عاطف أبو سيف: يجب أن نجمع بين الفطرة والمصنعية في الكتابة

حاورته: سامية مصطفى عيّاش *

كيف أصبحت كاتبا؟ هل هناك حدث مفصلي ما جعلك تكتب؟ أو دلك على الطريق؟

ثمة لحظة سردية افتراضية عليك أن تنطلق منها كي تؤسس لحكايات جديدة

ثمة لحظة سردية افتراضية عليك أن تنطلق منها كي تؤسس لحكايات جديدة

لا أذكر لحظة معينة بدأت فيها بالكتابة. لكن أذكر شغف الطفل الذي كنته وأنا أستمع لقصص جدتي عائشة عن طفولتها وصباها في مدينتها الجميلة يافا، وتنهداتها وهي تسترجع الزمن بطريقة مذهلة، وتعده وتضعه أمامنا ونحن نجلس حول كانون النار نتدفأ من برد الشتاء. كانت قصصها تلك تقلب أوجاعها كما تقلب النار حبات الكستناء التي كان أبي يرمي بها بين جمرات النار. هذا الشغف هو الذي جعلني أمسك القلم وأنا فتى لم أتجاوز منتصف عقدي الثاني وأحاول أن أكتب ما تقول عائشة. كنت أظن أنني أسرق قصصها، لم أكن أعرف أنها قصصي أيضًا. كنت بلغتي البسيطة ومفرداتي الضيقة وخطي ربما السيئ أحاول أن أعيد ما تقوله عائشة. لكنني كنت أدرك أن جمرات عائشة الملتهبة مع السرد لا يمكن لي أن أقبض عليها. ثمة سر خفي فيما كانت تقول، إنه سر التجربة التي عاشتها وخبرتها وانْكَوَت بنارها. وكانت تنهي كل حكاية بتنهيدة لابد أنها تهز الأرض تحت البيت الجميل الذي تركته قرب شاطئ البحر في عروس البحر يافا.

كنت أريد أن أكون وفيًا بامتياز لألم عائشة ولدموعها الساخنة كأنها تبكي رحيلها من يافا لأول مرة. كل مرة كنت أظن أنها تبكي للمرة الأولى في حياتها على هذا الزمن الجميل. لكن ما أقسى البكاء حين يتخمر ويعتق، وما أكثر مرارة النفس حين يهبط القلب في قاع سحيق، تحس كأن عربة نقل فغصته كعلبة كوكاكولا على طريق سريع.

ثمة ألم لا يحتمل وحكايات تنضح حزنًا وبحثًا عن مستقبل لم يعد ممكنًا بسبب هذا الحزن. كانت ثمة لحظة سردية افتراضية عليك أن تنطلق منها كي تؤسس لحكايات جديدة. لحظة هي كل ما تملك من الذاكرة ومن ذاكرة الآخرين. الذاكرة الجمعية للمخيم وللناس حولك.

 ماذا عن لحظة الكتابة ذاتها.. كيف تراها؟ وكيف تعرف أنها “هي” تحديدًا؟ كيف تقتنصها؟

لحظة الكتابة في مرات تكون معقدة، وفي مرات أخرى تأتي فجأة دون سابق إنذار. قد تجد نفسك تكتب على علبة السجائر فكرة لأنك لا تريد لها أن تفر من بين شفاهك، وقد تكتب على الجوال لأن ثمة لحظة لا تجيد الانتظار. وفي كل الأحوال عليك أن تعرف اللحظة ومواقيتها. أظن أجمل اللحظات تلك التي تباغتنا. لكن عليك أن تحذر بأن ليس كل ما تكتب في مثل تلك اللحظات يصلح لأن يكون مادة مستقبلية. علينا أن ننظر إلى مثل تلك اللحظات ببعض القلق لأنها مثل السكرات قد لا تصلح إلا للتنفيس عما يجول في داخلنا وقتها. علينا أن نجمع بين الفطرة التي تولد في تلك اللحظات، وبين الحرفية والمصنعية التي تتطلبها عملية الكتابة.

عند الكتابة، أيهما أقرب وأسرع إليك، الورقة والقلم، أم جهاز الكمبيوتر؟

ما زلت أفضل الكتابة على الورق. أشعر بحميمية أكثر حين أمسك بالقلم. أشعر أنني أقرب إلى ما أكتب، حيث لا حواجز ولا شاشات ولا شيء. في الحقيقة يمكن للمرء أن يتعود على الكتابة باستخدام الكمبيوتر. للأمر علاقة بالخبرات والتجارب والماضي. في مرات كثيرةٍ حين أقوم بطباعة ما كتبت على الكمبيوتر قد أقوم بإجراء تعديلات وإضافات، وفي مرات تكون طويلة، مباشرة على الجهاز.

 هل تكتب لتكسب الآخرين إليك؟ أم أنك تكتب لأجل نفسك أولًا؟

من السهل أن يقول الكاتب أنا أكتب لنفسي، بمعنى أنه لحظة الكتابة لا يفكر بالقارئ ولا بردة فعله ومدى انسجامه مع العمل الفني. ولكن في الحقيقة دائمًا ثمة قارئ افتراضي لحظة الكتابة، إنه القارئ الذي يكتب له الكاتب حتى لو كان نفسه. فهو الذي سيتفاعل مع العمل بعد ذلك. من هنا فإن القيمة التفاعلية للأدب تبدأ في الحقيقة بعد عملية الكتابة، حين يصبح العمل الفني ملكًا لمن يقرؤه وليس فقط لمن يكتبه.

كيف تتشكل الصورة الأدبية لديك؟ هل يقودك مجتمعك إليها؟ أم أنك تميل للخيال؟ أم أنه الخليط المتكون بينهما؟

العمل الفني هو خليط بين المتخيل والواقع، ولكن كل ما نكتب في المحصلة، حتى لو كان صورة فوتوغرافية عن الواقع (وهذا مطب لا يجب أن نقع فيه)، هو من خلق الخيال. أنت تمزج بين ما تعرف وما سمعت عنه وما قرأت من خبرات الآخرين وبين خيالك الذي يجب أن يكون أكثر خصوبة وحيوية من كل ذلك في سبيل الوصول إلى صور فنية وحكايات تستطيع أن تشد قلب القارئ.

علينا أن نجمع بين الفطرة التي تولد في تلك اللحظات، وبين الحرفية والمصنعية التي تتطلبها عملية الكتابة.

علينا أن نجمع بين الفطرة وبين الحرفية والمصنعية التي تتطلبها عملية الكتابة.

كتبت بين الرواية والقصة، من يختار اتجاه بوصلتك في لحظة كتابية؟ وأيهما الأقرب؟

إنه الموضوع. بعض الموضوعات وبعض الحكايات تختار جنسها الأدبي وحدها. هناك أشياء أشعر أنها لا تقال إلا عبر قصة قصيرة فيما بعض الحكايات والعوامل تحتاج إلى رواية. وربما بعضها يحتاج إلى مسرحية. بالطبع لكل جنس أدبي شروطه وفنياته التي عليك أن تجيد التحكم فيها لتعبر عن قصتك وموضوعك بأفضل طريقة.

هل عندك طقوس محددة للكتابة؟ أم أنك تكتب كيفما اتفق في أي ظرف، المهم الفكرة؟

القصة ليست قصة طقوس. إنها لحظة اختمار الفكرة ونضوجها. في مرات قد أمضي شهورًا أفكر في قصة الرواية وقد أشتبك في نقاشات بيني وبين نفسي حول شخوصها ومصائرهم. وقد أقوم بالاحتفاظ ببعض هذه النقاشات على الورق مرفقة برسومات توضيحية وخرائط وما شابه. حين أشعر أن الفكرة نضجت أبدأ في الكتابة. ظللت أردد العبارة الأولى في “حياة معلقة” التي تقول “ولد نعيم في الحرب ومات في الحرب أيضًا” ستة أشهر تقريبًا، حتى باتت مثل التعويذة التي تعيد تشكل نهاراتي، دون أن أعرف أنها ستكون الجملة الأولى في روايتي.

عن روايتك “حياة معلقة” التي رُشحت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر.. حدثنا عن تجربة هذه الرواية، وعن ترشحك للجائزة؟

البوكر بالطبع كجائزة هامة تسلط الضوء على الأعمال الأدبية التي تتنافس، وبالتالي هي تقترح على القارئ كما على الذائقة العامة بعض الخيارات الجديدة. لاحظي مثلًا أنني نشرت قبل ذلك أربع روايات نشرت كلها في فلسطين وتحديدًا في غزة، لكنها لم تلق الاهتمام الذي حظيت به “حياة معلقة”.

أنا نشرت قبل ذلك مجموعة قصصية في مصر بعنوان “قصص من زمن غزة” صدرت عن الهيئة العامة للثقافة عام 2013. كما تم طباعة روايتي “حصرم الجنة” طبعة ثانية عن دار شرقيات في مصر أيضًا. لكن لحياة معلقة قصة مختلفة أيضًا. حيث أنني لم ألتقِ بالناشر حتى الآن مثلاً. تم الأمر عبر البريد الإلكتروني. حيث تحدثت إليه ورحب بفكرة الرواية ومحتواها. وقام بطبعاتها. عبر البريد الإلكتروني تواصلنا لإنجاز الرواية بالشكل المطلوب للطباعة. الرواية لم تصل فلسطين في البداية. هي وصلت لرام الله قبل أسبوع فقط، أي بعد تسعة أشهر من طباعتها. بعد طباعتها مباشرة شنت إسرائيل حربها الهمجية على غزة. وقتها لم أفكر في الرواية ولا في أي شيء، مثل كل مواطن كنت أفكر بحماية عائلتي وبأن تنتهي الحرب دون أن يمسنا سوء. بالتالي لم تحظ الرواية بالاهتمام في مكان كتابتها ومسرح أحداثها. لم أقم بعمل حفل توقيع ولا ندوة حولها ولا ما شابه. يبدو أن لها من اسمها نصيب أن تظل حياتها هي الأخرى معلقة.

الناشر قام بترشيح الرواية. هو أبلغني بذلك بالطبع. وأنا سعدت حين سمعت بخبر ترشيحها للبوكر العربية.

كيف ترى نفسك كمبدع؟

الكاتب جزء من نسيج المجتمع. هو مواطن ينشغل مثل بقية الناس بما يعانيه المجتمع ويتألم مثله. هو ليس منظرًا سياسيًا ولا موجهًا اجتماعيًا. إنه نبض خاص في المجتمع. يتلمس هموم المجتمع وآماله ويتحسس آلامه ويقوم بإعادة صياغة الحياة حتى تبدو-حتى لو كانت قاسية وصادمة داخل السرد- ممكنة ويجب حتى تغيرها.

أينك من فلسطين؟ غزة التي تعيش فيها، ويافا التي هُجرت منها، بينهما وبينك أنت ككاتب، وبين ذلك العالم خارج فلسطين، أينك؟

يعني المكان بالنسبة للفلسطيني شيء مقلق وقلق ومربك ربما. فأنا أعيش في غزة حيث تدور أحداث رواياتي كلها. رغم ذلك فإن ذاكرة شخصيات رواياتي بوصفها لاجئة من مدينة يافا هي ذاكرة عن مكان مفقود يحلمون به ويشتهونه. إذنْ ثمة عالمان يتصارعان في متن الرواية. عالم الواقع وعالم الماضي والعالم المشتهى. أليست هذه فلسطين بكل تجلياتها؟

 * روائية وقاصّة فلسطينية. 

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *