إليزابيث بوين: الشخصيات لا تُخلق، بل يُعثر عليها

ترجمة: بثينة العيسى
لا يمكن للمرء أن "يصنع" شخوصًا، وحدها الدمى يمكن أن تُصنع.

لا يمكن للمرء أن “يصنع” شخوصًا، وحدها الدمى يمكن أن تُصنع.

هل يتمّ بناء الشخصيات بناءً على معادلة، وتكون هذه المعادلة مقرّرة سلفًا بحسب الحبكة؟ هل يتمُّ استلال الشخصيات، تقطيعهم، دمجهم، وصلهم، لأجل التلاعب بهم لصالح الحبكة؟

لا. ما مِن شكٍ بشأن صحة هذا الأمر أو خطأه، فهو مستحيل.

لا يمكن للمرء أن “يصنع” شخوصًا، وحدها الدمى يمكن أن تُصنع.

التلاعب بحركة الدمى ليس بالضرورة هو “الفعل” الضروري للحبكة. الفعل الذي لا يُعبِّر عن الشخصية ليس فعلًا بأي شكل، بحسب منطق الحبكة.

إنّ الفعل غير القابل للتجزئة، من قِبل فاعِله، وحتمية أن يصدر هذا الفعل من ذلك الفاعل بعينه، هو ما يجعل الفعل قابلًا للحدوث. ومن دون ذلك، سيكون الفعل من دون دافع، أو سبب.

فعلٌ بلا دافع، بلا سبب، سوف يعطّل الحبكة. إن مصطلح “خلق الشخصيات” مضلّل. الشخصيات توجد بشكلٍ مسبق، لا يتمُّ خلقها بل العثور عليها. إنها تكشف نفسها ببطء في وعي الروائي؛ مثل رفاق مسافرين يجلسون متقابلين في مقصورة قطارٍ خافتة الإضاءة.

إنَّ وعي الروائي بشخصياته يأخذ مكانه في سياق الكتابة الفعلية للرواية. وإلى حدٍ ما، يقف الروائي في نفس مكان قارئه، لولا أن تصوّراته تكون متقدّمة [عليه] قليلًا.

الطريقة المثلى لعرض شخصية هي في دعوة الإدراك.

في أيّ شيءٍ توجد الشخصيات بشكلٍ مسبق؟ سأقول؛ في كتلة المادة التي تراكمت قبل أن تبدأ الرواية (راجع الحبكة).

ملاحظة: فيما يخص سؤال الغريب غير القابل للإجابة “هل الشخصيات في روايتك مخترعة، أم موجودة في الواقع؟”. كما هو واضح؛ كلاهما غير صحيح. مفهوم الغريب والروائي عن “الواقع” منفصلان تمامًا.

إذن كيف يمكن للشخصية الموجودة بشكلٍ مسبق، بأفعالها الذاتية، وتناقضاتها، أن تلعب دورًا مقرّرًا بشكل مسبق؟ فيما يتعلق بالشخصية، أو الشخصيات، بعد أن يتمّ التبصّر بهم تمامًا، سوف تبدو الحبكة مثل شيءٍ اعتباطي، وجامد.

ماذا عن المقولة التي تنصّ على أن “كل شخصية تخلق لسببٍ واحد، وهو أن تقوم بالفعل المطلوب، داخل الحبكة”؟

في البدء، تخلّص من “تُخلق”. الأفضل أن نقول بأنَّ الشخصية تُعرَف (من قبل الروائي) بتلك الإشارات التي تعطيها بشأن قدرتها الخاصّة على التصرّف بشكلٍ محدّد، ذلك “الشكل المحدّد” يفي بما تطلبه الحبكة. توجد الشخصية في الرواية لأجل القيام بالفعل الذي تساهم به داخل الحبكة. هذا صحيح، ولكنها توجد أيضًا خارج الفعل الذي تساهم به في الحبكة. من دون وجود الشخصية خارج الفعل (بشكل محدود بالضرورة)، سيكون الفعل بذاته غير صالح.

الفعل هو تبسيط التعقيد، لصالح القصة. في مقابل كلّ فعل، يوجد عدد مجهول من البدائل المرفوضة. إنَّ الوجود الواضح لتلك البدائل المرفوضة هو ما يمنح الفعل أهمّيته. وبناء عليه، في كل شخصية تؤدّي فعلًا، فإنّ الشدَّ والجذب لتلك البدائل ينبغي أن يُستشعر. تصبح الشخصية قابلة للتصديق بالنسبة للقارئ عندما يرى قدرته على القيام بتلك البدائل.

تقريبًا، ينبغي ألا يكون تصرّف الشخصية قابلا للتنبؤ قبل ظهوره، وأن يكون حتميًا عند ظهوره. في نصف الرواية الأوّل، عدم القدرة على التنبؤ يجب أن يكون لافتًا. في النصف الثاني، يجب أن تكون حتمية الفعل هي الأكثر بروزًا.

(أهم الاستثناءات على ذلك هي الروايات الخالدة؛ الحرب والسلام (تولستوي)، التعليم الوجداني (فلوبير)، البحث عن الزمن الضائع (بروست)، حيث العجز عن التنبؤ يهيمن حتى النهاية).

إنَّ أهمية الشخصيات في الرواية (المقرّرة مسبقًا من قبل الحبكة)، تقرّر مجال البدائل المتاح لكل شخصية. ينبغي على الروائي أن يخصصّ، لدرجة التقنين، المساحة السيكولوجية. كلٌ من البطل والخصم (إن وجد)، بالاتفاق، قد منحا المجال الأكبر. يحقُّ لهما، بغرض عرض بدائلهما، الوقت والمساحة.

لو قمنا بترتيب الشخصيات بحسب أهميتها للحبكة، تنازليًا، سوف نرى أن عدد البدائل في تناقص. الشخصية التي أسماها إي. أم. فوستر “الشخصية المسطّحة” ليس لها بدائل على الإطلاق.

الرواية المثالية تكون من دون شخصيات مسطّحة.

يجب على الشخصيات أن تتجسّد. بمعنى، أن تكون لها حقيقة فيزيائية واضحة. يجب ألا تكون قابلة للرؤية (والتصوّر) فحسب، بل أن تُحَس. القدرة على إعطاء الحقيقة المادية، تعتمد على الطبيعة أو القابلية الحسيّة للروائي.

الرواية المثالية تكون من دون شخصيات مسطّحة.

الرواية المثالية تكون من دون شخصيات مسطّحة.

الجانب الجسدي من الشخصية ينتمي إلى الفعل، ولا يمكن فصله عنه. يجب على الصور أن تكون في حالة حركة؛ الأعين، الأيدي، القامة.. إلخ. كلها يجب أن تظهر، وأن تظهر فقط، وهي تؤدي دورها. ردود الفعل هي جزء من الفعل – الحب، أو المقاطع الجنسية، هي مجرّد تطبيق واضح لهذه القاعدة العامة.

تجسُّد الشخصية (بالمعنى الوارد أعلاه) يجب أن يكون فوريًا للروائي. إنه يحدث. لا يمكن لأي جهدٍ في الإرادة، وأي جهد ذهني كما هو واضح، أن يقوم بتحفيزه.

يمكن للروائي أن يستخدم شخصية لم تتجسّد بعد. ولكنّ الشخصية غير المجسدة، تمثل مشكلة في تلك المنطقة التي لولاها لكانت نظيفة. وهذا لا يمكن أن يستمر طويلًا، إنه ينتج عثرة في الحبكة.

عندما يحدث التجسيد فعلًا، فإن الفصول التي كتبت قبل ذلك على الأرجح سوف تحتاج إلى إعادة صياغة. من وجهة نظر الحبكة، ستكون غير صالحة.

إضافة لذلك، من المهم للقارئ أن تبدأ الشخصية في التجسّد بشكلٍ مبكر. أقول “تبدأ”، لأن الأمر بالنسبة للقارئ يمكن أن يكون تدريجيًا.

هل يمكن أن يكون الفشل، أو قابلية الفشل، في تجسيد الشخصية هو ما يجعل الروائي الإنجليزي يعتمد كثيرًا على إشراك [القارئ] في التعاطف الوجداني مع الشخصيات؟ تخلّص من التعاطف. يجب على الرواية أن تحتوي، على الأقل، شخصية مغناطيسية واحدة. شخصية واحدة على الأقل، يجب أن تكون قادرة على النفاذ إلى القارئ، كما لو كان في حضرة شخص يحبّه.

هذا ليس قانونًا في فنّ المبيعات؛ إنه قانون لتحقيق الاهتمام الضروري بشكلٍ مسبق. يجب أن تفعل الشخصية في القارئ ما فعلته في الروائي  أن تجذبه مغناطيسيًا باتجاه إدراكاته، انطباعاته، ورغباته. الأمر المؤسف هو أن تنجح في الشخصية في جذب المؤلف، ولكنها تفشل في ذلك مع القارئ. يجب أن يكون هناك احتراق؛ حبكة تعتمد في حركتها على الاحتراق الداخلي.

جسديًا؛ الشخصيات غالبًا هي نسخ، أو نسخ مركبة. الخصائص، الإيماءات، وغيرها.. يُبحث عنها في، ويتم تركيبها من، ذاكرة الروائي. أو يمكن أخذها من رسمة، صورة فوتوغرافية، أو شاشة السينما.  لا شيء جسدي يمكن أن يُخترع. (الهيئة الجسدية المخترعة تصم الرواية بالدونية).

بروست (في المجلّد الأخير) يتحدّث عن تجميع الصفات هذا. رغم أنه يمكن أخذ الكثير من شخصٍ بعينه في “الحياة الواقعية”، إلا أنّه لا يوجد شخص، في “الحياة الواقعية” يستطيع تزويدك بكل ما هو ضروري “جسديًا” لشخصية الرواية. ما من شخصٍ يمكن أن يحظى بالدرجة نفسها من الكثافة الجسدية المطلوبة للشخصية.

عظمة الشخصيات هي المعيار لقياس العظمة اللاواعية لرؤية الروائي. الشخصيات صادقة بقدر ما يمتلئ الروائي بالحقيقة الشعرية. درجة مصداقيتهم تعبّر عن درجات تركيزه.

  • ترجمت بتصرّف.

This entry was posted in كيف تكتب؟. Bookmark the permalink.

2 Responses to إليزابيث بوين: الشخصيات لا تُخلق، بل يُعثر عليها

  1. همسة says:

    (يجب على الرواية أن تحتوي، على الأقل، شخصية مغناطيسية واحدة. شخصية واحدة على الأقل، يجب أن تكون قادرة على النفاذ إلى القارئ، كما لو كان في حضرة شخص يحبّه.)
    الله ماهذه الروعة..شكرا على الترجمة

  2. الترجمة ممتازة والنص مُلهِم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *