وليم زنسر: كيف تفتتح مقالتك (2)؟

ترجمة: رهام المطيري
النمط القصصي هو من أقدم وأكثر الطرق سحرا لجذب انتباه الشخص

النمط القصصي هو من أقدم وأكثر الطرق سحرا لجذب انتباه الشخص

بالحديث عن افتتاحيات الآخرين، هناك أنواع عديدة من الافتتاحيات التي لا أود أن أراها مجددًا. أحد هذه الأنواع هو عالم الآثار المستقبلي: “عندما يعثر أحد علماء الآثار في المستقبل على بقايا حضارتنا، ما الذي سيفعله بصندوق الموسيقى؟” مللت منه من الآن حتى وهو لم يصل بعد إلى ما يود قوله. كما مللت أيضا من ذلك الزائر القادم من المريخ: “لو هبط مخلوق من المريخ على سطح الأرض سيذهل لرؤية حشود البشر الهزيلين متمددين على الرمل لـشويّ جلودهم!” كللت كذلك من ذاك الحدث الساحر الذي صدف أنه سيحصل: “في يوم ما منذ وقت ليس ببعيد، كان صبي بأنف صغير يمشي مع كلبه تيري في حقل خارج باراموس، نيوجيرسي، عندما رأى شيئا يبدو وكأنه بالون يرتفع من الأرض. كما كللت من الافتتاحية التي تتساءل عن أوجه الشبه المشتركة: ” ما وجه الشبه بين جوزيف ستالين، دوجلاس ماكارثر، أكير كوروساوا، لودفيغ فيتغنشتاين، شروود أندرسون، خورخي لويس بورخيس؟ كلهم يحبون أفلام الغرب الأمريكية.” فلنتخلَّ عن هذه الأنواع من الافتتاحيات ونضفي على افتتاحياتنا دلالات أو تفاصيل جديدة بدلًا من ذلك.

خذ بعين الاعتبار افتتاحية جون ديدون في مقالتها “7000 رومين، 38 لوس آنجلوس”:

“يقع شارع 7000 رومين في الجزء المعروف لمعجبي ريموند شاندلر وداشييل هاميت، في الجانب السفلي من هوليوود، جنوب سانست بوليفارد، الحي ذو الطبقة المتوسطة حيث تقع الاستديوهات والمستودعات والمنازل ذات الطابق الواحد. ولأن استوديوهات باراماونت وكولومبيا وديزيلو وصامويل جولدوين تقع بالقرب من هذا المكان، فإن العديد من الأشخاص الذين يسكنون بالقرب من هنا لديهم علاقة جزئية بصناعة الأفلام. مثلا مرة عالجوا صور معجب أو عرفوا مدرم أظافر الفنانة جين هارلو. شارع 7000 رومين يبدو كإطار باهت لتصوير خارجي في فيلم، بناءٌ فاتح بتفاصيل من النمط الفني الحديث، ونوافذ ركِّب عليها شبك زجاجي، وعند المدخل على الدكة التي يعلوها الغبار، سجادة مطاطية مكتوب عليها “مرحبا”

الحقيقة أنَّ لا أحد مرحب به هنا، لأن شارع (7000 رومين) يعود إلى هاورد هيوز، والباب مغلق. أن يقع مركز هيوز للاتصالات هنا في ضوء الشمس الباهت في ريف هاميت تشاندلر هو واحد من تلك المواقف التي تثبت شكوك الشخص بأن الحياة بالفعل سيناريو، لأنه في وقتنا كانت إمبراطورية هيوز هي المجمَّع الصناعي الأول في العالم، حيث شملت بامتداد الأعوام على صناعة المكائن والشركات الأجنبية التابعة لنقل النفط وإنتاج البيرة وشركتي طيران واستثمارات عقارية طائلة، واستديو لصناعة الأفلام وصفقات صواريخ والكترونيات، كل هذا يدار من قبل رجل واحد أسلوب إدارته يشبه إلى حد كبير أسلوب الشخصية في فيلم “النوم الكبير”.

وكما حدث الأمر، فأنا أسكن مكانًا ليس ببعيد عن هذا الشارع، وأتعمّد المرور فيه بين حين وآخر بروح أعتقد أنها نفس الروح التي كان يتمتع بها الباحثون الأثريون عند زيارتهم لساحل كورني. أنا مهتمة بتراث هاورد هيوز..”

إن الذي يدفعنا لقراءة هذه المقالة – آملين أن نعرف لمحات خاطفة حول إدارة إمبراطورية هيوز – هو الجمع المطرد للمعلومات ذات الرونق والشاعرية الباهتة. إن معرفة مدرم أظافر هارلو هو بمثابة رابط ضئيل لذلك البهاء وسجادة “مرحبا” غير الحفية بالزوار ولبقايا العصر الذهبي لنافذات هوليوود قبل أن تغلق بذلك الزجاج ولحقبة كان عمالقة مثل ماير، ودي مايل وزانوك يسيطرون فيها على زمام الأمور. نريد أن نعرف أكثر.. لذلك نستمر بقراءة المقالة.

هناك طريقة أخرى لبدء المقالة وذلك عن طريق رواية حكاية كافتتاحية. وهذه الطريقة سهلة وواضحة وبسيطة جدا لدرجة أننا غالبا ما ننساها. ولكن الحقيقة أنَّ النمط القصصي هو من أقدم وأكثر الطرق سحرا لجذب انتباه الشخص، فالكل يرغب أن تُروى عليه قصة. دائما ابحث عن طرق لنقل معلوماتك بشكل قصصي. ما سأقتبسه الآن هو افتتاحية إدموند ويلسون عن حديثه عن اكتشاف مخطوطات البحر الميت، واحدة من أكثر بقايا العصور القديمة والتي اكتشفت في العصر الحديث إدهاشا. لم يضيع ويلسون الكثير من الوقت لتهيئة الجو لنقل معلومته، فهذا ليس الشكل التقليدي الذي يستخدمه الكاتب الغر حيث تبدأ رحلة الصيد برنين جرس ساعة المنبه قبل طلوع النهار. على العكس ويلسون بدأ على الفور، ومباشرة استرعى انتباه القارئ.

” في أحد أيام أوائل ربيع ١٩٤٧ كان صبي بدوي يدعى محمد الذئب يرعى مِعازه بالقرب من جرف على الشاطئ الغربي للبحر الميت. صعد محمد لأعلى الجرف لاحقا بإحدى المعاز التي ضلت الطريق عندما لاحظ وجود كهف لم يره من قبل، فقام برمي حجر بداخله. شعر الصبي بالذعر عندما سمع صوت ارتطام في الداخل فهرب، لكنه عاد لاحقا برفقة صبي آخر ومعا دخلا الكهف لاكتشاف ما بداخله. هناك وجدا جرارٍ فخارية طويلة، بعضها مُحَطَّم. عندما رفعا غطاء أحدها انبعثت رائحة كريهة من قطع مستطيلة الشكل وجدوها في داخل كل الجرار. عندما أخرجا هذه القطع للخارج، لاحظا أنهما مُغطيين بطبقة سوداء تبدو وكأنها القار أو الشمع. عندما قاما بمد اللفائف وجدا فيها مخطوطات منقوش عليها بأعمدة متوازية على ورق رقيق، وقد تمت خياطتها ببعضها البعض. رغم أن هذه المخطوطات بهت لونها وتجعدت بعض زواياها إلا أن نقوشها كانت بشكل عام واضحة. لاحظ محمد ورفيقه أن النقوش ليست مكتوبة بأحرف عربية. تعجبا من تلك المخطوطات وقرّرا الاحتفاظ بها وأصبحا يحملانها معهما أينما ذهبا.

هذان الصبيان البدويان كانا ضمن مجموعة من المهرِّبين الذين اعتادوا على تهريب الماعز والبضائع من إمارة شرق الأردن إلى فلسطين. وكانوا قد استداروا بعيدا جدا عن الجنوب وتركوا أمتعتهم تطفوا في جدول الماء لتفادي الجسر الأردني الذي يحرسه موظفو الجمارك بالأسلحة. وكانوا الآن في طريقهم إلى بيت لحم لبيع بضائعهم في السوق السوداء.”

مع ذلك لا يمكن أن توجد قواعد ثابتة وراسخة لكيفية كتابة الافتتاحية. ولكن ضمن القاعدة العامة بألّا تترك القارئ يفلت من بين يديك. يجب على كل الكتاب تناول مواضيعهم بالأسلوب الذي يناسبهم ويناسب ما يكتبون. فأحيانا تستطيع أن تروي قصتك كلها في السطر الأول.

فيما يلي السطور الافتتاحية الأولى لسبع أعمال “لا – قصصية” بارزة:

الكتاب المقدس. “في البدء خلق الله السماوات والأرض.”

تاريخ الشعوب الناطقة بالإنجليزية، تشرشل “في صيف ٦٩٩ وفقا للتقويم الروماني والذي يعرف الآن بالعام ٥٥ قبل ميلاد المسيح، صوّب حاكم الغال، ثيوليوس قيصر بصره نحو بريطانيا.”

متعة الطبخ، إرما رومبوار.” ركب قطع الأحجية مع بعضها البعض وستجد الحليب والجبنة والبيض واللحم والسمك والبقول والحبوب والخضار والفواكه، الأطعمة التي تحتوي احتياجاتنا الأساسية اليومية.”

الترعرع في غينيا، مارجرت ميد. “بالنسبة لسكان مانوس الأصليون فإن العالم يبدو من قريتهم الواقعة قرب الهور المنبسط حيث تقف المنازل على ركائز كأنها أرجل طيور طويلة ساكنة لا يعكر صفوها المد المتقلب كطبق كبير للغاية، مقوس للأعلى من جميع الجهات.”

اللغز الأنثوي، بيتي فريدان. “لعدة سنوات كمنت المشكلة في عقول النساء الأمريكيات مدفونة وخفية.”

الأشياء الحقة، توم وولف. “خلال ٥ أو ١٠ دقائق ليس أكثر، ٣ أو ٥ أشخاص اتصلوا عليها ليسألوها إذا ما كانت قد سمعت شيئا ما في الخارج.”

العناية بالطفل، بنجامين سبوك. “أنت تعرف أكثر مما تظن.”

يتبع.. 

This entry was posted in كيف تكتب؟ and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *