعر فرنسي (للأسف الشديد لم أعد أتذكر اسمه) كان يقيم في فندق متواضع في باريس، وكان كلما أراد أن يخلد للنوم علّق على باب غرفته يافطة تقول “الإزعاج ممنوع، فالشاعر يعمل”. لقد كان يدرك بثقة كبيرة ومطلوبة أنه كان “يعمل” حتى وهو نائم، فهو في حالة “عمل” دائم، فمن قال ان الأحلام تختلف عن الشّعر؟.

من منطلق هذه الحكاية الفعلية أنا لا أؤمن بشيء اسمه “الحبسة”.

في تجربتي الضئيلة في الحياة والكتابة مرت بي في شبابي فترة حوالي عشر سنوات لم أكتب فيها كلمة واحدة، بل كنت أقرأ فقط، وبغزارة لا بأس بها، فقد كنت في أقصى حدود التوتر، والخوف، والقلق، وكان الموت يطرق بابي في الصباح والمساء، واعتقدت انني انتهيت باعتباري كاتباً، وإنساناً، ورضيت بالقسمة والنصيب الذي كٌتِبَ عليّ في قَدَري الصغير. لكني بعد ذلك صرت أكتب في كل يوم، لدرجة أنني خفت على نفسي من تدفقاتي الباهظة صائبة كانت أم خاطئة، وأصابني الشك من جديد بسبب رعونة الشلالات. لكني أدركت انني كنت “أكتب” صمتاً طوال حوالي عقد من الزمن ما أبوح به للأوراق الآن في كل يوم تقريباً.

أعتقد ان “الحبسة” مفهوم يجب أن يعاد النظر فيه، فالكتابة ليست مدفعاً رشاشاً جاهز لإطلاق النار في أية لحظة. كلا، الكتابة مسألة معقدة، فهي تحتاج إلى تَخَمُّر، وإلى صمت ضروري، وإلى حزن طويل، ومراجعة للذات في تقنيات وجماليات التعبير، وهي سؤال متشكك دوماً، مثل الحب الذي يشعر فيه المرء بالغيرة الزائدة عن حدها أحياناً، فيصمت، وينزوي، لأنه لا يستطيع مجابهة العاطفة، فهي أكبر منه، وعليه أن يتعامل معها حين يحين الوقت.

لا أؤمن بـ “الحبسة”. أؤمن بالصمت، وأؤمن بالانتظار، وأؤمن بالصبر، وأؤمن بالمراهنة على خفقات القلب الذي لا يمكن أن يكون “محبوساً” أبداً إذا كان كبيراً بما فيه الكفاية. القلب سيضخ دوماً دماءه وكلماته، وفيما عدا هذا فإن الحياة لن تكون سوى هراء.

إذا كان الكاتب حقيقياً فعليه أن ينتظر، وعليه أن يتألم، وعليه أن يتعلم، لأن الفواكه سوف تنضج في يوم ما، والفصول لها مواعيدها، فلا نستعجلنّ الربيع. كلا، أنا لا أعتقد أبداً بمفهوم “حبسة الكاتب”، أما الموت حين يأتي في الوقت الذي يشاء فلا قدرة لنا عليه أبداً، وهذا من حميد الخصال في كل الأحوال، والموت لا يستطيع أن يحبس أحداً إذا ما كنا أكبر منه.

This entry was posted in نصائح الكتابة and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *