أمين صالح: أنا أكتب لأحقّق تواصلًا مع الآخر

المنامة / علياء الموسوي

ماهو سر استخدامك للغموض في نصوصك؟

أحاول أن أستثمر الطاقة الشعرية الكامنة في السرد

أحاول أن أستثمر الطاقة الشعرية الكامنة في السرد

في نصوصي أنا لا أستخدم الغموض، وذلك ببساطة لأن الغموض ليس حالة مادية، ملموسة، يمكن استخدامها واللجوء إليها وقتما يرغب الكاتب. الغموض مفهوم نسبي، لا يمكن الإمساك به وتحديده أو تعريفه، ومن جهة أخرى، أنا أكتب، بالدرجة الأولى، من أجل أن أحقق تواصلًا مع الآخر الذي يقرأني (من دون أن أعرف بالضرورة هوية هذا القارئ ومكان وجوده). هذه الغاية – التواصل على المستوى الإبداعي – تحول دون أي افتعال لحالة الغموض، أو السعي لإرباك القارئ وتشويشه بلا مبرر، فعندئذ يقع النص في شرَك الإبهام الذي هو نقيض الغموض.  ما أقوله لا يعني إنكارًا لوجود الغموض في النص الأدبي أو العمل الفني. الغموض صفة أو سمة أو خاصية متأصلة في العملية الإبداعية، ذلك لأن الخلق الفني يعبّر عن واقع معقّد ومتشابك ومتناقض، وعن وضع الإنسان فيه وعلاقته به. والكاتب يعبّر عن ذلك معتمدًا على المجاز والإيحاء والتراكيب اللغوية وتعدّد الدلالات وتباين الصور وبمعنى آخر، الغموض ينشأ من فعل القراءة (أو المشاهدة) وليس من فعل الكتابة، وهذا يحدده المستوى الثقافي للفرد، ودرجة وعيه وحساسيته، ومدى اتساع أفقه أو ضيقه في الفهم والاستيعاب، وإلى أي حد هو مرن أو متصلب في مسألة تقبل الأفكار والأشكال والمضامين. وفي فعل القراءة تتعدد وتتنوع التأويلات ودرجات الفهم ونسب التواصل. لذلك فإن النص الذي يراه قارئ غامضًا ومستعصيًا على الفهم، يراه آخر واضحًا ومفهومًا. إذ أن الكاتب لا يتعمد الغموض، لا يذهب إليه ولا يستدعيه. الغموض يكمن في جوهر أي فعل إبداعي.

كيف توظف أدواتك السردية في نقل إحساسك الداخلي؟

عبر لغة، ينبغي أن تكون غنية بالدلالات والإيحاءات والمجازات، ومكتنزة بالبنى الجمالية، أحاول أن أستغل طاقات السرد في التعبير عن مختلف الأفكار والمشاعر، وفي بناء عوالم هي نتاج مخيلة وذاكرة ولغة لا تقف عند حدود المعجم والمتعارف عليه. من بين طاقات السرد، أحاول أن أستثمر الطاقة الشعرية الكامنة في السرد، وهي الطاقة التي أحسب أن الكثيرين من كتّاب السرد لا يعترفون بها، ولذلك تظل مهمَلة وغير موظفة في أعمالنا الأدبية.

هل يمكن أن تنفصل الكتابة الإبداعية عن الواقع المعاش؟ ولماذا؟

الكاتب الحقيقي لا ينظر إلى نصه بوصفه مرآة تعكس بأمانة ما يدور في واقعه المعاش، وهو لا ينقل واقعه على نحو حرفي أو فوتوغرافي، مثلما يفعل المصور الفوتوغرافي، بل ينتقي أجزاء أو شظايا من هذا الواقع في شكل أحداث أو شخوص، ومن الصور التي ينطلق منها يخلق، ضمن خط قصصي أو روائي، واقعًا قد لا يكون مماثلًا له، بل ربما يبدو مختلفًا جذريًا عنه، لكنه يظل متجذرًا في ذلك الواقع الذي انطلق منه. بمعنى أن الكاتب لا يستطيع أن ينعزل أو ينفصل كليًّا عن الواقع المعاش، فهو يستمد مصادره وعناصره من ذلك الواقع لكنه يبني عالمًا آخر من خلاله يوصل رؤيته.

ما هي المسؤولية التي تقع على الكاتب لتطوير الحركة الأدبية الإبداعية؟

الكاتب ليس مسؤولًا عن تطوير الحركة الأدبية. مهمته تنحصر في تطوير ذاته الإبداعية، في شحذ وصقل أدواته، في إثراء عناصره ومصادره الخاصة. أما الشأن الثقافي العام، فالاهتمام به والعناية به وتطويره، كلها أمور تقتضي انهماكًا واستغراقًا وتفرغًا وبذلًا مضاعفًا للوقت والجهد، وليس كل كاتب قادر على القيام بذلك، بل يتعين على جهات أخرى، رسمية وأهلية، القيام بها والتكفل بتنفيذها. لا ينبغي للكاتب أن يحمل أعباء أخرى غير عبء الكتابة.

هل تعتبر النقد الأدبي دافع لتطوير الأقلام الشابة؟ ولماذا؟

بالطبع للنقد دور مهم وأساسي ليس فقط في تطوير الأقلام الشابة، بل أيضًا في تطوير وتنمية وتحوّل الأقلام غير الشابة، والتي تتجمد ويصيبها العطب في لحظة زمنية معينة فتتوقف عن النمو والتفاعل والتأثير لأنها قررت، في حالة غياب النقد أو تكاسله، أن تكف عن طرح الأسئلة، وتتجنب الحوار مع أقرانها وقرائها، ولا تعود تكترث بما يستجد من أفكار ورؤى وأشكال في الأوساط الثقافية العالمية.

الكتّاب الشبان في أمسّ الحاجة إلى نقد لا يهادن ولا يتملّق لكن أيضًا لا يكره ولا يحتقر ولا يتعالى. نقد صارم لكن لا يخلو من حنوّ. نقد مثقف واع حداثي مرن، لا يعلّم ولا يلقّن بل يحاور ويتفاعل.

ماهو جوهر العمل المسرحي؟

ليس هناك جوهر محدّد وثابت للمسرح يمكن الإمساك به وتأطيره، لهذا السبب تتعدد الاتجاهات والتيارات والمدارس المسرحية، وتتنوع وتتباين إلى حد التعارض والتناقض. ربما يبقى الأساس هو الصراع، كما في الحياة. لكن الأشكال والجماليات والتقنيات تتنوع وتتفاوت. العمل المسرحي قائم على تراكم التجارب والخبرات، والتفاعل فيما بين الطاقات العاملة في العرض، تأليفًا وإخراجًا وتمثيلًا. إنه الوسط الذي تجد فيه الطقوس الجماعية حضورها المشعّ، والاحتفاء الذي يليق، لكن لا يمكن للعرض المسرحي أن يتحقق أو يكتمل إلا بحضور عنصر مهم جدًا، هو الجمهور، والذي معه يؤسس العرض علاقة مباشرة وحميمة، ومعه يعقد اتصالًا حرًّا ومباشرًا بلا وسائط، بينما المسافة بينهما تكون شبه معدومة.. عندئذ يكون التفاعل صريحًا وإيجابيًّا.

الغموض يكمن في جوهر أي فعل إبداعي.

الغموض يكمن في جوهر أي فعل إبداعي.

كيف ترى نفسك ساردًا ومسرحيًّا وشاعرًا؟

أرى نفسي كاتبًا يمارس حقه الطبيعي، الذي لا افتعال فيه ولا تصنّع، في التنقل بحريّة بين أشكال الكتابة التي يشغف بها ويهوى التعبير من خلالها: النص الأدبي، النص السينمائي، النص المسرحي. لا حواجز ولا محظورات بين هذه الأشكال التي لا تفتقر إلى التجانس في الرؤية وإن اختلفت في الشكل والمعالجة. هذه الأنواع من الكتابة عوالم أرتادها بلا مشقة، وبرغبة من يفتقد داره بعد رحيل طويل.

تشكل الترجمة إحدى الضرورات الأساسية التي تسمح بربط جسور التعايش بين الثقافات والشعوب ودعم روح التواصل بين الأجيال. في رأيك كيف نحدد صلاحية النص المترجم؟؟

أعتقد يجب أن يكون النص، المراد ترجمته، عملًا إبداعيًّا، مثيرًا لاهتمام قطاع من القراء، وأن يكون ذا قيمة ثقافية عالية، ويطرح قضايا وموضوعات مفيدة، محفزة للفكر، وتلبي حاجات فنية أو فكرية.

ما هو واقع ترجمة النصوص من العربية وإليها في الوقت الراهن؟

واقع الترجمة ليس في مستوى الطموح بعد. الترجمات قليلة، وهي محصورة ضمن نطاق ضيق. الدول العربية تفتقر إلى مشاريع الترجمة والتبادل الثقافي مع دول العالم، ويندر وجود جهات رسمية أو دور نشر محلية تعمل على تشجيع الترجمة ضمن خطط مدروسة بشكل جيد. أغلب محاولات الترجمة هي فردية، بالتالي هي عرضة للانكماش والتوقف.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *