بيل رورباك: لحظة البدء

ترجمة: نورة آل طالب
لِماذا يشق علينا الجلوس للكتابة؟ أحد الأسباب هي التوقعات الكبيرة.

لِماذا يشق علينا الجلوس للكتابة؟ أحد الأسباب هي التوقعات الكبيرة.

“أنا بلا ريب [ لا أستمتع بالكتابة ].
يغمرني شعور دافئ حينما أحسن صنعًا،
غير أن تلك البهجة يبددها ألم البدء كل يوم.
لنواجه الأمر،
الكتابة جحيم”.

ويليام ستايرون  ​

لِماذا يشق علينا الجلوس للكتابة؟ أحد الأسباب هي التوقعات الكبيرة. تمتاز معلمتنا المفضلة لمادة اللغة الإنجليزية في الثانوية، جانيت بيلويذر، بجلّدها اللامتناهي على العمل واهتمامها الكبير بمسؤلياتها، ولكنها تتوقع من نفسها التفوق الفوري. وكان صديقنا غاو فاريس يظن أنه سيستخدم نوعًا جديدًا من الكتابة وسيكتب في موضوع جديد كليًّا (حياته الخاصة) وسينجز ذلك على أكمل وجه منذ محاولته الأولى.

وفي المقابل، لم تكن مايندي مالو دالميشن ترى أن حياتها ستثير اهتمام أي أحد عدا معالجها، وحتى معالجها كان يغشاه النعاس أثناء حديثها (مثلما قالت لنا مايندي في صفنا بكلية كولبي). وثمة أمر آخر: الأمور التي كانت تريد الحديث عنها؟ الأمور المعقدة الملتبسة؟ الأمور البغيضة نوعًا ما؟ لم تكن في الحقيقة والواقع تريد الحديث عنها.

التفوق اليسير والفوري ليس إلا أوهامًا ينسجها الكتاب الناجحون في أذهانهم، أوهامًا تجعل من الصعب على جانيت بيلويذر أو غاو فاريس (أو ربما أنت) التصديق بأن كتابهم المفضلين (أو كتابك المفضلين) مروا بأي من الصراعات التي تظاهرت جانيت بعدم مقاساتها أو بالنزال المباغت التي أغضب فاريس. وفكرة أننا لسنا مثيرين للاهتمام وأنه لا يُستبعد أبدًا أن يسخر الناس من السأم الذي تبعثه كتاباتنا (في حين أننا نخفي في الوقت ذاته أهم ما يمكن أن يقال من باب الخجل والاحتراز) تقود إلى  إنعدام الثقة، ذلك النوع من إنعدام الثقة الذي تصدت له مايندي بهجومها المتواصل على الثقافة الأمريكية، ونكاتها، الكثير من النكات المضحكة بالفعل، واعتراضها المتحفظ والغاضب أحيانًا على الغوص فيما هو أعمق من المظهر الساخر للأشياء.

ومما يزيد الأمر سوءًا هو استحواذ الخرافة القديمة للموهبة على عقول الأزواج والأصدقاء والآباء (وبالتأكيد نحن): إما أنك تمتلك الموهبة أو لا، ولا جدوى من بذل الجهد إن لم تكن محاولاتك الأولى في مستوى كتابات شكسبير أو كتابات آني ديلارد أو ماري كار أو فرانك ماكورت أو أوغستين بوروز.

إن ما نفتقده غالبًا هو الرأفة: الرأفة بالروح البائسة التي تتجه للكتابة بعد يوم طويل من العمل غير المرضي؛ الرأفة بالروح الخلاقة التي لا يغمض لها جفن حتى تكتمل القصة مهما كانت الملهيات؛ الرأفة بالروح المتعلمة أيضًا، الشخص الذي يجلس ويكتب ظانًا أنه يمتلك كل المهارات اللازمة ليكتشف أنه لا يزال هناك الكثير لتعلمه مثلما يفعل كل الكتّاب الرائعين؛ والرأفة، في النهاية، بنفسك، بك أنت أيها الكاتب النبيل.

التمرين: مكانٌ نظيف جيد الإضاءة

اسم هذا التمرين بالطبع مشتق من قصة إرنست همنغواي، ولكنني لا أقوى على تجاهل التفكير بفرجينيا وولف حينما أعطي هذا الفرض المتعلق بالرأفة، وبالفعل هو عن الرأفة بذاتك بوصفك متعلمًا وعن النظر في حاجات ذلك المتعلم.

في سلسلة محاضراتها وكتابها اللاحق A Room of One’s Own المنشور عام 1929، تشير فيرجينا وولف إلى الحقيقة البائسة بأن النساء كنّ (ولا زلن) يجدن مشقة في العثور على مكان للتأمل وإتمام أعمالهن الخاصة، بعيدًا عن واجبات الأم والزوجة ومدبرة المنزل (واليوم يضاف إلى ذلك ساعات العمل الكاملة، والعناية بكبار السن، ونيل الشهادات العليا في سن متأخرة، والهاتف النقال وحسابات البريد الإلكتروني).

الفكرة هنا – سواء كنت رجلاً أو إمرأة – هي أن تجلس وتؤمن لنفسك بيئة مناسبة للكتابة على ألا تكون جميلة للغاية لكيلا يشتتك جمال المنظر وألا تكون متقشفة للغاية مخافة أن تتجنبها؛ إنما مكان ترجو فيه عدم انقطاعك عن الكتابة.

كنت في منزلي أكتب في غرفة صغيرة بالعلية (حارة في الصيف لكن لا بأس)، وبها نافذة واحدة تطل على كروم العنب وصينية إطعام الطيور، وشجرة البيسة، والليلك، وشجرة الطمراق، والسقيفة وحبل الغسيل. آلت هذه الغرفة الآن إلى ابنتي إليسا المولودة عام 2000، وهي السنة التي حولتُ فيها كوخ سكر قديم إلى أستوديو. أحب أن أكون في الخارج بعيدًا عن المنزل لأستشعر متعة السير إلى عملي في الصباح، حتى لو كانت المسافة لا تتجاوز مئة قدم. ومكتبي ببساطة عبارة عن باب عتيق موضوع على خزانتين بدرجين، وكرسي جيد لألم ظهري، ومصباح قديم، ورفوف على طول الجدار، وحاسوب محمول مُغيظ. والكثير من الخردة كذلك: قواقع، عملات معدنية، رزم من المخطوطات القديمة، شيكات ملغاة، أكوام من الرسائل، أقراص مضغوطة، خرائط، طوابع بريدية غريبة، أوراقًا لكعكة الحظ كتبتها لنفسي، كيس نوم لقيلولتي، موقد حطب لمقاومة برد الشتاء، آلة حاسبة، مقص، مذكرات  (فارغة وممتلئة). (يحوي كتابي Temple Streamعلى قصة بناء تلك الجنة الصغيرة، إلى جانب قصة ولادة إبنتي). والآن حتى ذلك المأوى أستبدله في أحيانٍ كثيرة بالمنضدة التابعة في مكتبي في أي عمل جديد أو بذراع كرسيّ في غرفة إنتظار بمشفى أو بطاولة القهوة في منزل أحد الأصدقاء الواقع على الطريق أو حتى بصخرة ملساء في جُرفٍ دافئ.

وإن تعذر عليك تهيئة مكان لك، كن مثل زعيم قبيلة لاكوتا، “الحصان الجامح” الذي يقول “هذا مأواي” أينما حل، حتى وهو في سجنه.

قل بصوتٍ عال: “هذا مكتبي!” بسِّط الأمور ولا تعقدها كي تضمن عدم انقطاعك.

يتبادر إلى ذهني ماريو بوزو، الذي انتابته الحماسة بعد نجاح روايته The Godfather فقرر أن يُنشئ لنفسه مكتبًا جميلاً خلف منزله؛ غرفة كبيرة ومضيئة ذات منضدتين كبيرتين وكل ما يمكن أن يحتاجه الكاتب. المشكلة أنه لم يتمكن من الكتابة هناك وما لبث أن عاد إلى منضدة المطبخ وسط ضجيج أبناءه ليعود أخيرًا إلى الكتابة.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *