جويس كارول أوتس: أنا وسيط شفاف في عملية الكتابة

ترجمة: لطفية الدليمي
أحببت الكتابة لأنها تتيح لي نقل تجاربي المدهشة الى الأخرين

أحببت الكتابة لأنها تتيح لي نقل تجاربي المدهشة الى الأخرين

هل ثمة من معلم ما ألهمك؟

 نعم خبرت في حياتي بضعة منهم و أولهم معلمتي الأولى التي كانت امرأة أمازونية ذات سمات بطولية فائقة و كانت تدير مدرسة من ذات الصف الواحد one – class school في نيويورك شمال بافالو وكان من المعتاد تلك الأيام أن تدير امرأة واحدة فقط المدرسة ذات الصف الواحد فكانت تنتبه الى الموقد الذي يحرق الخشب بقدر ما تنتبه الى ثمانية طلبة مختلفي الأعمار و الإمكانيات و الخلفيات الاجتماعية، و لهذا قلت عنها انها شخصية بطولية ضخمة الجسد ولا زلت أذكرها تماما. كان إنجازي المدرسي ممتازا وازدهرت كنبتة يمكن ان تنشأ في مساحة ضيقة جدا ببطء وصبر لكنها كانت ستدمر ذاتها لو غادرت خارج هذه المساحة المحمية.

 ذكرت ان والدك كان ذا سمات شبيهة بـ (ثوريو) . ماذا عن والديك معا؟ هل شجعاك بطريقة محددة؟

 ألهمني والداي بمثالهما المشترك، فقد نشأ الاثنان وسط ظروف الكساد العظيم وكان عليهما ان يتركا المدرسة والعمل لمساعدة عائلتيهما ولم يكن ثمة بديل عن هذا رغم انهما كانا ذكيين ولامعين وبخاصة والدي الذي كان له شغف عظيم بالكتب وحضر بعد تقاعده دروسا في جامعة بفالو في نيويورك، لذا ألهمني والداي – رغم أنهما لم ينالا أي تعليم رسمي – بقدرتهما على المرونة والحفاظ على روحيهما بمعنويات عالية غير قابلة للثلم وبشجاعتهما في مواجهة المصاعب. لن أتحدث كثيرا عن حياتهما الصعبة ولكنهما كانا من النوع الذي لا يقبل الهزيمة أبدا وقد رأيت كثيرين غيرهما ينهارون ويصابون باكتئاب شديد محبط فيلجؤون للكحوليات بسبب الضيق والمصاعب المالية الجمة، لكن والدي عملا كل ما يتوجب عمله بحياتهما فكان لهما أبلغ الأثر في حياتي اللاحقة.

أتخيلك الان صغيرة بميول إبداعية واضحة المعالم في حين ان والديك كانا مشغولين بالتزامات الحياة البراغماتية ومتطلبات المعيشة اليومية. هل كان ثمة متسع لروحك الإبداعية في المنزل؟ أ لم ينشأ في المنزل نوع من تصادم القيم الإبداعية والبراغماتية؟

لطالما كان لدي توق عظيم الى القراءة والكتابة، و لكن كان لي دور أؤديه في العائلة فقد كنت أقوم بالكثير من العمل في المنزل والمزرعة ولا زلت أذكر كيف كنت أستخدم الجزازة اليدوية تلك الأيام، لذا ليس بمقدوري القول انني كنت روحا حرة خالصة تحلق في عوالم الابداع.. كلا لم اكن هكذا، وكنت أسلك كأي فرد في عائلة تدير مزرعة، وكل ما كنت أحوزه آنذاك هو فسحة من خيال شخصي وفسحة من فضاء أتاحت لي التعامل مع خيالي الشخصي.

هل راودك شعور يوما ما بانك تختلفين عن الأطفال الاخرين؟

من الصعب ان نقارن أنفسنا بأخرين فكل منا له سماته الشخصية التي تختلف عن الاخرين. كنت أشعر بعض الأحيان أنني كائن حيادي الى حد أنني لا أملك شخصية ما خاصة بي، و ربما كان هذا ما يفسر جزئيا ميلي إلى الكتابة لأنها كما أرى عملية تنطوي على محاكاة فعل ما: أن تصف مثلا مشهدا يثيرك عاطفيا وتحاول نقله الى جعبة قارئ باستخدام لغة تثير فيه نفس الفيض العاطفي الذي اثارته فيك. وجدت دوما أنني أحب العالم الذي يحيط بي وأحببت الكتابة لأنها تتيح لي نقل تجاربي المدهشة الى الأخرين، ولا زلت أرى نفسي وسيطا محايدا أو شفافا في عملية الكتابة. لست أعلم تماما إذا كنت أرى نفسي مختلفة عن الاخرين وربما ليس لأي منا شخصية خاصة به ليقارنها بالاخرين وربما كان الناس يخترعون شخصيات مفترضة لأنفسهم في السياق الذي يجدون فيه انفسهم.

هل واجهتك معوقات كبيرة وانت ترسخين اسمك ككاتبة؟

أواجه معوقات صغيرة كل يوم في حياتي. لدي صديق كاتب في جامعة برينستون التي أعمل فيها يدعى (جون ماكفي) اعتاد على القول ان كل كاتب يصاب بما يشبه الانهيار العصبي الصغير في وقت ما من منتصف الصباح ولكنه مع هذا يمضي قدما. أستطيع أن أعلق على الرؤية الكامنة وراء قول صديقي الكاتب: أرى كل يوم في حياتي بمثابة صخرة هائلة يتوجب عليّ رفعها إلى أعلى التل، وبينما أرفعها قليلا كل يوم أراها ترتد عليَّ قليلا أيضا لكنني أستمر بدفعها كل يوم. لديَّ حساسية مطبوعة في ذهني تجاه الفشل لأي سبب محدد وبرغم ذلك اقتربت من الفشل مرات عدة وقد كتبت في هذا الكثير ولدي تعاطف شخصي عظيم مع هذه الموضوعة لانني أرى فعل الكتابة بمثابة حركة تجاه مكامن الاستنارة التي تتطلب قوة و أصالة.

هل مر عليك يوم شعرت فيه بالاستسلام؟

شعرت بهذه الرغبة مرات عدة ويصعب عليّ الحديث عن تجربة كهذه لان من العسير للغاية نقل عواطفك الى الآخرين في تلك الحالات. عندما يتكلم المرء بطريقة استرجاعية عن حادثة ما يبدو انه يدير دفة الأمور جيدا ولكنه في خضم الحادثة يبدو الأمر مختلفا تماما إذ ليس ثمة من تحكم ما في الأمر.

 تبدو موضوعات كتبك متباينة كثيرا وتتوزع على طيف واسع من الاهتمامات. هل تقومين بالكثير من البحث قبل كتابة أي كتاب؟ هل تجدين نفسك ميالة للبحث؟

أحب القيام بالكثير من البحث قبل الكتابة، لكن دعني أوضح: لو كنت أكتب مثلا قصة قصيرة مثل (المياه السوداء) التي كتبتها مدفوعة بحادثة اغتيال كنيدي عام 1969 سأكتب الرواية مباشرة لأنها مقيدة في حدود مائتي صفحة وأعتمد فيها على الذاكرة والعاطفة المثارتين بفعل حادثة الاغتيال، ويمكن لي لاحقا القيام ببحثٍ أو تدقيق لأن البحث الأولي سيكون تشتيتا للقدرة على الكتابة، لأن الكتابة في الأساس فعل مدفوع بدافع عاطفي، أما إذا كانت الرواية كبيرة الحجم فأقوم بعمل البحث بالتزامن مع كتابة الرواية.

كيف تصفين خطواتك في عملية لانتقال من الفكرة الأولية إلى المنتج المكتمل؟

ليس من وسيلة لتوصيف الخطوات في الانتقال من الفكرة غير المكتملة إلى ظهور العمل النهائي، وقد تستغرقنا العملية سنوات من الجهد. أن تكتب رواية يعني أن عناصر كثيرة تشترك في العمل مثلما تجد جداول فرعية طريقها لتصب في النهر وأنت في النهاية ترى النهر كلا متجانسا ولكنك لا تشعر أنه تكوَّن من عدد غير معلوم من الجداول الفرعية. أجد من الصعوبة للغاية الحديث عن هكذا أمر أو ظاهرة شديدة التعقيد وأراها نوعا من الإعصار الضارب الذي يستعصي على أية توصيفات، ولو كانت لديَّ فكرة ما عن هذه الظاهرة فلن تكون كافية تماما وينبغي تعزيزها بشئ من اللاشعور أو بشيء من العاطفة المدعمة بحس درامي. سأقول لك شيئا لتوضيح ما أقصد بهذا: أردت يوما ما الكتابة عن شخص ما اتهم خطأ بجريمة ما، وربما سيقوده هذا الاتهام الى السجن، وأن أولاده يرون فيه إنسانا بريئا وهم على استعداد كامل لفدائه، وقد فكرت في الكتابة عن هكذا رواية لسنوات ولكن ما إن بدات في كتابة الرواية حتى وجدت أنها اتخذت مسارا اخر غير هذا الذي وصفت، وغدت مختلفة عنه تماما. أتذكر طبعا كيف ولدت فكرة الرواية وليس بالإمكان كتابة أية رواية بلا تفكر عميق في فكرتها الأساسية حتى لو اختلف المسار لاحقا عما كنت قد خططت له في البدء. هذه ديناميكية معقدة لا أفهم كيف تحصل .

 ما الذي تعدينه اللحظة الأكثر اثارة للدهشة في مهنتك؟

ربما لم تأت هذه اللحظة بعد ولست واثقة إن كانت ستأتي أم لا، فحياتي ذات طابع جواني ومستوحد، وأنا لا أولي اهتماما كبيرا للأشياء القابعة في العالم الخارجي من حولي. أكون في غاية السعادة عندما ننطلق انا وزوجي راكضين كل يوم وعندما أكون بين أحضان الطبيعة حيث اشعر بذلك السلام الشامل يغمرني ويملأ كياني، أنا شخص نشط لأبعد حد يمكن تصوره و يبدو أن فعالياتي الأيضية تكون في أنشط حالاتها عندما أعدو لا عندما أكون ساكنة. يمكنني القول إن افضل أوقاتي هي تلك التي أتفرد فيها مع نفسي أو عندما أكون مع زوجي في الطبيعة.

المصدر: جريدة المدى العراقية. 

This entry was posted in غير مصنف. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *