أدونيزيو ولوكس: استعصاء الكتابة على الكاتب

ترجمة: أروى وليد
نؤمن أن هناك أوقات تكون فيها مُفلسًا فكريًّا، وأوقات في ثراء فكري.

نؤمن أن هناك أوقات تكون فيها مُفلسًا فكريًّا، وأوقات في ثراء فكري.

لقد مررنا جميعًا بمثل تلك المشاعر من وقت لآخر، كما لو تم نفينا من ملكوت المشاعر والأفكار والكلمات الخاصة بنا، ومما يهون علينا أن نعرف أننا لسنا الوحيدين ممن يخالجهم هذا الشعور، إلا أن هناك أخبارًا جيدةً وهي: عدم إيماننا باستعصاء الكتابة على الكاتب، لكن نؤمن أن هناك أوقات تكون فيها مُفلسًا فكريًّا، وأوقات في ثراء فكري، وعندما يصل الثراء لحد الإشباع اكتب القصائد حتى تستنفد كل مخزونك وعندها عليك التمهل حتى تصل لحالة الثراء الفكري مرة أخرى.

بإمكانك إثراء نفسك بمساعدة هذه الأمور كـ : كتب الشعر، الروايات، الأفلام، أصناف جديدة من الطعام، السفر، العلاقات، الفنون، الاعتناء بالحديقة، المدرسة، الموسيقا.. جوهريًّا، الخبرات. وأثناء قيامتك بهذا سوف تنشغل بحياتك بأمور لا سلطان لك عليها كموت صديق، لحظة فرح عارمة غير متوقعة، حوادث السيارات، الولادة، الكوارث الطبيعية، الربيع، الحرب، جراحة الأسنان، اتصال هاتفي من أحباء قدامى، وفي حال تعرضك لما يكفي من هذه الأمور ستتمكن من الكتابة من جديد، في هذه الأثناء استرخِ واكتب بقدر ما تستطيع حتى لو كان ما كتبته خالٍ من الأحاسيس، انتظر بعدها حتى يصفو ذهنك وتصل لحالة الثراء الفكري وعندما يتحقق ذلك سيعود الشغف وكذلك القصائد.

تم تناول هذا الموضوع كثيرًا، وما نريد التركيز عليه مدى أهمية الكتابة خلال تَعمّق حالة الفراغ؛ فالذهنية الشعرية بحاجة إلى تمارين لتبقى حاضرة دائمًا. لو كنت تحضر لسباق كبير فإنك لن تجلس وتأكل “البوريتو” لأسابيع قبل بدء السباق. أجل، فالقصيدة العظيمة في طريقها إليك والتحضير لها جيد.

وأثناء انتظارك لمصدر الوحي لإعطاء شارة البدء يمكنك القيام ببعض التمارين:

1. احتفظ بمفكرة واكتب فيها بصورة يومية ولو لعشر دقائق. وماذا يعوز الكاتب غير الوفرة بالوقت، فحياتنا مليئة بالمشاغل، وهناك الكثير من الأمور من الواجب إنجازها خلال اليوم وهي على قدر من الأهمية أكثر من كتابة قصيدة. لكن فكر بالأمر بهذه الطريقة؛ إذا اتصل بك صديق مُقرب وقال لك: ” أعلم أنك مشغول، لكن أُريد من وقتك عشر دقائق؟” ربما قد تُجبر للاستماع إليه خمس عشرة دقيقة وليس عشرًا فقط. كلنا نملك دقائق قليلة يمكن تخصيصها لعمل شي نهتم لأمره، فهي تفي بالغرض.

خصص لنفسك عشر دقائق يوميًّا، لا تنتظر أن تأتيك هكذا من تلقاء نفسها، فإذا كنت تمضي في شرب قهوتك الصباحية والتحديق من خلال نافذتك نصف ساعة، خصص لنفسك عشرين دقيقة للتحديق عبر النافذة وعشر دقائق للكتابة، أو بإمكانك تخصيص عشر دقائق قبل النوم أو خلال فترة الغداء.

حدد الوقت من اليوم الذي تخصصه بالعادة لنفسك وثبت موعده في التقويم، حدد موعدًا مع نفسك. والآن تريد معرفة “ما الذي سأكتب عنه؟” أبقِ الأمر بسيطًا، اكتب عن مشهد أثار دهشتك في يوم سابق أو استحضر مشهدًا من ذاكرتك، استغرق في الإسهاب في تفاصيله عدة دقائق، أو اكتب عدة مشاهد بصورة مختصرة مثل ولد في محطة وقود، شجرة غير مثمرة في باحة الحديقة الخلفية، رجل في المطار أوقع حقائبه، قصاصات لقصائد مُحتملة، لا تنظر إليها كمحاولات ناضجة، فلا يجدر بها أن تكون على مستوى جيد، فهي مجرد مُحفز، اعتبرها مجرد برنامج لتعود لمسار الكتابة.

واصل الكتابة بهذا الأسلوب لمدة عشرة أيام ولاحظ النتيجة. لقد قمنا بالتجربة بأنفسنا ولطالما حصلنا على نتائج جيدة، ولقد قمنا بإلقاء نظرة في مفكرتنا ووجدنا إنه عندما ألزمنا أنفسنا في برنامج الأيام العشرة والذي أنهيناه حتمًا بشيء يمكن أن نطلق عليه قصيدة، تذكر الكتابة تولد الكتابة.

2. إذا لم يكن بمقدورك استحضار أية صورة، وكنت من ذاك النوع من الأشخاص الذي يجلس ممسكًا ورقةً وقلمًا وتجد نفسك تنساق وراء خواطرك بحيث تشعر كما لو أنك أنجزت عملًا ما. اكتب لأحدهم بطاقة بريدية أو رسالة في قالب قصيدة – مناورة أخرى لتجنب كتابة قصيدة-وبالتالي تكون أنجزت عملين في آن واحد .

3. اكتشف الأمور التي تقوم بها لتجنب الكتابة وجيرها لمصلحتك. إن كانت عينك وعقلك يميلان للتساؤل، فببساطة ومن على سطح مكتبك ألقِ نظرة على ما حولك وصِفْ كل ما يقع عليه ناظراك، غرض ما في الغرفة، الإطلالة من خارج نافذتك، أو ألقِ نظرة على أرضية الغرفة وقم بوصف أحذيتك، أقدامك العارية.

4. إذا باء كل ما سبق بالفشل، اكتب عن عدم استطاعتك على الكتابة، اعمل قائمة بالمبررات، قائمة بالمواضيع التي لا تستطيع الكتابة عنها أو أنك تشعر بعدم وجوب الكتابة عنها مع ذكر الأسباب، قائمة بكل الأمور التي لم تحصل لك بعد كأماكن لم تذهب إليها، كتب لم تقرأها وتريد أو تشعر بأنه عليك قراءتها، ارثِ حالك، أطلق على نفسك أسماءً، ثُرْ على كل ما يبعدك عن الكتابة (فلا شيء أفضل من القليل من النقد لتتدفق عصارة أفكارك) قم بعمل هذا لمدة عشر دقائق وعلى مدى عشرة أيام، ثم انظر للتغيرات الحاصلة.

5. إذا ما زلت تجد نفسك عصيًّا على الكتابة لعشر دقائق كاملة، لا يزال أمامك عمل يجب إنجازه، قم بتكرار التجربة مرة أخرى في يوم غد واليوم الذي يليه والذي يليه، حدق بالورقة الفارغة ولا تقم بكتابة ولو كلمة، ثم انظر ماذا سيحدث، نُراهنك على أنك لن تكون قادرًا على منع نفسك من الكتابة بعدها.

6. أما إذا كنت تعمل بفعالية أكبر مع الآخرين أو تحتاج إلى دعم أكثر وتحفيز، فجرب الكتابة برفقة صديق، حدد موعدًا مع شاعر آخر متمرد أو التقِ بأحدهم في مقهى أو حديقة عامة، وفي غضون هذه الأثناء وبالتزامن مع ما سبق قم بالكتابة لمدة عشر دقائق، ثم قم بما يحلو لك؛ اشترِ المثلجات، اذهب للسينما …أيًّا كان. لا تشعر بالذنب، فلقد قمت بما يتوجب عليك لهذا اليوم.

7. وتوجد طرق أُخرى للتخلص من عادة استعصاء الكتابة، فقراءة جيدة غالبًا ما تمنحك الثراء الفكري والاستعداد للكتابة. اقرأ لنفسك أو اقصد متجرًا للكتب أو مقهًى يستضيف كتابًا بصفة دورية أو احضر عروضًا مباشرة يقدمها الحضور بأنفسهم وقم بالغناء، فهذا دافعٌ كبير لتلقي نظرة مُتفحصة على قصائدك وتنقيحها أو حتى البدء بقصيدة جديدة.

8. اذهب في إجازة لمكان بعيد عن أماكن عملك، ابتعد لمدة من الزمن حتى لو كانت فقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، أو ليوم واحد، وحتى لساعات قليلة فقط؛ فتغير الجو يساعد. وإذا كنت معتادًا على الكتابة في المطبخ أو غرفة نومك أو مكتبك، فاذهب للمقهى أو حديقة عامة، استقل الحافلة أو اركب القطار، لا تصطحب معك كتابًا، أحضر قلمك ومُفكرتك فقط.

9. تصفح دفاتر يومياتك ومُفكراتك القديمة، وانظر إلى ما قد كتبته عندما كنت معتادًا على الكتابة، عندما كنت تمارس الكتابة فيما مضى بشكل منتظم وحسن، أين كنت، وماذا كنت تفعل حينها، وكيف كان شعورك وقتها؟ فربما أنت تكتب بصورة أفضل عندما تكون يائسًا، بينما أنت الآن في غاية السعادة ولا يمكنك كتابة كلمة! ولربما كان العكس هو الصحيح، في كلتا الحالتين ندرك أن شيئًا ما سيتغير وأن هذا التغير هو الشيء الوحيد الذي يمكنك الرهان عليه.

10. انتسب لورشة عمل أو احضر مؤتمرًا للكتابة، ضع نفسك في مكان تتحدى فيه نفسك لتكتب وتفكر كما لو أنك كاتب. الانخراط مع مجموعة أسبوعيا بمقدوره مساعدتك في تنظيم وقتك وستنجز بعض الكتابة حينها، وكما توجد فائدة أخرى؛ الالتقاء بآخرين ممن يشاركونك نفس المخاوف والصعوبات.

قد يكون مؤتمر الكتابة قصيرًا لكنه مُكثف لدرجة تزويدك بقراءات يومية، محاضرات، نقاشات، ورش عمل. بمقدور مؤتمر جيد تقدمه مجموعة حيوية وخلاقة من المحاضرين والشعراء شحن مخزونك الفكري لسنة بأكملها. تصفح المجلات كمجلة “شعراء وكتاب” وجد الجدول الزمني لمواعيد المؤتمرات في أنحاء البلاد.

حسنًا، هذا هو برنامجنا. لا نضمن لك أن تكتب قصائد عظيمة، لكن ما نضمنه لك بأنك سوف تعاود الكتابة، حيث تبدأ كل قصيدة عظيمة. ولقد روت كارولين كاريز -الحاصلة على جائزة بوليتزر- قصة عن تلك القصائد التي تأتينا وحدها كهدية، والتي لا نتكلف أي عناء لكتابتها. كانت كاريز تقوم بكتابة قصيدة طويلة لأسابيع، دون أن تحرز أي تقدم فيها، وكانت تشعر بالإحباط والعجز، إلا أنها استمرت بالمحاولة حتى بعد شعورها بوجوب التخلي عنها. وذات صباح، جلست على مكتبها وأمام أعينها قصيدة لها، غير متجانسة وسيئة تمامًا، وفجأة باغتها الإلهام وكتبت قصيدة جيدة، أنجزتها بسرعة وعلى أتم وجه. وعللت ما حدث على هذا النحو؛ بأن الوحي راقب جُهدها وعزمها والتزامها لعدة أيام متتالية وقرر في النهاية وبغض النظر عن طيبة قلبها أن يمنحها قصيدة بالمجان، وبالطبع القصيدة ليست تمامًا بالمجان، فلقد عملت كارتز بجد لأجلها واستحقت أن تجني ثمار جهدها.

فالقصيدة شعور بالحرية ولكن يا له من شعور.

This entry was posted in نصائح الكتابة and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

One Response to أدونيزيو ولوكس: استعصاء الكتابة على الكاتب

  1. يوسف عزب جسن says:

    لماذا انتم مخلصون الي هذا الحد؟ يبدو الامر مربكا كثيرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *