ماريو فارغاس يوسا: من أين تخرج القصص؟

ترجمة: صالح علماني
أؤمن بأن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه من أجل الوقاية من التعاسة.

أؤمن بأن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه من أجل الوقاية من التعاسة.

تبدأ الرسالة الثانية في الكتاب الصغير الذي يقدمه لنا ماريو بارغاس يوسا، وقدمه للعربية الأستاذ صالح علماني بعنوان لهو صادم، غير مألوف على الأذن سماعه أو حتى تعرفه، ولكن الكاتب بينه وأوضحه توضيحًا تامًا في ثنايا الحديث عندما اقتضى ذلك، وأزال ما حوله من إبهام وحوله لإيضاح.

فيوسا يوضح لنا في مستهل حديثه في رسالته الثانية تلك إلى هذا الصديق الشاب المُتخيل الذي يراسله ليعلمه ويكب في عقله عما وصل إلى إدراكه من طول مسيرته في العملية الإبداعية الروائية، فيحدثنا عن رأيه في الأدب في عبارة صريحة قوية بعيدة كل البعد عن عدم الوعي والفهم فيقول:

“أؤمن بأن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه من أجل الوقاية من التعاسة”

وينتقل من هذا المفتتح إلى المحاور التي صارت عليها الرواية متمثلًا في أسئلة وقد كانت أولها على لسان يوسا: “من أين تخرج القصص التي تقصها الروايات؟”. فيجيب لنا عن ذلك ويقول:

“أصل كل القصص ينبع من تجربة من يبتكرها والحياة المعيشة هي الينبوع الذي يسقي القصص المتخيلة”.

ويسهب في هذا الحديث ويستطرد في الإجابة عن هذا السؤال فيقول:

“كتابة الروايات تعادل ما تقوم به المحترفة التي تخلع ملابسها، أمام الجمهور حتى تُظهر جسدها عاريًا. غير أن الروائي يمارس العملية في اتجاه معاكس. ففي سعيه إلى إحكام بناء الرواية يأخذ بستر ذلك العري الأولي، أي نقطة بدء الاستعراض، ومواراته تحت ملابس كثيفة ومتعددة الألوان، تصوغها مخيلته.”

ثم يقفز بنا يوسا قفزة رائعة وذكية إلى سؤاله الثاني وهو كذا على لسانه: “وكيف تخطر الموضوعات للروائيين؟”، فيحدثنا يوسا والأفكار تنساب من عقله كانسياب الماء في مجراه: “أعتقد أن الروائي يغتذي على نفسه مثل الكاتوبليباس”، وأخذ يوضح لنا ما هذا الذي نطق به، بل إنه غلا في ذلك واختاره عنوانًا للرسالة كلها، وهذا إن كان يدل دلالة واضحة على أهميته القوية فيقول: “الكاتوبليباس، ذلك الحيوان الخرافي الذي يظهر للقديس أنطون في رواية فلوبير (إغواء القديس أنطوان).” ويقوم يوسا بالربط بين الحيوان الخرافي هذا، والموضوعات التي ينهل منها الروائي مادته فيقول:

“يقوم الروائي كذلك، بالنبش في تجربته الحياتية الخاصة بحثًا عن دعائم ومرتكزات لكي يبتكر قصصًا.”

ويستطرد ويزيد القول في الموضوع فيقول:

“الروائي لا يختار موضوعاته بل هي التي تختاره”

وكذا يقول:

“حرّية الكاتب في اختيار الموضوع هي حرّية نسبية وربما غير موجودة.”

ولم يتركنا يوسا هكذا دون أن يوضح لنا مثلًا ودليلًا على أحد الكُتاب الذين نبشوا وفتشوا في الذاكرة، وأتوا عليها كلها وهو (بروست) الذي يقول عنه: “فهو كاتب كاتوبليباس حقيقي” ويقول عنه كذلك: “إنه حوّل الأحداث العادية جدًا في حياته إلى سجادة متألقة. وإلى تشخيص مبهر للشرط الإنساني.”

حرّية الكاتب في اختيار الموضوع هي حرّية نسبية وربما غير موجودة.

حرّية الكاتب في اختيار الموضوع هي حرّية نسبية وربما غير موجودة.

ثم يوضح لنا يوسا عن فكرة الهروب من الواقع المجرد الذي يحياه الإنسان في حياته، فيستغله الروائي في عمله بل هي الأساس للميل الذي يمتشق بسببه الروائي القلم، وضرب لنا مثلاً فيقول:

“لتوضيح هذه الفكرة، أختار كاتبًا قليل الأهمية، ولكنه عزيز حتى الإسهال، من القرن الثامن عشر الفرنسي، إنه ريستيف دي لا بريتون . ولستُ أختاره لموهبته، فهو لم يكن موهوبًا جدًا، وإنما للوضوح الذي يتبدى به تمرده على العالم الواقعي.”

والرواية الذاتية الضخمة له والتي تجلى فيها ذلك هي بعنوان (المونسنيور نيكولاس).

ويختتم يوسا إلى هذا الروائي الشاب المُتخيل بسؤاله الثالث الذي صاغه في هذا:

“ما معني أن يكون الكاتب حقيقياً (أصيلاً)؟”

ويجيب عن ذلك فيقول متحدثًا عن الرواية أولًا، التي هي في الأساس الدليل على الكاتب فهو خالقها:

“إنها – أي الرواية – اختلاق تعتمد قوة الإقناع فيها على الاستخدام الفعال فقط من جانب الروائي، لبعض التقنيات الإيهامية والشعوذة المشابهة لمشعوذات سحرة السيرك والمسارح.”

ثم يتبسط في الحديث ويوضح لنا يوسا عن الروائي الحقيقي فيقول عنه:

“هو ذاك الذي ينصاع بوداعة لتلك المتطلبات التي تفرضها عليه الحياة، بالكتابة حول هذه المواضيع وتجنب تلك التي لا تولد بصورة حميمية من تجربته الذاتية ولا تصل إلى وعيه بطبيعة لها طابع الضرورة”.

هذا هو الحقيقي كما بينه، بينما يقول عن الكاتب غير الحقيقي:

“الروائي الذي لا يكتب حول ذلك الذي يحثه ويطالبه في أعماقه ويختار ببرود شؤونًا أو موضوعاتٍ بطريقة عقلانية معتقدًا أنه يتوصل بهذه الطريقة إلى النجاح بصورة أفضل، هو كاتب غير حقيقي”.

إعداد وتحرير: أحمد أبو الخير. 

 

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *