فريد رمضان: بعد كل هذا العمر، صعبٌ علي ألّا أكتب.

حاورته: ضحى الغسرة

“البدايات دائمًا ما تكون خيط النجاة الأول للكاتب، فالبدايات تحدد الطريق وتجعله واضحًا كلما تعلقنا بها أكثر وأخذت الجزء الأكبر من حياتنا”.

البدايات دائمًا ما تكون خيط النجاة الأول للكاتب

البدايات دائمًا ما تكون خيط النجاة الأول للكاتب

كيف كانت نقطة البداية لديك؟ ومتى بدأ ذلك؟

بدأت في سن مبكرة منذ أن كنت في المرحلة الإعدادية، حيث كنت حريصًا على كتابة مذكراتي في رحلات العلاج التي أخذني والدي إليها للعلاج من مرض لم أشف منه حتى اليوم، إضافة إلى كوني الابن الوحيد المتبقي لهذه العائلة التي كانت تودع أبناءها الذكور الواحد تلو الآخر. كانت الكتابة طريق نجاة يتبلور مع تقدمي في السن، بين اليوميات، إلى المحاولات الشعرية العامية والفصحى، في بيئة أميّة، فوالدي كان غواصًا يمتهن البحر بحثًا عن اللؤلؤ في مرحلة اقتصادية فاصلة في البحرين، وعندما اكتشف النفط، غادر للعمل مع المئات من الرجال والشباب تحت شمس “جبل الدخان” في شركة “بابكو” شركة البحرين للنفط، حينها تشكل الوعي الجمعي للمجتمع البحريني في تطوره البطيء والمحدد، إلى مجتمع مندفع نحو المدنية والتعليم وتغيّر نمط المعيشة الاقتصادي، بل وتأسيس الوعي السياسي والحقوق العمالية.

في منتصف السبعينات، أتذكر لم يكن في بيتنا غير جزء عم، وبعض مجلات مصرية تهرّبها أختي إلى المنزل، عندما وقعت عيني على كتاب في يد ابن خالتي للعظيم “وليم شكسبير” لتتغير حياتي، لم أكن أعرف ما هو المسرح، كنت أقرأ مبهورًا باللغة والشعر والدراما دون أن أفهم كل ذلك، كان ثمة حالة من النشوة.. من المتعة وأنا أقرأ دون أن أفهم كل شيء، ولأنني دائمًا أكون الابن الوحيد بين ذكور يولدون ويشبّون ويموتون، كنت الابن والأخ المدلل والعليل، كانت أختي التي لم تكمل تعليمها ترشح لي صديقات للمراسلة من الوطن العربي وتكتب عني الرسائل وتقرأ لي الردود، حتى بدأ ابن خالتي بتصحيح خواطري التي كنت أكتبها ويشجعني على النشر، حتى أنهيت الثانوية.

وكان أن أخذت ابنة حارتنا الشاعرة فتحية عجلان كتاباتي إلى زوجها الشاعر المسجون في ذلك الوقت علي الشرقاوي الذي شكل الوعي الحقيقي لي بالعالم والكتابة، ومعه تعارفت مع المرض بكونه صديقًا عليّ القبول بمرافقته طريق الحياة حتى آخرها.

 لماذا يكتب فريد رمضان؟

السؤال الصعب دائمًا، بعد كل هذا العمر، صعبٌ علي ألّا أكتب. مع أمراضي المستعصية والتي رافقتني منذ الولادة، مع كل صرخة ألم كانت تتولد الكتابة والحاجة للكتابة كعلاج روحي هام.

ثمة أشياء كثيرة تتغير مع الكتابة، أنا لم أكتب فقط، أنا كنت أطبب روحي وجسدي

لماذا الرواية؟

الرواية بالنسبة لي هي أن تقول إن الحياة صعبة وقاسية وعلينا أن نفهمها، ونفهم من خلالها طبيعة العلاقات المعقدة التي تربط بين أفراد المجتمع فيها، كما أنها تسعى لفهم عجزها في تفسير ظواهر الحياة الملغزة كالموت والولادة وما بينهما.

فعندما يغيب الروائي تضحي الحياة صعبة على الفهم. حيث أن الرواية هي خارطة الطريق للنزعة الفردية في فهم العالم.

هل تفرض الفكرة مسارها لأن تكون رواية أو قصة، أم أنت من يحدد ذلك؟

هذه ليست قضية كبرى، عندما تكبر وأنت في أحضان الكتابة يأتيك كل شيء بشكل واضح فتعرف بالضبط ماذا تريد أن تفعل بهذه الفكرة أو تلك، وفي أي صيغ أدبية تريدها. ولكن أجمل ما في هذا الأمر أنه بعد كتابة التجربة أن تجرب تحويلها إلى صيغة أدبية أخرى، وأنا أعتبر هذه العملية أجمل التمارين وأسميها تمارين لأنها مفيدة كثيرًا للمبدع؛ أن يعمل على تحويل سيناريو فيلم كتبه إلى نص مسرحي، والعكس. أو تحويل قصة قصيرة كتبها إلى سيناريو فيلم قصير. إنها تجربة رائعة ومبهجة وتضيف الكثير للكاتب وأدواته الفنية.

ومن الممكن أن تبدأ بمثل هذا الأمر مع نصوص كتاب آخرين. وأذكر كيف حرَّضتني نصوص جميلة لتحويلها حيث بدأت بمثل هذا الأمر بتحويل مقطع من كتاب “الجواشن” لقاسم حداد وأمين صالح إلى نص مسرحي بعنوان “الصلاة”، وحولت قصيدة “القلعة” لقاسم حداد إلى قصة قصيرة. وحولت فيما بعد العديد من القصص القصيرة إلى سيناريوهات أفلام قصيرة.

أما الرواية فهي موضوع آخر، بناء هندسي يحتاج إلى الكثير من الصبر والبحث والمعرفة، وأعتقد أن الفكرة تفرض نفسها في السياق العام للبناء الروائي. وهي عملية مهما تحدثنا عنها، فإنها تظل معقدة وتنطوي على مغامرة خطيرة وجميلة في نفس الوقت.

كيف تذهب إلى الكتابة؟

أذهب إلى الكتابة عادة عند الصباح، في حدود العاشرة، مثل من يذهب لوظيفته اليومية، عليَّ أن أذهب متأنقًا بكامل ملابسي الرسمية، مع ضرورة حلق لحيتي. أتناول إفطاري، ثم أذهب للمكتب، وهو غرفة صغيرة في المنزل خصصت لذلك.

وقبل الشروع في الكتابة ينبغي أن يكون المكتب مرتبًا ونظيفًا، ويجب أن أكون قد أنهيت مرحلة البحث والتخطيط للمشروع الذي أنوي الشروع في كتابته، إذ دائمًا ما يسبق أي مشروع كتابي مرحلتين هامتين، الأولى أقضيها في المكتبة، بين الكتب والمراجع، والتخطيط على سبورة كبيرة، حيث اشتغل على كتابة ورسم الشخصيات ثم أنتقل إلى المرحلة الزمنية للعمل الإبداعي، تخطيط البناء العام للرواية، أو سيناريو الفيلم. أغير وأعيد، أكتب وأمحو، وقد تأخذ هذه المرحلة ما بين أربعة وستة أشهر. وهي مرحلة لا تقل متعة عن الكتابة، بل هي المتعة كلها. لأن هنا تتخلق المعالجة الفنية والدرامية للعمل رواية كان أو سيناريو، وهي مرحلة حرة من الشطب والتغيير وإعادة الهدم والبناء لكل مقومات العمل الذي أشتغل عليه.

وكل ما يتم إنجازه من كل هذه المراحل يتم نقله إلى جهاز الحاسب الآلي في ملف خاص بالمشروع.

ولا أتوقف عن الكتابة إلا عند الساعة الثالثة بعد الظهر وأحيانًا أواصل مشروعي الكتابي حتى الساعة التاسعة، أنا كائن نهاري لا أجيد ولا أحب الكتابة في الليل.

حدثنا عن طقوسك الكتابية؟

لكل تجربة طقوسها الخاصة، ولكنها كثيرًا ما تكون متشابهة، حيث أبدأ أولًا بكتابة ملخص النص الروائي، ثم أكتب المعالجة وأقسم الفصول، هذه المعالجة تفجر أسئلة ضرورية خاصة بكل عمل. حيث أتحول إلى باحث ومنقب في التاريخ في كل جانب يتعلق بمكون النص الروائي، خاصة وأن كتاباتي قائمة على موضوع تنوعات الهويات والأعراق والأديان والطوائف، التاريخ والهجرة والانتقال والاستيطان في الخليج العربي إضافة إلى قيامي بعمل لقاءات شخصية ومقابلات مسجلة وتدوين للملاحظات. كل هذا يحيلني مرة أخرى للمعالجة التي كتبتها أول مرة، فأعيد كتابتها حتى أتوصل إلى نتيجة نهائية، خاصة فيما يتعلق بالمكان والشخصيات والمسار التاريخي والزمني للأحداث، بعدها أكون قد وصلت إلى مرحلة كتابة النص الأول من مسودة الرواية.

ما علاقة المؤلف بشخصيات الرواية؟

هناك دائمًا علاقة حميمية بين الكاتب وشخصيات روايته، لا تتبلور إلا بعد اكتمال ملامحهم. وكذلك العلاقة بين الكاتب وروايته، إنها مثل علاقة الأم بأبنائها. فكما تحب الأم أبناءها، يحب الكاتب رواياته، فهو يعتني بها ويربيها حتى النضج. وإذا ما سألتني عن أي نص هو الأقرب لقلبي مما كتبت، سأجيبك بأنه “النص الذي لم يكتب بعد”.

كيف يرى المبدع نفسه، كيف ترى فريد رمضان؟

لا أعرف كيف أجيب على هكذا سؤال. أحلم كثيرًا وأرى العالم كتحفة فنية يستحق التأمل، وأنسى كل شيء عدى مواعيد الأدوية والكتابة. أتعثر في الحديث عن نفسي في الندوات أو عندما يطلب مني ذلك، ولكني أحاول أن أرتب نفسي كي أنظر إليّ من مرآة ما أنتجته من مؤلفات أدبية متنوعة، وفي مجال الكتابة للسينما والإذاعة والتلفزيون.

هل ذهبت نحو أفق جديد أو أكاد؟ هذا أمر أتركه للنقد. هل حاولت أن أتصالح مع المكان والناس وأنا أبحث في موضوع الهوية، خاصة على مستوى السرد الروائي؟ هل كنت صائبًا عندما تحدثت عن المستور والخاص في تكوين مجتمع كالمجتمع البحريني؟ هل كنت صائبًا في قراري أن الحياة ملك للكاتب يختار منها ما يشاء دون وصاية أو سلطة أو رقابة، فلم أغير ما طلبته مني وزارة الإعلام أو الأصدقاء فمنعت رواية “البرزخ؛ نجمة في سفر” وتمت مصادرتها بعد طبعتها بأيام. أين حرية المبدع في إبداعه إن كان عليه أن يسمع للمجتمع والقيود؟ إني أرى نفسي لأتعلم منها.

 ما الذي تنصح به الكتّاب الجدد؟

عندما كنت شابًا في مقتبل العمر، أرسلت كتاباتي الشعرية الأولية إلى الشاعر البحريني علي الشرقاوي، وكان وقتها في سجن جزيرة جدة، وكنت أنتظر رأيه حول نصوصي ومحاولاتي الأولى، فجاءني رد ما زلت أحتفظ به وأفتخر به، ومقتنع به بشكل كبير، وهي نصيحة ناجعة لأي جيل وفي أي وقت. كانت رسالته عبارة عن صفحة واحدة كرر فيها كلمة: اقرأ.. اقرأ.. اقرأ.. صفحة كاملة خطتها يده. لم أستوعب وقتها مدى أهمية القراءة إلا عندما تحولت القراءة إلى حالة إدمان يومي! لذا فإني أنصح الشباب بالقراءة والقراءة والقراءة.

بما أنك تنصح الكاتب الشاب بالقراءة، ترى ما الذي تقرأه أو تحرص عليه؟

أنا أقرأ كل شيء يقع تحت يدي، زوجتي تعلق عليّ كثيرًا وأنا لا أكف عن قراءة كل مرفقات الأدوية ذات الخط الصغير جدًا، نقرأ ونتعذب ونتألم.

أعشق الرواية بشكل عام، في أسفاري، في غرف الانتظار، في عيادات الأطباء، على سرير المستشفى أو سرير البيت، في المكتب وفي الحمام.

في كل مرحلة من حياتي كنت أكتشف كاتبًا وأتعلق به، وعندما أشبع وأتشبع من حروفه، أنتقل إلى كاتب آخر. قليلون هم الذين يرغمونني على العودة لهم: قاسم حداد، محمود درويش، ميلان كونديرا، إيزابيل الليندي، نجيب محفوظ وماركيز.

أعشق كتب التراث، وأبحث فيها بشكل عشوائي، أحب التنقيب في كتب تتصل بالميثولوجيا الإنسانية، ومعتقدات الإنسان وطقوسه، إنها درس المعرفة الهام.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *