ريتشارد هوغو: في الفنّ تحدث الأشياء بلا سبب

ترجمة: سارة أوزترك
في الفن، مثلما هو في الحياة كما يبدو، تَحدُث الأشياءُ بلا سببٍ.

في الفن، مثلما هو في الحياة كما يبدو، تَحدُث الأشياءُ بلا سببٍ.

في القصيدة عناصرُ دراما. كُلُّ ما دام مِن الفنون يتميز بما نسميه schmaltz أو corn. لقد كان ردُّ فِعلِنا ضد عاطفية الكتابة الفكتورية وما بعد الفكتورية صارمًا جدًّا لِحَدِّ انتهاء الكُتَّاب إلى الإيمان بأننا كُلما بَعُدنا عن العاطفية كان الفَنُّ أقرب للحقيقة. كان ذلك خطأً. كما أشار بِل كِتْرِج، زميلي الذي يُدَرّس كتابة الأدب القصصي: إن كنت لا تجازف حتى لا تقعَ في العاطفية، فلَسْت قريبًا من باطِنك.

تقع القصيدةُ في مكان معيّن. لا تعلَم أين، ولكنك تعلم أن الشاعر يعلمُ أين. من شأن معرفتك أين أنت أن تكون مصدرًا لإبداعٍ راسٍ. لو أنت في شيكاغو، يمكن أن تذهب إلى روما. لو أنت في لا مكان، لا يمكن أن تذهب إلى أي مكان.

الثعبانُ مقتولٌ بالمَجَّان. قد تكون دراسة علم النفس الحديث ساعدت البعضَ مِنّا على أن يصبحوا بَشَرًا أفضل. قد نعامل أولادنا بطريقة أفضل لأننا اكتسبنا بعضَ مفهومٍ ابتدائيٍّ عن السبب والتأثير. ولكن في الفن، مثلما هو في الحياة كما يبدو، تَحدُث الأشياءُ بلا سببٍ. إنها تحدُثُ فَحَسب. يندر أن تَجِد القصيدةُ فُسحةً للشرح، للدوافع، أو للرُّشد. ماذا لو كانت القصيدة كالتالي؟

عَلِمتُ أنَّ سُمَّهُ

كان على الأطفالِ خطرًا

فَحَطَّمْتُهُ غَوْرًا في الثَّرَى

لَكان الشاعرُ مختلقًا لنفسه الأعذار، ولَتَمَّ التنازُل عن الصراحةِ العاتِيَة التي يواجه بها جِنايتَهُ الفَجَّة. لا شيء في مسرحية المَلِك لير يمكن أن يكون عِلَّةً لوحشيةِ ريغان وكورنول الكاسِرة إذْ يُعْمِيان جلوستر. من وجهة نظر كاتبٍ، إحدى العِللِ الجيدةِ كونُ شكسبير قد عَلِمَ أنَّ على هذه الأرضِ يَدُبُّ الكثيرُ من الشَّواذ.

ولا يقتصر ما يمكن تعلمه من هذه القصيدة على الأُسُسِ الفَنِّية. وأيًا كان، فالأُسسُ الفنيةُ مشبوهةٌ دومًا، بما في ذلك ما أخالُ أنِّي واجِدُه هنا. دعنا ننتقل إلى لغة القصيدة.

للكلمات متعددة المقاطع (multisyllabic) في الانجليزية سبيلٌ إلى تخفيف وَقْع اللغة عادةً. بإمكاننا إظهار العطف والحنان والطُّمَأنينة بواسطة الكلمات متعددة المقاطع. بالكلمات متعددة المقاطع نصبح أكثر تَحَضُّرًا. سبعٌ من الكلمات الست والعشرين في الأبيات الأربعة الأولى من القصيدة كلماتٌ ذات مقطعين. هذه نسبة مرتفعة بِحَقّ، إلا أن تكون في مجال السياسة. الثعبانُ نعسان. لا يوحي للمُتَحَدِّثِ بأَيِّ خَطَرٍ. مَسكَنُهُ سَكَنُ مخلوقٍ لا يَضير: سَكَنُ غوفر. فكأنَّ الثعبانَ سائِبٌ؛ كأنه يتيمٌ؛ مُتَسَكِّعٌ ينامُ أنَّى له النَّوم. توحي الكلماتُ في “مُنحَدَرِ التَّلِّ الظُّهري” بأنْ ليسَ للأرضِ تضاريس صمَّاء، بل بنىً طَوْعِيَّة. في الساعة الرابعة بعد الظُّهر قد لا يكونُ تَلّا بالمَرَّة. نَحنُ نَحصُل على هُوِيَّاتِنا من عِلاقاتِنا، تمامًا كما تَحصُلُ الأرضُ على بِناها من ساعَةِ اليَوم، من وضعِيَّةِ مصدرِ الضوء. هذا عالَمٌ دافئٌ سَيَّال.

بالكلماتِ أُحادِيَّةِ المَقطع (single-syllable) يُمْكِنُنا أن نُظهِرَ التَّصَلُّبَ، الصِّدقَ، المتانةَ، القسوةَ، عالَمَ المَضَرَّةِ غيرَ مَصقولٍ. في البيتين الخامس والسادس، يُنظرُ إلى الثعبانِ على أنه خَطَرٌ. تصيب البيتان الهَدَفَ صافِقَتين كقَبضَةِ اليَدِ التي يراها الشاعِرُ مُشَبَّهةً برأسِ الثعبان. إلا أن البشرَ بالطبع، لا الثعابين،  هم الذين لهم قبضاتُ أيدٍ، لذا يمكن أن نسأل: أين مَكمَنُ الخطرِ هُنا في الحقيقة؟

بعد ذلك يتذكَّر المَتَحَدّثُ الثعبانَ بحنانٍ في البيتين السابع والثامن، فنَجدُ كلمتين ذواتَيْ ثلاثةِ مقاطع، وكلمةً طويلةً ذات مقطعين: yawning. قد تلاحظ أن الشاعرَ مُتَفَتِّحٌ للتشابُهات الفيزيائيةِ بين الثعبان والقطط المنزلية – تبدو متشابهة كثيرًا إذْ تتثاءب – مثلما يرَى لاحقًا ويَسمع التشابُهَ بين الأفاعي المُجَلْجلَة والسنابل؛ كيف أن الذَّيلَ يبدو كَالشُّرَّابةِ، كيف يشبه صوتُ الجُلْجُلِ صوتَ الريحِ في السنابل.

في الأبياتِ الخمسة الأخيرةِ يقتُل الشاعرُ الثعبانَ ويواجه نفسَهُ وتضميناتِ فِعلِه الأخلاقيةَ من غير إحجامٍ أو ذَريعة، ولا نَجِدُ كلماتٍ متعددة المقاطع في الجُزئية بأسْرِها. كُلُّها كلمات أُحادِيَّة المقطع، والنَّظرَةُ مُستَوِية، وكيان المُتَحَدِّث بأكمله مَنشورٌ بِصِدقٍ، غيرَ حَصينٍ من جهة حاجزه الأخلاقي الشخصي. لو تصرَّف المرءُ تبعًا لما اتُّخذ من مواقف مُتَصَلِّبة مُضِرَّة عُبِّر عنها في البيتين الخامس والسادس (وذاك ما فعل المُتَحَدِّث)، وليس تبعًا لما اتُّخذ من مواقف سَيَّالة، حنونة، إنسانية، عُبِّر عنها في البيتين السابع والثامن، فالمرءُ مُقابِلَ ذلك مُواجِهٌ الصورةَ تامَّةَ النُّمُو لما قد فَعَل والرافِضةَ للُمساوَمة. للأبد.

بإمكاننا إظهار العطف والحنان والطُّمَأنينة بواسطة الكلمات متعددة المقاطع.

بإمكاننا إظهار العطف والحنان والطُّمَأنينة بواسطة الكلمات متعددة المقاطع.

 يبقى الموضوعُ مُطلقُ الزِّنادِ في نطاق الرؤيةِ بالتمام حتى أواخر القصيدة، بينما يأخذُ الموضوعُ المُنتَجُ (ما تقوله القصيدة) بالظهور عند النهاية، ولكنّه مع ذلك جَلِيٌّ. وهكذا يُترَكُ الثُّعبانُ، وتبدأ المواقفُ التي تُتَّخَذ من الحياة بالتشَكُّل. تُوَصِّلُ الكلماتُ أُحاديةُ المقطعِ في الأبيات الخمسة الأخيرة بقَسوةٍ قَنَاعَةَ أن كُلَّ الحَيَواتِ مُتَّصِلة، وأنَّنا قد نكونُ أفضلَ حالًا لو تصرَّفنا كما لو كانت الحياةُ مُقَدَّسةً وإن لم تكن كذلك. في هذا المثال، نَزَل الشاعرُ عن الموضوعِ مُطلِقِ الزِّنادِ متأخرًا.

ذكرتُ سابقًا إن إحدى وسائل النزول عن الموضوع (وسائل تحريرِكَ نَفْسَك من الذاكرة إن أردت)، هي استعمال الكلماتِ لخاطِرِ الصوت. عَلَيَّ الآن أن أستخدم أربعة أبياتٍ من إحدى قصائدي الأولى لأنني، ببساطة، لا أستطيعُ التَّحَقُّق من سَيرُورة أي شاعر آخر. أعرفُ كيف سِرتُ وقتَها. هذه الأبيات الأربعة الأولى من المقطع (stanza) الرابع لإحدى قصائدي الأولى باسمِ “عِند مَصَبِّ سْتِلِّي.”

كيف للماء أن يموت
موتًا مسرحيًّا في تدفُّقٍ غَنيٍّ أخير
انتحارًا، ضحيَّةَ إقليمٍ، شهيدًا
وَسْتِلِّي لهذا الحَدِّ مهزومةٌ والبحرُ
حَوَّلَته إلى أُخدودٍ مُوحَلٍ كمانو القريبةُ؟

عندما كنتُ شاعرًا ناشئًا وضعتُ قاعدةً تَعَسُّفِيّةً كنتُ أعملُ في إطارها على إنتاج صوتٍ مشابه لأي صوتٍ أُنتجُه فأحسُّ بأنه قوي وأحبه بصفة خاصة، بعد ثلاثة إلى ثمانية مقاطع (syllables). بالطبع كان المُعادُ إنتاجه شِبه سَجَعٍ (slant rhyme). لماذا ثلاثة إلى ثمانية؟ لا تَسَل. الانخراطُ في كتابةِ الشعر يستلزمُ أن يكون المرءُ أحمقًا أصلًا.

في هذا المثال، وقعت كلمة “cascade” على سَمْعِي بِمَوَدَّة؛ فكذا، بعدها بقليل، “suicide.” لم أكن ذكيًّا بما يكفي لأن أعلم أنني كنتُ أقولُ بأن حاجتي لرؤية الأشياء رؤيةً مسرحيةً كانت حاجةً طفوليةً وكذا حقيقيةً. إلا أن “suicide” (الانتحار) كانت صائبة وأدَّتْ إلى “ضحيَّةَ إقليمٍ” (“victim of terrain”) و “شهيدًا” (“martyr”) – مفاهيم ترابُطيَّة على الأقل. ولكنها أدَّت أيضًا إلى كلماتٍ تقعُ أصواتُها مُشابِهةً لكلماتٍ أخرى في هذه الجُزئية: “martyr” مثل “drama” و “water،” “victim” مثل “final” و “Stilli” (سْتِلِّي، تعبيرٌ شمالي-غربي دارج للإشارة إلى سْتِلِّجُوامِش، النهر). كان يمكن أن أصِلَ مُصَادَفةً إلى “masquarade” (تَنَكُّر) بدلًا من “suicide،” ولكن ذلك كان سيكونُ خطأ وأتنمى أنني كنتُ سأعلمُ ذلك. كان يمكن أن أعلمَ ذلك لأن “masquarade،” ببساطة، لها وَقْعٌ يشبه “cascade” جدًّا، وتستدعي الانتباه إلى نفسِها، وهي لِسَمعي أقل تشويقًا. ما أريد قوله لك هو أنني بِفِعلي أشياء من هذا القَبيل استطعتُ النُّزُولَ عن الموضوع وكتابةَ القصيدة. إن حقيقةَ كون “suicide” لها وقعٌ يشبه “cascade” لَهِي أمرٌ لا مُتناهي الأهمية مقارنةً بما يُقال.

بالطبع ليست كذلك، ولكنك إن استطعت أن تفكر بها على ذلك النحو خلال السنوات الخَمس والعشرين القادمة يمكن أن تكون في حالة جيدة.

This entry was posted in كيف تكتب؟. Bookmark the permalink.

One Response to ريتشارد هوغو: في الفنّ تحدث الأشياء بلا سبب

  1. imane says:

    كان يفضل مع ترجمة القصيدة وضع النص الأصلي ليسهل الفهم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *