سعود السنعوسي: كل عمل يفرضُ عليَّ طقسه الخاص

معايشة ظروف كل عمل تعدُّ طقسا فريدا.

معايشة ظروف كل عمل تعدُّ طقسا فريدا.

عزيزي عبدالله *

 تأخرتُ كثيراً في الرّد على سؤالك حول طقوسي الكتابية؛ أين ومتى وكيف؟ في السطور الأخيرة من هذه الرسالة سوف تعرف السبب.. ولك أن تعذرني أو..

 يتكرر السؤال كثيراً عن طقوسي في الكتابة. أتردد قبل أن أجيب: “لا طقوس!”، كي لا أحبط السائل الذي توقع أمرا مغايرا. لا أستغرب السؤال حقيقة، فلطالما سكنتي الفكرة منذ تفتّحت عيناي على القراءة بشكل جدّي: كيف كان فيكتور هوغو يكتب “البؤساء”؟ في أي جوٍّ كتب نجيب محفوظ “ثرثرة فوق النيل”؟ في أي مكان كتب جوزيه ساراماغو “العمى”؟ غابرييل غارسيا ماركيز، ليو تولستوي، تشارلز ديكنز، هيرمان ملفل، الطيب صالح ويوكيو ميشيما. كل أولئك الذين قرأتهم مبكرا، كيف كان مزاجهم أثناء الكتابة، ماذا يفعلون، وكيف يكتبون؟ كيف كانت الإضاءة.. ماذا كان على سطح المكتب عدا القلم والأوراق.. هل كان قلما أم آلة كاتبة أم.. لو كان قلما، حبرا أم رصاص.. في أي وقت من النهار أو الليل.. هل من موسيقى في أجوائهم الكتابية أم انها أجواء صامتة؟ أسئلة كتلك دفعتني، في وقت ما، لزيارة بيوت بعض الروائيين الذين تأثرت بهم في مرحلة مبكرة. أقترب من عوالمهم وراء الأوراق، لربما تعرفت على شيء من طقوسهم، أو المكان الذي مارسوها فيه.

 كان اهتمامي ذاك في أوجِهِ عندما كنت قارئا وحسب. أقرأ الروايات. أفتن بها وبمؤلفيها. تشغلني كواليس أعمالهم. شيء من ذلك الاهتمام حول طقوس الكتابة لم يعد يشغلني بعدما أحالتني القراءة، مع مرور الوقت، كاتبا. كل عمل يفرض عليّ حالة من تلقاء نفسه. لا أفكر في طقس. لا شيء ثابت، ككوب قهوة، مثلا، أو شاي أخضر، أو الاستماع إلى سيمفونية، أو إشعال شمعة أو حرق كسرة بخور. قبل أن أكتب لا أهيئ طقسا عدا العزلة، والعزلة حالة أكبر من طقس. أعني العزلة بمعناها الحقيقي عندما تكون دافعا وحيدا للتأمل. وإذا ما اعتمدت على العزلة والتأمل كطقس كتابي فهذا يعني انني أعيش الطقس ليس أثناء الكتابة وحسب، إنما منذ بدء تشكل الفكرة وتخلقها أثناء التحضير لها. أمارس طقسي، إن جاز لي التعبير، بعيدا عن الكتابة وقبل الشروع فيها بشهور، كأن أستحضر شخصيات العمل قبل بثِّ الروح فيها ورقيا. أتأملها. أتعرَّف إليها أكثر.. ملامحها أو ما يميزها.. ندبة على الجبين، تأتأة في اللسان، تجاعيد في الوجه، جمال صارخ أو دمامة فظيعة. أحدد أعمارها.. ثقافاتها.. علاقاتها ببعضها وكيف ينظر أحدها إلى الآخر.. بل وحتى أصواتها. أحاور نفسي متشظياً بين الشخصيات. أسألني بصوت غليظ. أجيبني بصوت ذي بحّة ثقيل اللسان ينطق الراء واوًا. ورغم عزلة أفرضها على نفسي لا أشعر أني وحيد أبدا، بين شخصيات متباينة تنتظر دورها، في طابور طويل، للظهور على الأوراق أحيانا، وعلى شاشة الحاسوب أحيانا أخرى. يتمكن بعضها من الظهور فعلا. بعضها يتأجل ظهوره إلى رواية أخرى. وربما بعضها، بحزن شديد، يموت قبل أن يكتمل. أجدني متخما بالتفاصيل. بالأفكار. بالأحداث والأحاديث. لا أفكر في الكتابة أبدا لئلا أخلق كائنا ناقصا. أعايش شخصياتي طويلا من دون كتابة، ولا بأس من تدوين بعض الملاحظات الملحّة إن دعت الحاجة. مع خلق الشخوص، وتركها طويلا في رأسي كي تنضج، أكون قد هيأت البيئة الحاضنة للعمل، تلك المتمثلة في المكان. ولأنه لا يمكن تهيأة المكان بمعزل عن الزمان، أستحضر كل الأحداث المهمة في زمن الرواية، حتى وإن لم تظهر تلك الأحداث في العمل بشكل مباشر، لأن فهم الزمن، كما أؤمن، ينعكس تلقائيا على الجو العام ونفسيات الشخوص وتوجهاتها في الرواية. أما بالنسبة للمكان فغالبا ما أستعين بمكان أعرفه. أضيف غرفة، أزيل أخرى، أزرع شجرة، أهدم جدارا، أو أنقل بيتا بأكمله من منطقة إلى غيرها، ولكن يبقى المكان مألوفا في الغالب.

 ربما تستعجلني: “حدثنا عن طقوسك أثناء الكتابة!”

 سوف أفعل. أمهلني قليلا!

 هذا بالنسبة إلى الشخصيات المحيطة بالشخصية المحورية وبيئتها. أما بالنسبة إلى شخصية الراوي فهي أكثر ما يتعبني، تعب ماتع، لأنني أستحيل، أثناء عزلتي تلك، إلى هذه الشخصية بكل أبعادها متخليا عن سعود تماما.

 هناك بعض الممارسات، أو الطقوس إن شئت تسميتها، التي تصاحب كل عمل أحضِّر لكتابته؛ لاحظ انني أقول “أحضِّر” لكتابته، وليس عمل “بدأتُ” فعليا في كتابته. سواء تلك الأعمال التي توقفت عن المضي في كتابتها لسبب أو لآخر، أو تلك التي تمكنت من نشرها. كل عمل، بالنسبة لي، يفرض عليّ الدخول في حالة أو طقس لا يشبه الحالة في عمل آخر. على سبيل المثال، في عمل لم أتمكن من إنجازه، كان الراوي الضمني قد فقد البصر في مرحلة ما من عمره. موضوع كهذا يحتاج إلى دراية كبيرة، لا أعني الحصول على معلومات حول الموضوع، فالقراءة وزيارات مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة كفيلة بإمدادي بما أريد، ولكن هناك حالة لا يمكن تجاوزها إذا ما سلّمنا ان الراوي فاقد البصر. وأنا، سعود، أتمتع بنظر سليم، وأنا أعني الحالة الشعورية المكتسبة من المعايشة.

 طقسي الأهم أثناء “التحضير” وقبل الشروع في فعل الكتابة، عدا العزلة التي تعد عاملا مشتركا في كل عمل، هو المعايشة، إذ ان كل عمل يفرض عليّ طقسا بعينه. ومعايشة ظروف كل عمل تعدُّ طقسا فريدا. في عملي ذاك كنت قد استخدمت غطاء العينين فور استيقاظي من النوم في عطلة نهاية الأسبوع، لأقضي حوالي ثمان وأربعين ساعة في ظلام قبل أن أخوض تجربة الكتابة. أغسل أسناني وأغير ملابسي وأعد طعامي وأستخدم الهاتف المحمول كفاقد للبصر. لا أزيل الغطاء عن عينيّ إلا وقت الاستحمام، وفي ذلك الوقت أكون مغمض العينين لئلا أفقد شعوري بفقدان البصر. أستعيض بحاسة الشمّ للتفريق بين “الشامبو” و”البلسم” أو “معجون الأسنان” و”جِلّ الحلاقة”. في روايتي الأولى، ولأن الراوي فيها يتحدث عن موت أمه، كان لزاما عليّ أن أقترب من الشعور بالفجيعة. زرت المقبرة أشيّع امرأة ميتة، أصلي عليها مع الجموع وأنا أتخيلها والدتي بملامحها التي أحب. أحمل نعشها مع أقربائها. موقف صعب وشعور قاس، ما كان لي أن أكتب عنه بالصورة التي ظهر عليها لولا جلوسي على ركبتيّ، أخلط الماء بالتراب، كاتما شهقاتي، أعجن الطين، أشكل كراتٍ أناولها رجلا داخل القبر يدسّها في الفراغات حول جسد الميتة قبل أن أهيل التراب على قبرها. وربما الحالة أو الطقس الأصعب هو ذلك الذي سبق كتابة رواية “ساق البامبو” قبل منتصف عام 2011، لأنني كنت أمام تحدٍ من نوع آخر. أنا لا أكتب مشهدا هنا، أو مرحلة من مراحل حياة الراوي. أنا أكتب عملا كاملا يعدُّ سيرة ذاتية يكتبها شخص لا يشترك وسعود بأي شيء على صعيد التجربة الإنسانية. أنا أمام طقس أمارسه لمدة عام كامل. طقسٌ يفرض عليّ نمط حياة جديد لا يشبه حياتي الاعتيادية في شيء عدا احتياجات الإنسان ليبقى على قيد الحياة. عزلتي كانت مضاعفة لأتخلى عن كل ما يذكرني بأنني كويتي، لأصبح، في تلك الأثناء، نصف كويتي نصف فلبيني مثل بطل الرواية الذي قضى معظم حياته في بلاد أمه الفلبين. انقطعت عن التواصل مع كل أصدقائي وأقاربي لمدة عام كامل. حتى ان أهلي الذين يشاركونني في البيت لا ألتقيهم إلا نادرا. وحده العمل الوظيفي كان حائلا دون اتمام العزلة بالشكل الذي أردت. طقسٌ كهذا يضم في جنباته طقوسا عدة. ما كان للعمل أن يظهر بصورته لولاها. السفر من أجل المعايشة. السكن في بيت تقليدي بين أشجار استوائية، يشبه بيت البطل المتخيَّل، في قرية بعيدة، بين السكان المحليين، تضج بالأصوات الجديدة، سواء في اللغة أو أصوات الطبيعة. آكل من طعام بطل روايتي. أتنفس هواءه. أنام على سريره. أرتدي شورت وقميصا بلا أكمام وأنتعل نعلا مطاطية كما يفعل الرجال مِن حولي، وأمشي في الشوارع التي يمشي بها بطل الرواية، أفتعل صلاةً في كنيسة أو معبد بوذي، متخليا عن كل شيء يربطني بهويتي. لا اتصالات ولا مكالمات هاتفية ولا قراءة صحف أو متابعة أخبار محلية عبر الانترنت. أعود إلى بلادي بروح بطل الرواية، هوزيه ميندوزا. منذ وصولي إلى مطار بلادي أشعرني غريبا.أرى بعينيه. أتعايش مع غربة خلقتها بنفسي. أتخلى عن كل القنوات التلفزيونية العربية في بيتي، مفسحاً مجالاً للقنوات الفلبينية مستعينا بقمرٍ آسيوي. رغم جهلي للغةٍ أشعرني أنتمي لها. تتكرر زياراتي إلى الفلبين كلما شعرتُ بأنني على حافة الخروج من الطقس الطويل. أجدد انتمائي. وإذا ما عجزت عن السفر لسبب ما، أجدني محيلاً غرفة المكتب، حيث أكتب في أحيان كثيرة، إلى بيئة قريبة من البيئة التي عايشتها هناك. إضاءة خافتة. ضرورة طغيان اللون الأخضر على بقية الألوان. عشرات من سيقان البامبو تنتشر في الزوايا. قرص مدمج موصول بالسمّاعات في سقف الغرفة يطلق أصواتا ليست موجودة حيث أعيش؛ نقيق ضفادع وأصوات صرصار الليل، وشاشة التلفاز أمامي تعرض برامج أجهل لغتها.. وأنا في عزلتي تلك لا أمارس عدا التأمل، سابرا أغوار عالمٍ أوشك على خوضه كتابةً بعد خوضه معايشة، حتى وإن كانت معايشة ذهنية مع شخصيات العمل وبيئته.

 عزيزي عبدالله،،

 أدري بك تنتظر مني إجابة حول طقوسي “أثناء” الكتابة. أدري أني لم أجب على سؤالك حتى الآن، لأن إجابتي قد تكون منقوصة. قصيرة جدا تبدأ بالنفي. لن تكون واضحة من دون المرور بالطقوس الـ “ما قبل كتابيّة” في السطور أعلاه.

 إذا ما اكتملت الحالة، الخاصة في كل عمل قبل كتابته، بكل ممارساتها وطقوسها في المعايشة؛ أنا أكتب.. أكتب وحسب.

 أكتب بلا طقوس..

أكتب على ورقة، أو منديل ورقي، أو على كفِّ يدي.. أكتب إلكترونيا على شاشة الكمبيوتر أو الهاتف المحمول. أكتب في غرفة المكتب.. في مقرِّ عملي الوظيفي.. في مقهى أو مطار أو بهو فندق.. أو أكتب، تسجيلا صوتيا، في هاتفي المحمول إذا ما كنت أقود سيارتي أو في مكان لا أجد فيه فرصة كتابة ورقية.. أكتب في أي مكان أو وقت دونما الحاجة إلى طقس بعينه طالما مارست طقوسي كاملة قبل الفعل الكتابي.. أكتب في عزلة حقيقة وإن كنت في أماكن عامة تضج بالناس.

 والآن أقول،،

 كنتَ قد لجأتَ، في جزأي كتابك، الأول والثاني “طقوس الروائيين”، إلى عنوان فرعي: أين ومتى وكيف يكتبون؟

 ربما لا يشملني العنوان تماما، لأنني، أثناء الكتابة أكون.. معلَّقًا في الهواء خارج الزمن، لا أين لدي، ولا متى..

 كل ما أملك هو “كيف”، وقد حدَّثتك عن كيفي في هذه السطور.

 ولأن لا طقوس “أثناء” الكتابة عندي.. تأخرتُ في الرّد على رسالتك.

 ولك أن تعذرني أو..

 سعود السنعوسي

                                                                                               ديسمبر 2013


* الرسالة موجهة إلى الأستاذ عبدالله الداوود، من كتاب “طقوس الكتابة عند الروائيين” الصادر عن دار كلمات للنشر والتوزيع ، الكويت 2015.

This entry was posted in طقوس الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *