ستيفن كوتش: الموهبة والنّداء

ترجمة: جهاد الشبيني
ستُهدر موهبتك ما لم يدعمها ويقويها هذا الشيء المزعج الحاد المحير المسمى هوس

ستُهدر موهبتك ما لم يدعمها ويقويها هذا الشيء المزعج الحاد المحير المسمى هوس

يجب أن يكون لديك كمية معينة من الموهبة حتى تبدأ؛ الكمية التي لا غنى عنها. في كثير من الأحيان، تظهر الموهبة الأدبية ضخمة ومبهرة، كما هو الحال بالنسبة لـ”تولستوي” و”بروست” و”ديكنز”، مقارنة بأولئك الذي تبدو موهبتهم الكبيرة ضئيلة.

مع هذا، بُنيت العديد من الوظائف الجيدة، ومن بينها المشهورة، على الاستفادة القصوى من المواهب ذات الصلة، وسواء كانت تلك الموهبة متواضعة أو عظيمة، يجب أن تكون لديك بعض الموهبة؛ من الممكن أن تكون مختفية ومن الممكن ألا تكون قد تطورت، ومن الممكن أن تكون مُهمَلة، إلا أنها يجب أن تكون موجودة.

ما هي الموهبة الأدبية؟ الخفة والرشاقة. امتلاك أسلوب في التعامل مع الكلمات. امتلاك مخيلة يسهل إثارتها. السرعة في رؤية الأمور وسماعها والشعور بها. أذن تستمع إلى موسيقى اللغة والميل للاستغراق في الحركات الغامضة، بما في ذلك تميزها وصوتها. حس بالجمهور. مهارة تنظيم الدلالات الشفهية على نحو متين وفعّال وسريع إلى حد ما. المؤهلات التي تمكنك من التقاط النماذج والأشكال المضللة لمخيلة متقدة، والبراعة في تحديدهم على ورقة.

لا يكفي. قال جيمس بالدوين إن “الموهبة أمر جزئي”، مضيفًا: “أعرف كثيرًا من المواهب التي تدمرت، وراء الموهبة تقع كل الكلمات المعتادة: الالتزام، الحب، الحظ، ولكن أهمها هو التحمل”.

ذكر جراهام جرين أمرًا مشابهًا جدًا، ولكن بأسلوب أقل حدة: “الموهبة، حتى مع درجة عالية من التنظيم، لا يمكنها أن تضمن إنجازًا؛ فيمنح الشغف المتحكم في المسألة وحدة النظام لرف من الروايات”.

ستُهدر موهبتك ما لم يدعمها ويقويها هذا الشيء المزعج الحاد المحير المسمى هوس؛ تلك الحصى في حذاء تكوينك المعروفة بـ” النداء الباطني”.

يمكن أن تطلق عليه دأب أحمق، يمكنك أن تطلق عليه شغف، يمكنك أن تطلق عليه حريق في المعدة أو جنون الفن، إنه ليس القدرة على الكتابة بقدر ما هو الإصرار على الكتابة. إنه الشيء الذي جعل آن فرانك تكتب في تلك الغرفة فوق السطوح، وجعل إديث هاريتون تفتح خطابات القبول الأولى (جاء 3 منها في مرة واحدة) في الصباح وتصعد وتنزل بحماسة سلالم منزلها في نيويورك “دون إحساس وباستمرار” فقط لتهدأ، وجعل بروست يقرر أنه يفضل كتابة روايته عن الحياة. هؤلاء الأشخاص كانوا مدفوعين. وفي طريقك الخاص، يجب أن تكون أنت أيضًا مدفوعًا.

النداء هوسي. العديد من الكتاب- أشخاص لطفاء، بعضهم- يتمادون فيستخدمون كلمة وحشي. النداء الأدبي لا يسهل تعريفه مثل الموهبة، ولكن إغفاله أمر صعب.

قالت كاثرين آن بورتر: “شددت الرحال، بدون شيء في العالم سوى نوع من الشغف، رغبة تقود، لا أعرف من أين جاءت، ولا أعرف لماذا، أو لماذا كنت ومازلت عنيدة بشأنها للدرجة التي لا يمكن لأي شيء أن يصرفني عنها، لكن هذا الشيء بيني وبين كتابتي هو العلاقة الأقوى التي حظيت بها على الإطلاق؛ أقوى من أية علاقة أو رابط مع أي كائن حي أو مع أي عمل آخر قمت به”.

يصف جون إيرفنغ الأمر بأنه حاجة جسدية: “أشعر بالالتزام حين يتعلق الأمر بالكتابة، أحتاج أن أكتب بنفس الطريقة التي أحتاج بها أن أنام وأؤدي التمارين الرياضية وأتناول الطعام وأمارس الجنس، أستطيع أن أعيش بدونها لفترة، لكنني أحتاجها بعد ذلك”. نحن لا نتحدث هنا عن “قوة الإرادة” أو “الالتزام”.

نحن نتحدث عما لا يمكنك إيقاف نفسك عن القيام به. كما تلاحظ بيتسي ليرنر: “أؤكد لك، لن تجعل نفسك تكتب أبدًا. عندما يقول الكُتّاب أن ليس لديهم خيار، ما يعنونه هو: كل شيء في العالم تآمر لصرفي عن الأمر، ولكنني أستمر.. مهما كان العمل عذابًا أو العالم قاس، طالما استمر الصوت في النداء وبقي التوق، يجب أن تطيل النظر بقوة إلى كل الكتابات التي ظللت تحاول القيام بها طوال حياتك وتلتزم بها”.

أغلب ندّاءات الكتابة تعلن عن نفسها في وقت مبكر. لم يكتشف جون دوس باسوس نداءه للكتابة إلا بعد إتمام دراسته، لكن ترومان كابوتي شعر بهوس الكتابة نحو سن الحادية عشر، ويليام ستايرون في الثالثة عشر، بينما كانت سوزان سونتاغ في التاسعة من عمرها عندما شعرت بنداء الكتابة، رغم أنها لم تنشر كتابها الأول حتى وصلت إلى الثانية والأربعين، وكانت بي دي جيمس تعلم منذ الأزل أنها أرادت أن تكتب، إذ تقول: “أعتقد أنني ولدت عالمة بالأمر، أعتقد أن الكتابة كانت ما أردت القيام به، تقريبًا فور معرفتي بماهية الكتاب”.

يقول روبرت ستون: “كنت متقوقعًا، شكّلت الإذاعة مخيلتي، إذ يعطي السرد الإذاعي أهمية كلية للحركة والمشهد، بدأت أقوم بذلك كله بنفسي، عندما كنت في سن السابعة أو الثامنة، كنت أمشي في سنترال بارك مثل سام سبايد، أصف ما كنت أفعله، كنت كلًا من الممثل والكاتب الذي يهيء الممثل ليكون في المشهد، وكان هذا هو الوقت الذي طورت فيه أذني الداخلية”.

بالمثل، تتذكر بي دي جيمس تغيير حياتها في الشباب إلى نثر عقلي: “قمت بشيء كان كتاب آخرون قد أخبروني أنهم فعلوه وهم أطفال: وصفت نفسي بيني وبين نفسي بصيغة الغائب: مشطت شعرها وغسلت وجهها، ثم ارتدت منامتها.. كما لو كنت أقف خارج نفسي وأراقبها”.

يتحدث أنتوني ترولوب في سيرته الذاتية عن كيف، كطفل وحيد- كانت والدته نفسها كاتبة مميزة- قضى الأسابيع والشهور مع الخيال، في دور البطولة، “ينفذ قواعد محددة”، مبتكرًا مغامراته الخاصة. حافظ ترولوب وهو طفل على مساحته من أحلام اليقظة وأبقاهم سرًا، ولكنه في النهاية تعلم في أرض أحلامه الخاصة، إذ يقول: “تعلمت بهذه الطريقة الحفاظ على اهتمام بالقصة الخيالية، الإسهاب في عمل صنعته بمخيلتي الخاصة، والحياة في عالم خارج عالم حياتي الأساسية بالكامل”.

العلامة الأكيدة لنداء الأدب هو استمراريته. اعتدت أن ألتقي بطلبة قدامى لديهم سر يُشعِرهم بالذنب يفضون به؛ واجهوا العالم الحقيقي، التحقوا بكلية الحقوق وبكلية التجارة، متزوجون الآن، لديهم أطفال ومسؤوليات، يوجد أشخاص بحاجة إليهم، ثمة وظيفة رائعة جاءت في طريقهم وتأكلهم أحياء، وبينما أكون على وشك أن أهنئهم على حياتهم الجديرة بالاحترام التي يبدو أنهم يعيشونها، يُطلعونني على الأخبار “السيئة”، يقولون: “أنا.. آآآ… لم أعد أكتب كثيرًا، أعني أنني حاولت لفترة، لكن مع كافة الضغوطات الأخرى…” ثم ينظرون إلى الأرض، يحمرون خجلًا، يتلعثمون من الخزي.

الخزي؟ لماذا الخزي؟ بالنسبة إلى شخص يكتشف أن ليس لديه أو لديها “نداء للكتابة”، يمكن أن أمرًا جيدًا. حسنًا، ربما يجب وضع بعض الأحلام الرومانسية القديمة على الرف، لكن ضع في اعتبارك العكس: ضع في اعتبارك استهلاك حياتك ومعاناة لسنوات في مهنة غير مناسبة لك؛ راتبها أقل مما ينبغي، وصعبة بدرجة مستحيلة.

التحق إيثان كانين بكلية الطب، والتحق سكوت تورو درس بكلية الحقوق، ونداء العمل ككتاب ظل سليما وعامرًا، بين الأحياء والكيمياء العضوية والأطباء؛ مهدرة قيمتها بالشهود والجنح وممارسة القانون.

في هذه الأثناء، في قاعة المحاضرة، على بعد 3 مقاعد، جلس شخص آخر مفعمًا بالأمل مندهشًا من اكتشافه نفسه أو نفسها، مستغرقًا كليًّا في الطب أو في القانون وناسيًا تمامًا الخيالات القديمة. هذا أيضًا يمكن أن يعني اكتشاف نفسك.

تبدأ لوري مور قصتها القصيرة الشهيرة “كيف تصبح كاتبًا” بهذه التوصية الفظة: “أولًا، حاول أن تكون شيئًا آخر، أي شيء”. على الرغم من أن النداء، مثل الموهبة، يمكن أن يتضرر، فإن من الأصعب تدميره”. تقول مور: “مازلت أفكر، ينبغي أن تصبح كاتبًا؛ فقط إذا لم يكن لديك خيار، الكتابة يجب أن تكون هوسًا- إنها فقط لأولئك الذين يقولون: لن أفعل شيئًا آخر”.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *