روي بيتر كلارك: لا تخشَ الجُملة الطّويلة

ترجمة: غيدا مصطفى اليمن
خذ القارئ في رحلةٍ من الكلمات والمعاني

خذ القارئ في رحلةٍ من الكلمات والمعاني

 

الجميع يخشى الجملة الطويلة. المحررون يخشونها، والقرّاء، وقبل هؤلاء وهؤلاء، الكتّاب يخشونها. حتى أنا أخشاها. انظر. هاكَ جملةً قصيرة. أقصر.هاك أجزاء من جملة. نتفًا. حروف فحسب. مجرد حروف ف….ف…. ف….. هل يمكنني كتابة جملة بدون كلمات؟ علامات وقف فقط؟ …#!؟

اكتب ما يخيفك. لن يكون الكاتب كاتبًا إلا إذا سعى لكي يبرع في كتابة الجملة الطويلة، لأنه، وإن كان بمقدور الطول أن يزيد من سوء جملةٍ سيئة أصلًا، إلا أنه قادر على أن يجعل من جملة جيدة جملةً أفضل.

تحمل مقالة توم وولف المفضّلة عندي عنوان “كالحبّ يومَ الأحد”، ويعود تاريخها إلى أوائل أيام حركة “الصحافة الجديدة” ، تجري الأحداث التي تحكي عنها المقالة الحاملة اسم أغنية شعبية رومانسية من تلك الفترة في محطة مترو في نيويورك صباح خميس، وليس صباح أحد كما قد يخيّل لك. يشهد وولف لحظة غرام فتيّ في محطة المترو فيلتقطها ليعيد تعريف الرومانسية المدينية الطابع.

الحب! عطر الشهوة الجنسية في الهواء! إنها التاسعة إلا ربعًا من صباح الخميس في محطة مترو “آي آر تي” عند تقاطع شارعي الخمسين وبرودواي، وثمة صبي وصبية يتعانقان متشابكي الأيدي والأرجل، مما يثبت بما لا يدع مجالًا للإنكار بأن الحب في نيويورك ليس محصورًا بيوم الأحد.

تلك بدايةٌ جيدة. مقاطع شهوانية وعلامات تعجّب. مشهد الحبيبين المتعانقين وقد اشتبكت أيديهما وأرجلهما، الانتقال السريع من جملة قصيرة إلى جملة طويلة، فيما الكاتب والقارئ يهبطان من أعلى سلّم التجريد، من الحب والشهوة الجنسية، وصولًا إلى صبيّ وصبية يتغازلان، صعودًا مرة ثانية إلى تنويعات الحب في المدينة.

خلال ساعة الذروة، يتعلم المسافرون في محطات المترو معنى الطول: طول رصيف المحطة، طول فترة الانتظار، طول القطار، طول المصاعد المتحركة والسلالم المفضية إلى الطابق الأرضي، طول صفوف المسافرين المستعجلين العابسين نافذي الصبر. لاحظ كيف يستخدم وولف طول جمله ليعكس تلك الحقيقة:

كل الوجوه تنبثق فجأةً في حشودٍ تتدفق خارجة من محطة الجادة السابعة، مرورًا بماكينة الآيس كريم ضخمة الحجم، بينما تروح الأبواب الدوّارة تصفِق بعنف كما لو كان العالم ينهار فوق الأرصفة. بعد اجتياز الأبواب الدوارة بخطواتٍ أربع، يتدافع الجميع لتسلق السلالم إلى السطح كأنهم أنبوب كبير من اللحم والصوف واللباد والجلد والكاوتشوك، فيما يتدفق الدم بصعوبة عبر شرايينهم العجوز المتصلبة في طفراتٍ سببها الإفراط في القهوة والجهد المبذول للخروج من محطة المترو ساعة الذروة. مع ذلك، هناك على الرصيف، صبي وصبيّة في الثامنة عشرة تقريبًا، في واحدة من تلك العناقات الكاملة، المستغرقة في ذاتها، كعطر “ماي سن” (خطيئتي).

إنه أسلوب وولف بامتياز، عالم تستخدم فيه كلمة “متصلب” (سكليروتيك) كضدّ لـ”شهواني” (ايروتيك)، حيث تنبت علامات التعجب بسرعة مثل الأزهار البرية، وتعرّف الخبرات والحالات من خلال أسماء علامات تجارية (“ماي سن” كان عطرًا رائجًا في تلك الأيام). لكن انتظر! هناك المزيد! فبينما يتبادل الثنائي العناق والقبل، يمر بالقرب منهما حشدٌ من الركاب:

حولهما عشرة، بل عشرات، بل مئات الوجوه والأجساد تتعرّق، مندفعةً ومتزاحمةً على السلالم وعلى سيماها علامات ضيق الصدر، مرورًا بخزانة زجاجية تعرض فيها أغراض حديثة مثل ألعاب الخدع والمقالب الطريفة “جوي بازرز” و “سكويرتنغ نيكلز” و “فينجر راتس” و”سكيري تارانتولاس” والملاعق المزينة بما يبدو وكأنه ذباب ميت، متجاوزين صالون حلاقة” فرد”، الذي يقع بمحاذاة الرصيف ويعرض صورًا برّاقة لشبانٍ بقصات شعرٍ من الطراز الذي تحصل عليه في الصالون، صعودًا نحو شارع الخمسين ومنه إلى عصفورية من زحمة السير والمتاجر التي تعرض في الواجهات ثيابًا داخلية غريبة الشكل ومستحضرات صبغة الشعر، ولافتات إعلانات عن قراءة الطالع في فنجان الشاي مجانًا ومباراة في لعب البلياردو بين نادلات نادي بلايبوي وفتيات عروض داوني، قبل أن يتجه الجميع نحو مباني “تايم-لايف”،أو “بريل” أو “أن بي سي”.

هل سبق لأي قارئ أن اختبر جملةً طويلة بهذا الجلال، أو وصفًا لمحطات مترو نيويورك أظرف من هذا، أو فقرة من 122 كلمةً، من أول حرف إلى آخر نقطة، أروع من هذه؟ إن وجدت واحدةً، أحبّ أن أقرأها.

إن قراءةً متمعنة لكتابات وولف تفترح بعض الاستراتيجيات التي يمكن اتباعها لإتقان كتابة الجملة الطويلة:

• من العوامل المساعدة إن أتى الفعل والفاعل للجملة الرئيسية في بدايتها.
• استخدم الجملة الطويلة لوصف أمرٍ يستغرق وقتًا. دع شكل الجملة يلحق وظيفتها.
• من العوامل المساعدة أن تكتب الجملة الطويلة بالترتيب الزمني.
• استخدم الجملة الطويلة بالتناوب مع جمل قصيرة ومتوسطة الطول.
• استخدم الجملة الطويلة مثل لائحة أو فهرس للمنتجات، والأسماء، والصور.
• تحتاج الجمل الطويلة إلى جهدٍ في التحرير أكبر منه في الجمل القصيرة. اجعل كلّ كلمةٍ مهمة. حتى. في. جملةٍ. طويلة. جدًّا.

إن كتابة جمل طويلة يعني أن تمضي عكس التيار. ولكن أليس ذلك ما يفعله أفضل الكتّاب؟ في روايته، “خواتم زحل”، يستخدم و.ج. سيبالد الجملة الطويلة ليفسر- ويحاكي- الأسلوب النثري العتيق لكاتب المقالات الانكليزي السير توماس براون:

على غرار كتاب انكليز آخرين من القرن السابع عشر، كتب براون بدافعٍ من امتلاء معرفته، ناشرًا فهرسًا واسعًا من الاقتباسات وأسماء المستندات السابقة، مبتكرًا استعارات وتشابيه معقدة، ومشيّدًا جملًا كالمتاهات تمتد أحيانًا على صفحة أو صفحتين، جملًا تشبه المواكب أو الجنازات في إسرافٍ احتفالي خالص. صحيح أنه، وبتأثير من الوزن الهائل للعوائق التي يحملها على كاهله، قد تثقل كتابة براون بفعل قوة الجاذبية، لكن حين ينجح في التحليق أعلى ثم أعلى من خلال دوائر نثره المتصاعد، محمولًا مثل طائرة شراعية على تيارات هوائية دافئة، يصاب القارئ، إلى يومنا هذا، بإحساس التحليق.

في أربعينيات القرن الماضي، وصف رودولف فلاش العوامل التي تجعل جملةً “سهلة” أو “صعبة” على القراءة. وفقًا له، فقد ألقت دراسة أجريت في العام 1893 الضوء على الجملة الانكليزية الآخذة في التقلص: “احتوت الجملة المكتوبة في العصر الإليزابيثي على قرابة 45 كلمة في المتوسط؛ وعلى 29 كلمة في العصر الفيكتوري؛ أما الجملة في عصرنا هذا فلا تتجاوز 20 كلمة.” استخدم فلاش طول الجملة وعدد مقاطعها كمعايير في دراساته عن القراءة، وهي طريقة حسابية استهزأ بها إي.بي. وايت في مقالته “الآلة الحاسبة”، قائلًا، “إن القراءة هي فعل إيمان، وليست حيلة من حيل القواعد”.

على الكاتب الجيد أن يؤمن أن الجملة الجيدة، طويلة كانت أم قصيرة، ليست خسارةً في القارئ. وعلى الرغم من أن فلاش أثنى على قيمة الجملة الجيدة المكونة من ثماني عشرة كلمة، إلا أنه أثنى أيضًا على الجملة الطويلة التي كتبها قديرون من أمثال جوزيف كونراد. لذلك، حتى بالنسبة للعجوز رودولف، فإن جملة طويلة، حسنةَ الصياغة، لا تشكل خطيئة ضد فلاش.


ورشة العمل

1. أعر انتباهك للجمل الطويلة حسنة الصياغة. اختبرها ضمن السياق، باستخدام المعايير المذكورة سابقًا.

2. خلال المراجعة، يقوم معظم الصحفيين بتقسيم الجملة الطويلة قليلًا بهدف الوضوح. لكن الكتاب يتعلمون أيضًا جمع الجمل لتحقيق تأثير جيد. راجع نماذج من أعمالك الأخيرة. اجمع جملًا قصيرة بهدف تحقيق تنويعٍ أكثر غنىً في تركيبات وطول الجمل.

3. في ما يلي فقرة من رواية “جرس الغوص والفراشة” للكاتب جان-دومينيك بوبي:

أنا أتلاشى. ببطء ولكن بكل تأكيد. مثل البحار الذي يراقب شاطئ بلاده وهو يختفي تدريجيًّا. أراقب ماضيّ يتقهقر. ما زالت حياتي القديمة تشتعل في داخلي، لكنها تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى رماد من الذكريات.

راجع هذا المقطع وحوله إلى جملة واحدة.

4. تتأتى أفضل الجمل الطويلة من بحث ووصف جيّدين. راجع جمل وولف السابقة. لاحظ التفاصيل التي تأتي نتيجة المراقبة المباشرة وتدوين الملاحظات. في المرة التالية التي تكتب فيها من الميدان، ابحث عن المشاهد والخلفيات التي تشكّل مادة للوصف في جملة طويلة.

5. يمكن تقسيم الجمل من حيث تركيبتها إلى أربع فئات: بسيطة (مقطع واحد)، ومعقدة (جملة رئيسية وجمل تابعة لها) ومركّبة (أكثر من جملة رئيسية)، ومعقدة-مركبة. لكن ليس من الضروري أن تكون الجملة الطويلة مركبة أو معقدة. بإمكانها أن تكون بسيطة:

اجتاح إعصار منطقة سانت بيترسبورغ يومَ الجمعة، منتزعًا أسطح عشرات المنازل، ومحطمًا النوافذ الزجاجية لعدد من الشركات في وسط المدينة، ومقتلعًا أشجار النخيل بالقرب من المنتزهات ناحية الخليج، ومخلّفًا كلايد هوارد منكمشًا في مغطسه ذي القاعدة المخلبية الشكل.

هذه جملة بسيطة مكونة من ثمانٍ وثلاثين كلمة، فيها جملة رئيسية واحدة (“اجتاح إعصار”). في هذه الحالة، يفيد استعمال صيغة الحال (منتزعًا، محطمًا). اجرد محتويات حقيبتك أو محفظتك أو جارورك المفضل الذي تحتفظ فيه بأغراضك المبعثرة. اكتب جملة طويلة لوصف ما بداخله.

* الصورة التعبيرية بعدسة مشاري العبيد. 

This entry was posted in غير مصنف and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *