ريتشارد هوغو: محو الموضوع وكتابة الموسيقا

ترجمة: سارة أوزترك
أتمنى أن أعلمكم لا الكتابةَ، بل تعليمَ أنفُسِكم الكتابةَ.

أتمنى أن أعلمكم لا الكتابةَ، بل تعليمَ أنفُسِكم الكتابةَ.

طالما أبديتُ هذه الملاحظات لطلاب إنشاءِ شِعرٍ ناشئين.

لن تصبحوا شعراء حتى تفطنوا إلى أن كُلَّ ما أقوله اليومَ وفي هذا القُطرِ خطأٌ. قد يكونُ صوابًا بالنسبة لي؛ ولكنه خطأ بالنسبة لكم. إنني أخبركم في كل لحظة، دونما أنوي ذلك أو أحاول، أن تكتبوا مثلي. إلا أنني أتمنى أن تكتبوا كما أنتم. بمعنى ما، أتمنى أن أعلمكم لا الكتابةَ، بل تعليمَ أنفُسِكم الكتابةَ. أبقوا مكاشيفَ الهذرِ خاصتكم فاعلةً في كل حين. إن قلتُ ما يُفيد، فذاك حَسَنٌ.

إن لم تكن فيما أقول فائدة، فَذَرُوه. لا تشرعوا في المِراء. إن المِراء أجوفٌ وإنه لَيُبعِدُنا عن مَقصَدِنا. وكما لاحظ ييتس فإن أهم المماريات هي تلك التي تجرونها مع أنفسكم.

إن كنتم لا تتفقون وما أقول، لا تستمعوا. فكروا في شيء آخر.

عندما تشرع في الكتابة، فإنك تحمل إلى الصحيفة أَحَدَ موقفين، وقد لا تدري أنك فاعل ذلك. الأول إنّ لا بد للموسيقا من موافقة الحقيقة طُرَّا. الثاني، إنّ لا بد للحقائق من موافقة الموسيقا طُرّا. إن كنت تؤمن بالأول، فإنك تصعّب مهمّتك جدًّا، وإنك لا تجعل كتابة القصائد مقصورة على الظرفاء جدًّا والشاطرين جدًّا – مثل أودن – فحسب، بل إنك لَتُضَعْضِعُ تَعِلَّةَ برامجِ الكتابةِ الخلَّاقة. يمكنك اتخاذ ذلك الموقف إن أردت، لكنك بذلك تُلقي بمعَاشي وباحتمالات أن تُنشِئ قصيدة جيدة إلى التهلكة.

إن كان الموقف الثاني صوابًا، فإن لي مهنة للمزاولة لم تزل. دعنا نتظاهر بأنه صواب فإنني أحتاجُ النقود. ثم إنك لو تشعر بأن الحقيقة لا بد وأن توافق الموسيقا، فإن الذين يرتؤون من بيننا أن الحياة مُذهلةٌ ولا يعرفون ماذا تعني الأشياءُ ولكنهم يحبون أصواتَ الكلماتِ بما يكفي لأن يجاهدوا مُسَوّدَةً بَعْدَ مُسَوّدةٍ لقصيدة، قادرين على أن يواصلوا الكتابة – جَرِّب إيقافَنا.

إن إحدى علامات الناشئ هي النزوع إلى امتهان اللغة حتى توافق ذاك الذي قد تصور وانتهى أنه الحقيقة، أو، في بعض الحالات، ذاك الذي قد تصور وانتهى أنه البنية. حتى أودن – الشاطرُ مراتٍ لدرجةٍ تمكّنه من جَعْل الموسيقى توافق الحقيقة – كان يحب أن يقتبس المرأة في رواية فورستر، التي قالت شيئًا من قبيل، “كيف أعرف بِمَ أفكر حتى أرى ما قد قُلتُ.”

يمكن القول بأن للقصيدة موضوعان؛ الاستهلاليُّ أو الموضوعُ مُطلِق الزِّناد، الذي يُبدئ القصيدة، أو “يتسبب” في كتابة القصيدة، والموضوع الحقيقي أو المُنتَج، الذي تنتهي القصيدة إلى التعبير عنه أو عَنْيِه، والذي يُنتَج أو يُكتَشَف في القصيدة أثناء الكتابة. هذا ليس صوابًا تمامًا لأنه يوحي بأن الشاعر عرف الموضوع الحقيقي. قد لا يحيط الشاعر عِلمًا بالموضوع الحقيقي ولكن يكون لديه شعورٌ غريزيٌّ بأن القصيدة قد تَمَّت فحسب.

يستصعب الشعراء الناشئون تخليص أنفُسِهم من الموضوع الاستهلالي. يضع الشاعرُ العنوان: “مطرُ الخريف.” يجد بيتين جيّدين أو ثلاثةً عن مطرِ الخريف. ثم تبدأُ تتهافتُ الأمورُ. لا يجد شيئًا آخر يقوله عن مطرِ الخريف لذا يبدأ يختلق أشياء، يشُدُّ، يُجَرِّد، يَقومُ يخبرنا معنى ذاك الذي سبق وأن قاله. الخطأ الذي يقع فيه، بالطبع، أنه يشعر بالاضطرار إلى التحدث عن مطرِ الخريف، لأن ذاك – هكذا يشعر – هو الموضوع. حسنًا، إنه ليس الموضوع. إنك لا تعلم ما هو الموضوع، ولحظةَ أن يَنفَدَ ما يمكنك قوله عن مطرِ الخريف ابدأ بالتحدث عن شيء آخر. بل إن التحدث عن شيء آخر قبل أن يَنفَدَ ما يمكنك قوله عن مطرِ الخريف لَفِكرَةٌ جيدة.

يستصعب الشعراء الناشئون تخليص أنفُسِهم من الموضوع الاستهلالي.

يستصعب الشعراء الناشئون تخليص أنفُسِهم من الموضوع الاستهلالي.

لا تخشَ الوثوبَ قُدُمًا. هناك القليل ممّن يغدون أكثر تشويقًا إذا ما بقوا في الموضوع نفسه. ولكنني أجد أن أغلب الناسِ مثلي. كلما بقوا في الموضوع نفسه باخوا أكثر فأكثر.

اجعل موضوعَ الجُملة التالية غيْر التي للتَّوِّ أَدْرَجْتَها. اعتمد على الإيقاع، النَّغمية، وموسيقا اللغة لتحقيق التماسُك. لا يمكن كتابة سلاسِل جوفاء. بمعنى ما، ما يتلو دومًا ينتمي. في عالم الخيال كلُّ الأشياء تنتمي. إن آمنْتَ بذلك قد تكون أبْلهًا، ولكنك ستكون أبْلهًا كأطروط.

لا تقلق بشأن القارئ البتة، بشأن ما يمكن للقارئ أن يفهم. حين تكتب، انظر من فوق عاتِقِك، وسترى أنّ لا قارئ هناك. أنت والصحيفة فحسب. تَشعُر بالوحدة؟ جيد.

على فَرْضِ أنك تقْدرُ أن تكتُبَ جُملًا إنجليزية واضحة، تخلى عن سائر ما يقلقك بشأن الاتصال. إذا ما أردت أن تتصل، استخدم الهاتف.

لكي تكتب قصيدة يجب أن تكون لديك نزعةُ تَكَبُّرٍ- آمُلُ ألا تكون في الحياة الواقعية. حاول أن تكون دَمِثًا في الحياة الواقعية. سَيَقيك ذلك من مشاكل جهنمية كثيرة ويمنحك وقتًا أكثر للكتابة. بالتَّكَبُّرِ أعني أن عليك افتراض كون الذي ستُدرِجُه فيما يتلو منتميًا، لا لأسباب المنطق أو حُسنِ التمييز أو التطوّر السردي، بل لأنك جعلته هناك. أنت، الشخص ذاته الذي قال ذاك، قد قال هذا كذلك. القوة المُلْصِقة هي طريقتُك في الكتابة، لا الترابط المعقول.

السؤال هو: كيف النزول عن الموضوع، أعني الموضوعَ مُطلِق الزِّناد. أحد السُّبُل استخدام الكلمات لأجل أصواتها. سأوضح هذه الفكرة لاحقًا.

على الموضوع الاستهلالي إطلاق زِناد الخيال إلى جانب إطلاق زِناد القصيدة. إن لم يفعل ذلك قد يكون ليس موضوعًا قيِّمًا ولكنْ شيئًا تشعر أن عليك كتابة قصيدة عنه فحسب. قال لي مَرةً رَجُلٌ حكيم أن لا تكتب قصيدة عن أي شيء يجب أن تكون له قصيدة كُتِبَت عنه. نصيحة ليست سيئة ولكن ليست صحيحة تمامًا. المسألة أن الموضوعَ مُطلِق الزِّناد يجب ألَّا يَحمل معه إلزاماتٍ أخلاقيةً أو اجتماعيةً للشعور بها، أو يطالب أن تَشعُر على وجوه معينة. إن كنت تشعر مضغوطًا بوجوب قول ما تعلم أن الآخرين يريدون سماعه، ولا شيطان كافٍ لديك لمفاجئتهم، اخرس. ولكن النصيحة ما زالت مسموعة. إن المواضيع التي لا بد لها من قصائد لَتَشكو من عادةِ طلبِ أشياءَ أخرى عديدةٍ سيئةِ في الوقتِ ذاته. وأنت توفّر هذه الأشياء على حساب مخيّلتك.

أظن أن الموضوعَ مُطلِق الزِّناد الحقيقي أو القيّم هو موضوع تُضاهي فيه السِّماتُ الحسّيةُ أو التفاصيلُ مواقفَ للشاعر إزاء العالَم أو إزاء نفسه. بالنسبة لي، فإن بَلْدَةً صغيرةً قد رأَت أيامًا أجمل غالبًا ما تكون مُجدِية. معاكِسًا لما يقوله المعلِّقون والنُّقَّاد عن أعمالي، لا أعرف شيئًا يُذكَر تقريبًا عن الأماكن التي تُطلِق زِناد قصائدي. يمكن للمعرفة أن تكون مُقَيِّدةً. لو كان سُكَّانُ بلدةٍ ما تسع عشرة نَسَمة، ولكن القصيدة تحتاجُ الصوت: سبع عشرة، فإن القول بسَبع عشرة أسهل إن كنت لا تعلم عدد السكان. يترك لك الافتراضُ خياراتٍ أكثر. كثيرًا ما يكون المكان الذي يُبدئ لي قصيدةً موضِعًا لَمَحتُه مارًّا به فحسب. عليه أن يكون ذا أثرٍ كافٍ لأن أرى أشياءَ في البلدةِ – برج الماء، البنك، آخر فيلم أُعلِنَ عنه على الظُّلَّةِ قبل أن يُغلق المَسرحُ للأبد، الفُندق المُوقَف عن العمل – زمنًا طويلًا بعد أن أغادر. هي أشياءُ مُتَخَيَّلةٌ أحيانًا، أجدها إذْ أعود. ولكنها، سواء كانت حقيقية أم مُتَخَيَّلةً، تؤدي دورَ مجموعةِ معروفاتٍ راسخةٍ تجلس خارج القصيدة. هي والبلدة تقومان بوظيفة قاعدة تشغيلٍ للقصيدة. أحيانًا تقومان بوظيفة ديكور المسرح. ما كنت لأحاول على الإطلاق وضعَ قصيدةٍ جادةٍ في موضعٍ تشير فيه الأدلة المحسوسة إلى أن الناس هناك تجد قبولَ ذاتها أمرًا سهلًا نسبيًا – هيلتون الجديد مثلًا.

إن علاقة الشاعر بالموضوعِ مُطلِق الزِّناد يجب ألّا تكون أبدًا في قوة علاقته بكلماته. لا ينبغي أن تَخدم الكلماتُ الموضوعَ. ينبغي أن يَخدم الموضوعُ الكلماتِ. قد يقتضي ذلك انتهاك الحقائق. على سبيل المثال، لو احتاجت القصيدةُ إلى كلمة “سوداء” في موضعٍ، وكانت رافعةُ الحبوبِ صفراء، قد ينبغي لرافعةِ الحبوبِ أن تكون سوداء في القصيدة. إنك لا تدين للواقعِ بشيء، وللحقيقة المتعلقة بمشاعرك تدينُ بكل شيء.

دعنا نتناول ما أحسبها قصيدةً حُلوةً صغيرة، أنشأها في عام ١٩٢٩ شاعرٌ ممتازٌ قد أُهمِل ظُلْمًا.

لا ينبغي أن تَخدم الكلماتُ الموضوعَ. ينبغي أن يَخدم الموضوعُ الكلماتِ.

لا ينبغي أن تَخدم الكلماتُ الموضوعَ. ينبغي أن يَخدم الموضوعُ الكلماتِ.

ذو الجُلْجُل

وَجَدتُهُ نائمًا في حَرِّ
وغُبارِ جُحرِ غوفر،
مُلتَفًّا في طَيَّاتٍ رَخْوَةٍ فوقَ الصَّمتِ
في نُقْرَةٍ لِمُنْحَدَرِ التَّلِّ الظُّهري
رأيتُ الحَدَبةَ المَحشُورةَ
للرأسِ صَلبًا كَقَبْضَةِ يَدٍ
تَذَكَّرتُ أحوالَهُ النَّاعِمةَ:
الفَمُ فَمُ هِرٍّ يتثاءبُ.
حَطَّمْتُهُ غَوْرًا في الثَّرَى
وسمعتُ فَوَرانَ الحياةِ الهَدَّارَ
في خَرَزَاتِ الذَّيْلِ المَيِّتةِ
يخبو، كما تخبو الرِّيحُ
مِن قَمْحِ التَّلِّ البَرِّي.

أجد أن هناك الكثير مما يمكن تعلمه عن الكتابة من هذه القصيدة الممتازة.

أعتقد أولًا أنها توضّحُ بالمثالِ حقائقَ مُعيَّنةً تسري على الكثير من الفنون. تنمو القصيدةُ من تجربةٍ، إما حقيقية وإما مُتَخَيَّلة – اكتشفتُ منذ عهد قريب لا أكثر أن هذه التجربة بِعَيْنِها كانت حقيقية. نقطةُ البدايةِ مُثَبَّتةٌ لِمَنحِ العقلَ قاعِدَةَ تشغيلٍ، والعَقْلُ يتمدد بدءًا من هناك. يميلُ العقلُ غالبًا إلى التَّقلص إذا ما كان الموضوعُ مُطلِقُ الزِّنادِ كبيرًا (الحُبُّ، الموتُ، الإيمانُ) بدلًا من أن يكون مُمَركَزًا ومُتناهِيًا. تأمَّلَ السِّير ألكسندر فلمنج بعضَ عَفَنٍ، وبَعْدَ أعوامٍ قليلة كان لدينا دواءُ داءِ السَّيَلان. ولكن ماذا لو كانت الحكومة البريطانية قالت له أنْ أوجِدْ دواءً لداءِ السَّيَلان؟ ربما كان سيقلقُ جدًّا فلا يَرَى العَفَن. فَكِّر فيما دَقَّ وَصَغُر. إن كُنتَ ذا عقلٍ كبير فذاك سيُجلي ذاتَه. لو ليس بوسعك التفكير فيما دَقَّ وَصَغُر، جَرِّب حظك مع الفلسَفةَ أو النقد الاجتماعي.

تتجلى في القصيدةِ حاجةُ القصيدةِ لأن تكون مكتوبة. هذا مثالٌ قويٌّ للفكرة العامة القائلة بأن كل القصائد الجيدة الجادة تُولَد حالَ الاستحواذ. لم تكن التجربة لتكون مُوَثَّقَة المَصدوقيَّة ولا مُتَمَّمة من دون هذه القصيدة.

.. يتبع. 

* المصدر: The Triggering Town – ريتشارد هوغو؛ محاضرات ومقالات في الشعر والكتابة. 

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *