سارا غروين: لماذا أكتب؟

ترجمة: هند الدخيل الله مراجعة: بثينة العيسى
الشيء الوحيد الذي يدفعني للجنون أكثر من الكتابة، هو عدم الكتابة.

الشيء الوحيد الذي يدفعني للجنون أكثر من الكتابة، هو عدم الكتابة.

الشيء الوحيد الذي يدفعني للجنون أكثر من الكتابة، هو عدم الكتابة.

عرفتُ بأني أريد أن أكون كاتبة بمجرد ما تعلمت القراءة، وقد بدأتُ من خلال صنع كتب مصورة صغيرة. وأنا في السابعة من العمر، قمتُ بإرسال إحداها إلى ناشر. لطالما كنتُ مهتمّة بالتفاصيل، لذا فقد قمت بثني جميع الصّفحات في المنتصف وتدبيسها بدقة من الداخل لكي تبدو متماسكة بشكل مرتب. حصلتُ على رسالةٍ من المحرّر – بالرفض بالطبع. ولكنني شعرت بسعادة غامرة. لا أعلم ماذا حدث للرسالة، أظنُّ بأنها في عليّة أمّي.

 كنتُ في الثانية عشرة من عمري عندما كتبت “روايتي” الأولى. كانت عن فتاة استيقظت من النوم لتجد حصاناً في باحتها الخلفية. وقد حدث الشيء نفسه – ويا للمفاجأة – لجارتها وأفضل صديقاتها. تطلّبت الرواية ثلاث دفاتر مدرسية. ولم أسمح لأي أحد بقراءتها. أعتقد بأن هذا الكتاب موجود أيضًا في علية أمي.

 أؤمن بشدّة بأنك إذا أردت أن تكتب فعليك أن تقرأ. كان لوالدَيَّ مكتبة هائلة، وقد قمتُ – وأنا طفلة –  بشقّ طريقي من خلالها، ألتقطُ كتابًا بمجرد إنهاء كتاب. قرأتُ كل شيء منذ الكساندر بوب وحتى الكساندر سولجينيتسين.

 إضافة إلى المكتبة الرائعة، من أفضل الأمور التي قام بها والداي في تطوير مهنتي ككاتبة، هو جعلي آخذ دروسا في الطباعة في الثانوية. أستطيع أن أطبع بالسرعة التي أفكر بها، وهذا الأمر الضروري عندما تتدفق القصة. لقد تم توقيتي بسرعة ١٢٠ كلمة في الدقيقة. وليس صدفة أن لا أحد – بما فيهم أنا – قادر على قراءة خطي. يمكن القول بأنني فقدت الأمل فيه.

 هناك لحظة في كل كتاب عندما تكون القصة والشخصيات حاضرة أخيراً، فتدب فيهم الحياة ويتولّون زمام السيطرة. يقومون بأمور لا يفترض بهم القيام بها، ويصبحون أشخاصًا لا يفترض بهم أن يصبحوهم. عندما أصل إلى ذلك المكان: أبلغُ السحر. إنه ضربٌ من الانتشاء.

 سوف أكتب حتى لو لم أستطع أن أعيل نفسي من الكتابة، لأنني لا أستطيع ألا أكتب. أنا مندهشة ومسرورة، وما زالتُ في حالة صدمة من نجاح روايتي “ماء للفيلة”، ولكنني لا أكتب بسبب هذا. إنني أكتبُ لأجل الحب. الباقي هو كسبٌ غير مشروع.

  كيف أكتب: عبرَ بوابة مظلمة

 يجب أن أكون بمفردي تماماً عندما أكتب. قمتُ مؤخرًا ببناء مكتبٍ في المنزل، وهي المرة الأولى التي أمتلكُ فيها غرفة بباب، أو غرفة على الإطلاق!

 عندما بدأت الكتابة، كان عندي زاوية في غرفة المعيشة. كنت أضع حاجزاً، ولكن هذا لم يمنع الأجساد الصغيرة من المجيء وطلب البسكويت. لم أكن أستطيع الكتابة إلا في حال لم يكن هناك أحد غيري في البيت. نفد منا المال بسبب الحضانة عندما لم يحقق كتابي الأول أية مبيعات. ووجدت نفسي فجأة مضطرة لمجالسة طفل صغير وأحاول الكتابة. قام زوجي ببناء مكتبٍ لي – أشبه بالقفصِ حقيقةً – مصنوع من أبواب صغيرة. لم يعد ابني يستطيع فصل جهاز الكمبيوتر، ولكنه لا زال قادرا على قذف الأشياء عليّ. استطعتُ بطريقةٍ ما أن أنهي كتابي الثاني، وعندما حقق مبيعات، أصبحنا قادرين على تحمل نفقات جليسة أطفال، ومرة أخرى أصبح المنزل لي وحدي خلال فترة الصباح.

إذا أردت أن تكتب فعليك أن تقرأ

إذا أردت أن تكتب فعليك أن تقرأ

 هذا لا يعني دائمًا زيادة في الإنتاجية. في مرحلة ما، كنتُ عالقة في كتابة “ماء للفيلة” لدرجة أنني كتبتُ في غرفة الملابس. قمت بتغطية النافذة، وجعلتُ زوجي ينقل ملابسه خارجًا، وألصقتُ صورًا لعروض السيرك القديمة على الجدران. لم يكن لدينا Wi-Fi وقد كان هذا مثاليًا. كان الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أفعله هو أن أفتح ملفي. توقعتُ بأنني إذا ما حدّقتُ فيه لوقتٍ كافٍ، فسوف يحدث أمر. كنتُ مصيبةً على ما يبدو، فقد أنجزتُ الكتاب، ولكنني أمضيت أربعة أشهر في غرفة الملابس تلك. هل يمكن لغرفة ملابس أن تكون “غرفة خاصّة بالمرء وحده”؟ بشكلٍ ما، لا أعتقد بأن هذا ما كانت فرجينيا وولف تقصده.

 عملية الكتابة عندي طقسيّة بشكلٍ محرج. عندما أبدأ كتابًا جديدًا، أترك الفكرة تختمر حتى يبزغ لي المشهد الأول، كلا متكاملا. أذهب إلى النوم وأنا أفكّر فيه. أفكّر فيه وأنا أستحم، وأنا أطبخ. أثناء تلك الفترة أصطدم بكثيرٍ من الجدران.

 بمجرد ما أشرع في الكتابةِ فعليًا، تبدو أيامي كلها متماثلة. بعد أن أشرب الشاي، أراجع بريدي الإلكتروني، وأطلق الطيور للخارج، أفتح ملفي وأقرأ ما كتبته في اليوم السابق، مرّة بعد مرّة، حتى أشعر بأنني قادرة على الاستمرار. عادة ما يتطلبني ذلك ساعة ونصف، ولكن في نقطةٍ ما، أشعر بأنني عبرتُ من خلال بوابة إلى ذلك العالم الآخر، العالم الخيالي، وأنني أسجّل ما يحدث ]هناك[ أكثر من عن كوني أخلقه.

 في حال قمت بالرد على الهاتف، أو أن أحدًا طرق الباب، تنكسر التعويذة السحرية. وعليّ بعدها أن أمارس تلك “الساعة والنصف من الذهول” من جديد. لهذا السبب يقع مكتبي في ظهرِ البيت، ولهذا السبب أيضا كان الباب مهما للغاية: لأنه لا يوجد إلا عدد محدود من الساعات وأنصافها في اليوم الواحد. إذا كان بابي مغلقا، لا أحد يطرق عليه. لستُ فخورة بذلك ولكنني، ذات مرة، عندما كنت أمتلك زاوية في غرفةِ المعيشة، اختبأت من ساعي البريد خلف الستارة.

  “أحتاج إلى عمل، وأريد أن أصبح كاتبة ورقية تقنية”

 انتقلت من كندا إلى الولايات المتحدة عام 1999 للعمل ككاتبة تقنية. أعجبني الأمر. فقد كانت طريقة لأكتب وأكسب المال. عندما تم الاستغناء عني في عام 2001 كنتُ محطّمة. كلما عملتَ مدة أطول في شركة ما، كلما كنتَ أقرب للنافذة. وكان سيكون مكتبي، في حال عملتُ في مكانٍ جديد، في الخلفِ بالقرب من المصعد.

 تحدثنا أنا وزوجي عن فكرة تقاعدي مبكراً كي أحاول كتابة الأدب القصصي. كانت لدي أوهامٌ بشأن كتابة رواية أثناء إجازة أمومتي الأولى. ولكن كان هذا فقط لأنني لم أعرف كيف يكون الرضّع. أو الروايات. ولا داعي للقول بأنها لم تنجح. ولذلك عندما استبعدت من عملي قررنا أن نتمهّل إما لمدة سنتين أو كتابين، أيهما حدث أولاً. وفي حال لم أستطع الحصول على راتبي ككاتبة تقنية، سأعود إلى عمل الكتابة التقنية. كنا عائلة بدخلين. برهن عقاري، وثلاثة أطفال. وكان ما فعلناه أساسًا هو أننا تماسكنا بالأيدي وقفزنا من جرف منحدر.

 كتاب صغير هادئ

 عندما اكتملت مدة السنتين والنصف (والكتابين) كان كتاب “دروس ركوب الخيل” قد بيع. كان نجاحاً متواضعاً، بمعنى أن أحدا لم يهتم بما كنت سأفعله في السنة القادمة. ما كنتُ أفعله للسنة القادمة هو كتابة “ماء للفيلة”.

 سلمت الكتاب لمحرّرتي وقد رفضته. ولكن في نفس الرسالة الإلكترونية طلبت مني أن أكتب تكملة لـ “دروس ركوب الخيل”، لذا قمت بانعطافةٍ وكتبتُ “الطيران يغيّر”، وبينما كنتُ أعمل عليهِ، قام وكيلي بإرسال “ماء للفيلة” لناشرين آخرين. لم ينظر أي منهم للكتاب لمدة كافية. وبعد أربعة أشهر ونصف، شخصٌ ما في (راندوم هاوس) أخرج الكتاب من كومة كتب، قرأه وأعجب به. في تلك الفترة، قام وكيلي بالاتصال بمحررين آخرين وقال لهم “لدينا مهتم”، ثم بدأ جميع المحررون بالقراءة، وحصلتُ على أغرب أنواع الرّفض.

 كنت كثيرا ما أسمع أشياء مثل “شكراً لكِ لإعطائنا الفرصة لقراءة هذه الرومانسية التاريخية” و”كتب السيرك لا تباع”. وفكرت “أي كتب سيرك؟ فأنا لا أستطيع التفكير ولا حتى بواحد.”

 وأخيراً في سنة ٢٠٠٦، قمنا ببيعه بمقدّم بسيط جداً. نزل مدخولي باستمرار وبشكل كبير لكل من كتبي الثلاثة. المحرر الذي اشترى “فيلة” ظنّ مبدئيا بأنه كتابٌ هادئ وجيد. كتابٌ صغير. ولكن باعة الكتب المستقلّين في البلاد كان لهم رأي آخر. رفضوا أن يجعلوا الكتاب يفشل. عندما دخل الزبائن لمحلاتهم كانوا يضعون كتابي بين أيديهم. جعلوا منه كتاب العام في جائزة “Book Sense Book “، وبقوة البائعة المستقلين الهائلة اضطرّت سلاسل المكتبات الكبيرة لشرائه. فوصل إلى قائمة النيويورك تايمز لأفضل الكتب مبيعاً بعد نشره بثلاث أو أربع أسابيع. قال أحد أصدقائي الذي رآني في تلك الفترة بأنني بدوتُ في حالة صدمة. وكان هذا تماماً ما أشعر به.

  فزع الرواية التابعة

 أصعبُ وقتٍ مررتُ به ككاتبة هو عندما كنتُ أكتب “ بيت القرد”. قبل أن تَنشُر، يكون لديك إحساسٌ بالحرية لأنك غير معروف، ولا أحد يتوقع منك أي شيء. لم أتوقع أبدًا أن تتلقى “ماء للفيلة” هذا النجاح، ولكن هذا ما حدث. وقد كنتُ أمضي قدمًا، خائفة ومدركة بأن كثير من الناس سيقرأون كتابي القادم. كان عليّ أن أجد طريقة كي أصير غير مدرِكة، وهو ما كان صعبًا كوني لا أزال أحضر الكثير من الفعاليات العامة “للفيلة”.

 كان يتوجب عليّ الابتعاد عن الأنظار. كان عليّ أن أكون بمفردي، متظاهرة بأن أحداً لم يسمع بي من قبل. كان عليّ أن أفتح ملفي وأعبر تلك البوابة إلى ذلك المكان، وألا أقلق بشأن ما سيظنّه قرائي المحتملين. كان ذلك صعبا جدًا. كان عليّ أن أرفض الدعوات وقد شعرتُ بالذنب، ولكنني لا أستطيع أن أسافر من أجل كتابٍ وأكتب آخر في نفس الوقت. أنا لا أستطيع وحسب. هناك مكانٌ لعالمٍ خياليّ واحد في رأسي فقط.

 يوجد أيضًا الكثير من الشماتة في هذه المهنة، وأعتقدُ بأن هذا ينطبق على جميع المجالات. كنت أعرفُ بأنه سيكون هنالك أناس يتصيّدون أخطائي، وكنت محقة. بالطبع تم نقدي في النيويورك تايمز ولكنه كان نقداً وقحًا، شخصانيٌّ تقريبًا.

 اختفى الضغط الآن. لقد أنجزتُ كتاب ما بعد النجاح الهائل، ونجوتُ. وأنا فخورة جداً بهذا الكتاب أيضاً.

 لماذا قطع أدب المراهقات الطريق؟

 أعتقد بأن هناك الكثير من كتّاب “أدب المراهقات” و”الأدب النسائي” الجيدين والناجحين ولكنني لا أعرّف نفسي في هذا الصنف. أعتقد بأنكِ إذا ما كنتِ امرأة وكتبتِ روايات بشخصيات نسائية، فإن العاملين في المجال سيقومون بتصنيفك، وإذا لم تكوني حذرة فإنه سينتهي بك المطاف بغلاف وردي اللون لا يجرؤ أيّ رجل على حملهِ معه في المترو. لماذا أريد أن أقصي القراء الذكور؟ أريد أن يشعر الرجال والنساء بأنهم قادرون على حمل كتبي.

 شعرتُ (وكنتُ محقّة) بأنني صُنّفتُ ككاتبة أدب نسائي عندما كتبت “دروس ركوب الخيل”، وأنا أكره أشياء قليلة في الحياة من بينها أن أصنّف. فقمت قاصدةً بكتابة “ماء للفيلة” ككتابٍ يصعب تصنيفه. وشعرت بأن مما سيساعد في ذلك أن يكون الراوي رجلا في الثالثة والتسعين. وللمفاجأة! أعتقد بأنه ساعد.

 أنا وصخوري السحرية

 أنا أؤمن بالخرافات قليلا. وكما قلت سابقاً، كل شيء أفعله في كتابتي طقسيٌّ. بعد أن أراجع بريدي الالكتروني، وأشرب كوبًا آخر من الشاي. أراجع بريدي مرة ثانية. وبعدها أغلق الانترنت وأفتح ملفي. في الواقع، أنا أفعل أكثر من إغلاق الانترنت. فأنا أستخدم تطبيقًا يدعى “حرية” ليحجبني عنها. وبالطبع، اكتشفت طريقة للتلاعب به، ولذا عندما أكون يائسة جداً، أطلب من زوجي المعذَّب بأن يغير كلمة مرور الشبكة وألا يعطني إياها حتى نهاية اليوم. هل كان ذلك ترولوب هو الذي طلب من خادمته أن تربطه بالسلال لمكتبه مع تعليمات مشددة بأن لا تفك وثاقه متجاهله كل التوسلات والتهديدات حتى وقت معين؟ أو ربما كان ذلك ستيفنسون. على كلٍ، إنه نفس الإحساس.

 أنظف مكتبي بالكامل قبل أن أبدأ أي كتاب. طبيعي حتى الآن، صح؟ حسناً، لدي مجموعة من الأحجار الملونة وحدوة حصان ذهبية، وفي كل مرة أبدأ فيها كتابًا عليّ أن أضع الحدوة وأرتب الأحجار بداخلها حتى أشعر بأنها على النحو الصحيح. وألا ألمسها ثانية حتى أنتهي من الكتاب. وعندما أشعر بالحاجة لتغيير ترتيب الأحجار أثناء الكتابة، فهذا مؤشر على إصابتي بحبسة سيئة جدًا.

 إضافة إذا ذلك، فأنا لا أقوم بحذف أي شيء أكتبه. إذا عرفت بأن عليّ أن أحذف فقرة، صفحة، فصلا، أو مشهدًا، فأنا أضعه في ملفٍّ يدعى “البقايا”. أنا لا أعيد استخدام كلمة واحدة من ذلك الملف، ولكنها إحدى الركائز العقلية السخيفة التي تساعدني على التخلّص من الأشياء. والتخلص من الأشياء هو نصف المعركة.

حكمة سارة غروين للكتّاب

• التخطيط والحبك والبحث أشياء لا بأس بها. ولكن لا تفكر في الكتابة وحسب. أكتب!

• من الممكن أن تكون أصعب فقرة في يوم الكاتب هي فتح ملف الأمس. ولكن هذه هي الكتابة: بناء كتاب اليوم أو الغد من خربشات الأمس.

• من الصعب الحصول على وقت للكتابة، خاصة عندما يكون لديك عمل أو أطفال أو كليهما. قل للأشخاص الذين يحبونك بأن وقت كتابتك مقدّس. وحتى لو كانت ساعتين فقط يوم السبت، استخدم ذلك الوقت.

This entry was posted in لماذا تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *