غيش جين: لماذا أكتب؟

ترجمة: غيد الجارالله مراجعة: بثينة العيسى
الكتابة جزء جوهريٌّ من وجودي في هذا العالم.

الكتابة جزء جوهريٌّ من وجودي في هذا العالم.

 

 الكتابة هي جزء جوهريٌّ من وجودي في هذا العالم. فالأكل والنوم والكتابة: كلها تسير جنبًا إلى جنب. إنني لا أفكّر لماذا أكتب، كما أنني لا أفكر لماذا أتنفس. غياب الكتابة أمرٌ سيئ، تماماً كما هو عدم التنفس.

عندما أكتب فأنا غير مدركة لذاتي، أجدني في شخصياتي، في القصة. أعرفُ بأن الكتابة تسير على ما يرام حين أنظر إلى ساعتي لأجدها العاشرة مساءً، مع أن آخر مرة نظرت فيها إليها كانت في فترة الظهيرة.

دائماً ما كانت كتابتي تلقائية جدًا، عندما أبدأ بكتابة قطعةٍ فلا خطة لدي؛ لا أتطلع إلى الأمام، وإنما أنظر إلى ما أقوم به. لاحقًا أرفع بصري وأدرك بأنني هنا، على الضفة الأخرى من البحيرة، فأخمّن أنه من المؤكد أنني قد قطعتها سباحة.

 لماذا ليس من المفترض أن أكتب 

حتى الجيل الثاني من الآسيويين الأمريكان[i] لا يحبذون الحديث عن أنفسهم والحصول على الكثير من المساحة. لقد شُجِّعنا منذ الولادة كي نفكر بأنفسنا من ناحية أدوارنا الاجتماعية، لذلك عندما نتحدث عن طفولتنا، فإن بعضنا يتحدث عن طفولته الخاصة، بينما بعضنا الآخر يتحدّث عن الآخرين أكثر مما يتحدث عن نفسه.

بالنسبة لي فإن مسألة السرد برمّتها محصورة في قضايا الهوية الذاتية، وهذا أحد الأسباب التي جعلتني أتأخر كثيرًا في ممارسة الكتابة. كانت الكتب قيّمة بالنسبة لي كطفلة لأننا لم نكن نمتلك الكثير منها، لم يقرأ والداي لي البتة، والتحقت بمدرسة كاثوليكية كانت تحوي مكتبة من أحد المتبرعين. كانت إشبينتي[ii] ترسل لي كتباً في عيد الميلاد مثل (هايدي، نساء صغيرات) وقد قرأت كل واحدة منها آلاف المرات.

 نظم الشعر 

عندما كنت طالبة في الكلية، أخذت مقرر كتابة بالصدفة، وكان درساً في عروض الشعر، يدرسه المترجم روبرت فيتزجيرالد. سجلتُ فيه لشعوري بأنني لا أفهم الشعر. لماذا تحوي القصائد سطوراً قليلة؟ لماذا لا يقول الشعراء ما يقصدونه فقط؟ لم أكن أدرك من خلال توصيف المنهج أنه سيتوجب عليّ أن أكتب بنفسي شعراً في هذا المقرّر، لكن عندما اتضحت لي الفكرة، فكرت ملياً: حسناً فلأجرب، وبمقدوري الانسحاب إذا لم أحقق نجاحاً أو تطوراً. وهكذا، كتبتُ قصيدتي الأولى وأحببتها على الفور. وقلت لشريكة الغرفة “إذا كان بإمكاني القيام بذلك في كل يوم ولبقية حياتي، فسأفعل.”

لكن الناس الذين هم على شاكلتي لم يصبحوا كتاباً، حتى أنا، ما كنت لأصبح كاتبة اليوم ما لم يوجّه فيتزجيرالد حديثه إليّ “لمَ أنتِ في مرحلة التهيئة للطب؟ يجب أن تفعلي شيئاً بالكلمات. إن لم تصبحي كاتبة، يجب أن تكوني -على الأقل – في مجال النشر.” ثم استدعى محرّره في (دبل داي) وقال له: ” لديّ هذه الطالبة، وعليك أن تمنحها عملاً”.

 أدركُ اليوم أن شيئاً كهذا لم يحدث لكل شخص، لكن في عام 1977 لم أكن أعرف عن العالم ما يكفي ليدهشني. كان كما لو أن شخصاً قد قال “أعرف شقة يمكنك استئجارها” أمرٌ مُساعد، هذا كل شيء.

 في وقتٍ لاحق، كان لدى (دبل داي) برنامج يقتضي أن يتكفلوا بأي دورات خارجية ترغب بالالتحاق بها. لذلك أخذت مقررًا في الكتابة غير القصصية في “نيو سكول”، وعندما قدّمت “الواجب” قال لي المعلم: “هذه أفضل كتابة رأيتها منذ سنوات، يجب أن تفكري بأن تصبحي كاتبة” أخذتُ أفكر، يا له من شيءٍ غريب، شخص آخر يظن أنه عليّ أن أصبح كاتبة.

شرعت في شراء الصحف الأدبية والتحلّق حول الأشخاص المهتمين بالكتابة، كان أحد هؤلاء جوناثان وينر والذي انخرط في كتابة “منقار الحسّون[iii]”. كان في ذلك الحين قد ترك الشعر وانتقل إلى الكتابة العلمية التي كان متحمّساً جداً لأجلها.

عرفتُ بعد فترة أنني بعملي في مجالِ النشرِ لم أكن أقوم بما أردتُ القيام به فعلا، وهو ما اتضح لاحقًا- وأخيرًا- أنه الكتابة، ولم أكن أربحُ دخلاً معقولًا. بالطبع، أراد والداي أن أفعل شيئاً عملياً، لازال والدي يقول “يجب أن تمتلك قيمة وجبة الطعام” وكمهاجر، فقد فهم هذا الأمر بشكلٍ جيّدٍ للغاية.

لذا قدّمتُ طلباً للالتحاق بكلية إدارة الأعمال لأنني -على الأغلب- كنت قد قدّمت في الطب والقانون قبل ذلك، ولأن هذه الكلية هي أحد صروح التعليم العالي التي لم أكن أفكّر فيها من قبل.

  ولشدّة دهشتي، قُبلت في كل من جامعة هارفارد وستانفورد، وقررتُ أن أذهب إلى ستانفورد لأن لديهم برنامج كتابة ممتاز. كانت فترةً مربكة جدًا. ولكنني حصلتُ على أول دروسي في الأدب القصصي من كلية إدارة الأعمال، وكانت رائعة.

بدايةً، أخذتُ فصلاً متقدماً مع ميشيل كوك، أدركت بعده أنني لا أعرف الأساسيات، لذا عدت والتحقت بفصلٍ ابتدائي مع (ستيفن ڤون)، كان كل شيء سخيفاً نوعاً ما، لكن ميشيل وستيفن كانا معلّمين موهوبين، لقد علماني الكثير.

 بعد نهاية الفصل الدراسي الأول لم أذهب لأي درسٍ في إدارة الأعمال البتة، بل وبدلاً من ذلك، قرأتُ وقرأت، أعتقد أنني قرأت تلك السنة مئة رواية، وفي النهاية قدّمت اعتذارًا، وطلبت الالتحاق بورشة الكتّاب في جامعة آيوا.

 آيوا

كانت هذه آيوا في بداية الثمانينات، الزمن الأكثر بساطة. اليوم، هناك وكلاء في جميع برامج الماجستير في الفنون الجميلة الخاصة بالكتابة، لكن في ذلك الحين كان الوكلاء بالنسبة لنا ينتمون إلى مستقبلٍ ما في البعيد. لا أذكر أن أحداً كان يناقش موضوع الوكلاء أو يسأل عن كيفية الحصول على ناشر. في الحقيقة كان التركيز على العمل.

عندما أكتب فأنا غير مدركة لذاتي

عندما أكتب فأنا غير مدركة لذاتي

في جامعة آيوا درستُ مع باري حنّة، والذي نظّم ذات مرة مسابقة (ريموند كارڤر) للكتابة، كانت المشاركات تقدّم بلا أسماء، ووقّعنا كلنا مقالاتنا جميعاً باسم ريموند كارڤر. وفي اليوم التالي، عندما أعلن (باري) الفائز، اضطرّ لأن يرفع القصة عالياً ويسأل من كتبها. كنت خجلةً من رفع يدي، ما زلت أتذكّر تلك اللحظة بصفتها مُبهجة ومريعة في الوقت ذاته. منذ عهد ليس بالبعيد قال لي أحدهم “أنت متحدّثة جيدة جداً لكن قصصك كلها تكاد تكون حول الارتباك.” أدركت حينها أن هذا صحيح، ولكن هكذا هي الأمور على أية حال!

حين كنتُ في آيوا كتبت قصتي الأولى وذيلتها باسمي (ليليان جين) وبعد فترة وجيزة رأيت تلك الـ “ليليان”، وقلت في نفسي:” ليست ليليان هي الشخص الذي كتب القصة. بعد ذلك أصبحتُ دائمًا أنشر تحت اسم غيش. كان غيش هو الاسم المستعار الذي اخترته في الثانوية.

 لا أعرف أيهما الدجاجة وأيهما البيضة، ولكنَّ تكويني ككاتبة كان مرتبطا باتخاذ تلك الهُوية الأخرى، باختراع الشخصية التي تكتب. كانت ليليان فتاة صينية لطيفة، لكن (غيش) لم تكن تلك الفتاة. كانت غيش ممن يضع شيئًا يعيق إغلاق الباب كي تستطيع العودة إلى في الليل. الشخص الذي قد دخل في المشاكل بكل أنواعها.

كل الأشياء التي لم تكن متوفرة لليليان كانت متوفرة لغيش. ما زلت أعتقد أن ليليان شخص مطيع تماماً. أنا شخص مسؤول، أم لطفلين، وإلى حدٍ ما، أنا عضو فعال في المجتمع، ولكن هناك نوع من الحرية يتحقق من كوني غيش، ولا يتحقق مع كوني ليليان: الحرية التي تتضمنها الكتابة.

 تسعون كلمة في الدقيقة

 بعد أن غادرتُ آيوا سنة ١٩٨٣ تزوجتُ وانتقلت إلى الشرق لأن عائلتي وعائلة زوجي كانتا هناك. وبما أنني احتجتُ عملاً، قلتُ لنفسي ربما ينبغي أن أحاول وأعود إلى العمل في النشر ثانيةً. لذا من المحتمل أن أجد عملاً في مطبعة جامعة سبق وأن أجريت عندهم اختبار طباعة، والذي عندما انتهيت منه قالت لي المرأة “طبعتِ تسعين كلمة في دقيقة ودون أخطاء، أنا متأكدة أن بإمكاننا أن نجد لكِ عملاً”! كنتُ مبتهجة آنذاك. ولكن في الحقيقة لم يكن بإمكانها أن تجد لي عملاً لا في المطبعة ولا في أي مكان آخر. مضت عدة أشهر، وبينما كنت أنتظر جاءتني فكرة أن أقدم على الزمالة الجامعية في معهد “بنتنغ”، إلا أنني بصراحة لم أكن أعتقد أن لدي أية فرصة للحصول على وظيفة واحدة. كنت مقتنعة تماماً، ولذا حين اتصلوا بي ليخبروني أنني أحتاج إلى توصية، لم أفعل أي شيء.

قدّر لي في ذلك الوقت أن أتناول الغداء مع الشاعرة (مارثا كولينز) وبينما كنا نتحدث، بطريقة أو بأخرى دخلنا في موضوع طلب الوظيفة وحاجتي للتوصية، والذي قالت بشأنه “سأقوم بتزكيتك” فقلت ” لن أحصل على وظيفة في معهد “بنتنغ”. لكنها ذهبت مباشرةً إلى مكتب المعهد وقالت بأنها المزكّي الثاني الخاص بي، في ذلك الخريف أصبحت زميلة في معهد “بنتنق” في مدينة رادكليف.

كان الإثنين أول يومٍ لي هناك، أتذكر أن الجميع كانوا جالسين في حلقة يعرّفون بأنفسهم، وعندما جاء دوري عرّفتُ نفسي بصفتي مشروع كاتبة[iv].  وهو ما اعترضت عليه بقيّة النساء، حتى أطلقتُ على نفسي في النهاية – ولأول مرّة – لقب كاتبة. كان مناخًا مليئا بالتطلعات، حتى أنني في يوم الجمعة من نفس الأسبوع قررتُ أن أكتب رواية. لازال بمقدوري أن أتذكر كتابة أول سطر من الرواية التي أصبحت “الأمريكي النمطي[v]“، وما زلت أستطيع رؤية أصابعي تكتب، إنها قصة أمريكية.

عندما أبدأ بكتابة قطعةٍ فلا خطة لدي

عندما أبدأ بكتابة قطعةٍ فلا خطة لدي

أثناء عملي، كتب لي عددٌ من الوكلاء، في الغالب تجاوبًا مع القصص التي نشرتها هنا وهناك، فكتبتُ لهم جميعاً قائلة بأننا سنكون على اتصال حالما أكتب رواية، ووضعت أسماءهم في ملف، وعندما انتهيت من كتابي، أخرجتُ أسماءهم مجدداً وأرسلتها إليهم. ويا لعجبي، لقد أحبه الجميع!

اخترتُ وكيلاً وجد لي لاحقا عددًا من المحرّرين المهتمتين، وبعنا الكتاب لـ سيمون لورنس، في هوفتون ميفيلين. كان الأمر برمّته بعيد الاحتمال، وبشكلٍ ما، لا زلتُ عاجزة عن تصديقه.

خلال تلك الفترة، أنجبت طفلًا، فأيقنت أنني بحاجة إلى مكان خارج المنزل لأعمل فيه، الأمر الذي أنصح به الأمهات الشابات اللاتي يحاولن الكتابة. بالنسبة لوضعي، فقد حصلت على مقدم كبير بما يكفي لأشتري لي مكتبًا صغيرًا وفرحة كبيرة. وعندما سرت إلى مكتبي لأول مرة، فكّرتُ: أنا الآن مقيمة دائمة في عالم الأدب.

 مكان صغير مسحور

لم تكن مهنتي شيئا عاديًا أبداً. ممتنة للغاية لأنني هنا، وقلقة إلى أبعد الحدود بشأن الكتّاب الآخرين. أشعر وكأنني ركبتُ قارباً غادر المرسى حالما وضعت قدمي فيه.

إن في التنوع الثقافي مشاكل كثيرة، ولكن هذا يعني أيضاً أن الكثيرين – ممن لم يكنوا ليكتبوا – قد كتبوا. وقد غيّر ذلك ما كتبوا عنه أيضًا.

لقد واصلتُ الكتابة في مكان صغير مسحور، أعمل في دار نشر رائعة، كنوبف، مع محررة مذهلة تدعى (آن كلوز)، وعلى الرغم من أنني مررتُ بالكثير من المخاطر في عملي، إلا أن أسرتي كانت معي في كل خطوة في هذا الطريق.

أصبح النشر أكثر صعوبة بالإجمال. وقد كنت لفترة طويلة في مرحلة البراءة، قبل أن أعرف أن النشر عبارة عن عمل، وكتب يجب أن تُباع. لم أكن أعرف كم كان عدد مبيعاتي، ولم يكن ذلك جزءًا من اهتماماتي، ومازال الأمر- في الواقع – غير واضح تماماً، رغم أنني لم أعد بنفس التشوّش الذي كنت فيه. لكن هل يستطيع الكتاب الشباب تحمل تكلفة البراءة؟ أدرك تماماً أن المشروع الذي شرعنا فيه هشٌ وعلى خلاف مع التوجهات السائدة. أي شخص يهتم بالكتابة، عليه أن يكون أكثر واقعية من ذي قبل.

حقيقة أنك لن تستطيع الحصول على قرض لتعيش سوف تقضي وبلا شك على كثير من الكتّاب الجيّدين. لا يعني هذا أنه لن يكون هناك أياً منهم، لكن أظن أننا يجب أن نعتني بهم ليكون لدينا كتاباً يملكون الموهبة والثروة معاً. الموهبة لوحدها لا تكفي، قد تساعد الكاتب ليصدر كتاباً أو اثنين، لكنه لن يتمكن من إصدار مجموعة من الأعمال. ربما كان علينا أن نبحث جيداً كما نرى في العديد من المعاهد المتميزة. وبشيء من الاستثمار أيضاً مع الناس ذوي الموارد والثروات سيكون كل شيءٍ على ما يرام. حتى الأشخاص الذين ينتمون إلى جماعات غير رسمية سيبلون بلاءً حسناً وبشكل غير متوقع، لكن لابد من المعاناة. بصفتي شخص كان من الممكن – وبكل سهولة – ألا يكون كاتبًا، أشعر بالأسف الفظيع لحدوث ذلك.

إنني أدعم كل جهد يسخّر الكتابة للناس. لأساعد الناس أن يدركوا كم تثري الكتابة حيواتهم، ولأشجع الكتّاب على تأليف كتب تثري حياة الناس فعليا. إذا كانت أزمة القراءة سوف تساعد الكتّاب في التركيز فعلياً على ما يجب عليهم قوله، فإن ذلك لن يحل المشكلة، ولكنه يظل شيئاً جيداً.

نصائح غيش للكتّاب: 

  • تعتبر الكتابة شيئاً سخيفًا حين تفعلها لكسب المال. إذا كتبت، فاكتب للسبب الذي لطالما كتب الكتّاب لأجله، ليس المال، بل للحصول على الرضا الآخر، الأعمق.
  • يهتم القراء بما يجري في أنحاء العالم، لأنه ذو صلةٍ شديدة بما يحدث هنا، لذلك أصبح مهماً أن تكتب بنظرة عالمية.
  • عندما تروي لصديقٍ ما قصة في المطبخ، ستكون مليئة بالسقطات. إنني أحاول أن أتحاشاها في الأدب ولكن بشرط الحفاظ على الانطباع العام للقصة. إنها ليست محاضرة، بل شيء أعمق بكثير.

———

[i] ورد في الأصل second-generation Asian American  ويعود مصطلح “مهاجرو الجيل الثاني – Second-generation immigrants” إلى من ولد في الولايات المتحدة وأحد والديه –على الأقل- من مواليد دولة أجنبية.

[ii] وردت في الأصل Godmother  أي إشبينة، وهي من أعضاء الكنيسة مكلّفة برعاية الطفل وتعليمه المسيحية.

[iii] الاسم الأصلي: The Beak of the Finch

[iv] الأصل would-be writer أي سأصبح كاتبة.

[v] الاسم الأصلي Typical American

This entry was posted in لماذا تكتب؟ and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *