إبراهيم فرغلي: الكذبة السردية والحقيقة الروائية

كنت أظن أن الكتابة الصادقة هي نقل الواقع بأمانة! لكن النتائج لم تكن مرضية

كنت أظن أن الكتابة الصادقة هي نقل الواقع بأمانة! لكن النتائج لم تكن مرضية

الصديقات والأصدقاء الحضور الكريم،

مساء الخير ..

بداية يسعدني أن أتقدم بالشكر لجماعة تكوين على دعوتهم الكريمة، واسمحوا لي أغتنم الفرصة للتعبير عن سعادتي بنشاط هذا الكيان الواعي والمختلف والذي أتمنى أن يستمر في نجاحه لأنه قادر على إحداث فرق في المناخ الثقافي في الكويت.

طبعا بما أن عنوان هذه المحاضرة هو الكذبة السردية والحقيقة الروائية أحب أن أشارككم خبرتي ككذابٍ صغير في فترة الطفولة والمراهقة.. وهي أنني أخفقت تماما في أن أكون كذابا، لأنني كنت، وربما لا زلت، شخصا شديد الخجل، وحين أتعرض لموقف محرج سرعان ما يحمر وجهي، ولم يختلف شأن الكذب في هذا الأمر، فبمجرد أن أكذب ولو كذبة للمرح سرعان ما يشتعل وجهي، ويصيبني ذلك بالإحساس بأنني “اتكشفت”!.

وكطفل منعزل، أو يفضل العزلة، وخجول، توجهت مبكرا لكتابة المذكرات، لفهم هذا العالم الذي لا أجيد التواصل معه، ولفهم نفسي أيضا. وكنت أطمح في تلك المذكرات للكتابة بشفافية، لتحقيق الصدق مع نفسي لأكبر درجة ممكنة، وأعتقد أن تلك الخبرة أفادتني في محاولاتي لفهم ذاتي، وفهم العالم والناس. لكني حين بدأت أتجه للكتابة القصصية أدركت أن الكتابة بهذا المعنى تفقد القصص بريقها، حتى لو كانت القصة ذاتية. كنت أظن أن الكتابة الصادقة هي نقل الواقع بأمانة! لكن النتائج لم تكن مرضية، واكتشفت مع الخبرة والوقت، أن الكتابة القصصية تحتاج لمنهج آخر تماما، عن منطق البوح وكتابة المذكرات، تحتاج ربما لقليل من الكذب، ولاحقًا طبعا أدركت أن الكذب في السرد هو الخيال.

طبعا أخلاقيا.. معروف أن الكذب يعد في أغلب المجتمعات من النقائص، وحين نسم مجتمعات مثل المجتمعات العربية، فنحنُ نصفها غالبا بأنها مجتمعات منافقة أو كاذبة تعلن غير ما تبطن. كما نستحسن في سلوك المجتمعات الغربية صدقها مع نفسها ومع الآخرين، لارتباط الكذب بالخداع والرياء والنفاق.

2

وأظن أنه رغم تأثيم الكذب في كافة الأديان وعلى مستوى المرجعيات الثقافية المختلفة، لكن هناك رغبة فطرية ما توجه الأشخاص، وخصوصا الأطفال، تجاه الكذب. ليس فقط من أجل تجنب العقاب أو الخوف، لكن أحيانا من أجل التباهي ربما، أو لأن الأشخاص أصحاب الخيال الواسع يحبون إيهام الناس بغير الواقع. وأظن أن الطفولة بشكل خاص تحتاج إلى التوجيه والترشيد لتجنب الكذب، وإلا فإن الخيال والتباهي وغيره من الأسباب قد يجعل الطفل ميالا لممارسة الكذب.

ولعله لهذا السبب نجد مثلا أن البشرية في مرحلة طفولتها العقلية أو العقلانية لم تجد حلا لتفسير العالم إلا من خلال الأساطير. هذه العلاقة تشير إلى أن الأساطير التي ابتدعها الإنسان في العصور القديمة (في عصر الآلهة المتعددة، خاصة الأساطير الإغريقية) اختلقت لتفسير الكون، وبعض الظواهر الخارقة التي فسرها الناس آنذاك، لأنها تعود للآلهة، ومن هنا نشأت فكرة القصة الأسطورية أو المقدسة.

وتحولت الأساطير إلى نوع من العقيدة الدينية. خصوصا عند الإغريق، وهناك ملاحم أسطورية شهيرة مثل الأوديسا والإلياذة والعديد من الأساطير الأخرى.

ومع بداية ظهور الأديان السماوية، حدث في البداية نوع من التماهي بين القصص والتراث الأسطوري والنص المقدس كما هو شأنه في التوراة، لكن بعد شيوع العقيدة المسيحية بدأت الكنيسة، من أجل تثبيت سلطتها وسلطة الدين الجديد، في توجيه انتقادها للأساطير، لتخليصها من القداسة، ورغم ذلك ظل للأساطير سحرها الخاص وتأثيرها في انتشار الأدب الشعبي. ولكن الثابت هنا أن الكذب الفاضح والخيال الجامح للأساطير، ثم للحكايات الخرافية، كانت له سطوة كبيرة على الناس. ولا زالت حتى اليوم هناك قداسة لبعض الملاحم الأسطورية الشعبية في آسيا والهند بشكل خاص.

3

مع ظهور الرواية بشكلها المعاصر، كانت المجتمعات الغربية التي بدأ فيها هذا الجنس الأدبي تتجه إلى العقلانية، وتفسير كل شيء وفقا لمنطق عقلي، وبالتالي بدأت الرواية تحاول أن تقدم فهما للمجتمع. يعني ذلك أنَّ الرواية كانت محاولة لعقلنة المجتمع. بدأ نوع من التحول من الخرافة والخيال الجامح إلى رصد الحياة الاجتماعية للمدينة الجديدة.  وظهرت الاتجاهات الكلاسيكية السردية التي وسمت بالواقعية. ومع ذلك فإن هذه الروايات سرعان ما وجدت أن نقل الواقع لا يمكن أن يكون فنًا. حتى لو كانت تنقل تاريخا أو واقعة بعينها. كانت تحتاج إلى الخيال، أي إلى الاختلاق وإلى الكذبة السردية. خلال عصر التنوير، أصبح رد الفعل على الميثولوجيا سلبي في أنحاء أوروبا، لكنها ظلت مصدراً ملهما للدراميين.

أود هنا أن أقول إنني استلهمت عنوان هذه المحاضرة من كتاب بالغ الأهمية لكاتب ومفكر فرنسي اسمه “رينيه جيرارد”، أما كتابه فعنوانه “الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية”.

هذا المفكر الكبير له نظرية تعرف باسم “مثلث الرغبة” تقول إن رغبات البشر كلها ترتبط بمثلث يتكون من الراغب وموضوع الرغبة والوسيط، وأن العلاقة بين الثلاثة هي التي تحدث الصراع في العالم.

طبعا هو عالم أنثروبولوجي وله كتب عديدة مهمة منها أيضا “العنف والمقدس” الذي ترجم للعربية، لكنه في كتابه الخاص بالكذبة الرومانسية أراد ان يطبق فكرة مثلث الرغبة على شخصيات بعض أبرز الروايات العالمية، مثل دون كيخوته لثرفانتس، وروايات ستاندال وبروست وفلوبير ودوستويفسكي وغيرهم.

في الكتاب يقوم رينيه جيرار بإعادة اكتشاف مدى حقيقية رغبات أبطال الأعمال الأدبية، ويبدأ بواحد من أشهر شخصيات الأعمال الروائية وهو دون كيخوته (أو دون كيشوت). بطل أشهر الأعمال الأدبية في العالم دون كيخوته دي لا مانشا للكاتب الإسباني ثيرفانتس.

لمن لم يقرأ العمل تدور القصة في ما بعد العصور الوسطى، في زمن عرفت وانتشرت فيه أعمال الفروسية. وكان دون كيخوته رجلا نبيلا غريب الأطوار، يحب القراءة بشكل كبير، ويقرأ كثيرا في كتب الفروسية وقرر أن يصبح فارسًا مشّاءً. أي أن يخرج للشوارع والغابات يبحث عمن يتعرضون لأي أذى أو أخطار لينقذهم. وخرج بالفعل مستخدما إمكانياته الفقيرة وهي بغل، ووضع أحد أوعية المطبخ على رأسه، ومعه مساعده غريب الأطوار سانشو. ولكن المشكلة أن عقله كان ممتلأ بالضلالات. كان يرى تهيؤات لا يراها سواه. وأشهرها أنه تهيأ له أن ريش طاحونة الهواء هو خصوم لا بد له أن يواجههم بسيفه المكسور، بالإضافة إلى عدد كبير من المغامرات التي قام بها، وقدمها الكاتب بشكل كوميدي.

فلماذا أخفق دون كيخوته في أن يصبح فارسا؟ يرى جيرار أنه أخفق ليس لضعف إمكاناته بل لأنه خرج ليحقق رغبات شخص آخر. كان قد استلهم شخصيات الفرسان الحقيقيين وتمثلهم، ولكنه كان مجرد مقلد للآخرين، ولم تكن رغبته في الفروسية رغبة أصيلة. وحتى تابعه أو رفيق رحلته سانشو، والذي قد يبدو بالنسبة لكثير من القراء هو الشخص الواقعي مقابل الشخص الواهم دون كيخوته يرى أنه أيضا ضحية مثلث الرغبة، والوسيط فيها هو دون كيخوته نفسه، لأنه خرج معه مدفوعا بكونه مثلا ونموذجا يحتذيه.

ويرى جيرار أن إخفاقات الحب التي تتعرض لها مثلا إما بوفاري في رواية مدام بوفاري لها علاقة بهذا الأمر. أنها لم تكن تبحث عن جوهر الحب، بل عن قصص عاطفية ومغامرات تشبه ما قرأته في القصص الرومانسية. وترى أن حياتها في القرية لا تشبه ما تحلم به مما تقرأه في الصحف عن الحياة في باريس.

هاتان الحالتان يسميهما جيرار الكذبة الرومانسية. وهي قيام البشر بعمل أشياء مدفوعين بإرادة آخرين، ودور الكاتب الذي اختلق هذه القصص، أن يكشف الحقيقة خلف هذه الكذبات الرومانسية.

ويحيل التفسير بما يسميه مثلث الرغبة؛ وهو العلاقة بين الراغب وموضوع الرغبة والوسيط، ويتأمل هذه العلاقة في تناولاتها المختلفة في روايات أخرى لستاندال وبروست وغيرهما، موضحا أن الصراع هو النتيجة الحتمية لمثلث الرغبة.

4

وهذا هو بالضبط دور الرواية. أن تقدم الحقيقة، أن تكشف كذبات البشر ليس فقط على الآخرين، بل وأساسا على أنفسهم. لهذا سنرى مثلا كيف أن الكاتب الروسي العظيم دوستويفسكي كان بارعا في كشف الذات الإنسانية في مراحل كذبها على ذاتها بسبب قدرته على تصوير الصراعات النفسية المركبة للشخصيات والحيل النفسية التي قد يرتكبها الشخص ليعالج هذا الصراع.. عبر الأسئلة المتولدة من القصص الخيالية المختلقة.

فإذا كان الروائي كاذبا فلماذا تعيش كذبته؟ بل لماذا تصبح حقائق؟ وإلا فكيف يحيا راسلنيكوف، بطل الجريمة والعقاب لديستويفسكي، بيننا حتى اليوم بكل أفكاره وأفعاله؟ هل يمكن لأي مصري ألا يصدق في أن سي السيد الذي اخترع شخصيته نجيب محفوظ في الثلاثية لا يعيش بيننا؛ نموذجًا سلوكيًا أخلاقيًا على الذكورية والتناقض في حياتنا؟

لماذا تعيش مثل هذه الشخصيات إذا كانت لا تنسى؟ لأنها ابتدعت بمفهوم الكذب السردي بغية الوصول للحقيقة. وهذا هو الفارق بين أي كذب وبين الكذب السردي. الكذب في الحياة يتأسس على وهم، لذلك ينسى. ويقال دائما أن الكذاب ينسى كذباته، بينما الكذبة السردية لا تنسى لأنها تقوم على الوهم مثل الكذب اللاأخلاقي، بل تحقن بعناصر الخيال أو التخييل.

للأساطير سحرها الخاص وتأثيرها في انتشار الأدب الشعبي.

للأساطير سحرها الخاص وتأثيرها في انتشار الأدب الشعبي.

5

قد يخترع الكاتب كذبته السردية من محض الخيال. شخصيات مختلقة، أو كائنات لا وجود لها، لكنه يصنع منها وسيطا كاذبا يريد أن يصل به إلى حقيقة ما. أو أن يستحضر واقعة حقيقية ويخلق منها أكذوبة سردية، ليحاول بها أن يرى حقيقة الواقعة. مثلا رواية نجيب محفوظ “اللص والكلاب” بنيت على واقعة حقيقية، لكنه أعاد تخيلها، لكي يعيد تأمل الواقعة، ويجردها من وهم اعتبار البطل، سعيد مهران،  مجرما، والتأكد من كونه ليس إلا ضحية.

6

طبعا يأتي الكاتب الكبير جوزيه ساراماجو ليضع فكرة الكذب السردي في قمة اختبار موضوع الاختلاق من أجل الوصول إلى حقيقة ما.  لأنه يذهب إلى الواقع ويفترض فيه ما لا يمكن حدوثه؛ أن تصاب مدينة كاملة بالعمى في “العمى”، أو تطفو جزيرة منفصلة عن الأرض التي تنتمي لها في “الطوف الحجري”، ويحكم الكذب حتى يصنع من كذبته حقيقة روائية نرى بها الواقع في منتهى زيفه وتناقضه.

7

وقد يستند الكاتب إلى وقائع يومية حقيقة من الواقع، ينشرها باعتبارها جزءا من متن السرد كما فعل صنع الله إبراهيم في رواية “ذات” مثلا، فهو يضع في فصل كامل مجموعة من مانشيتات الصحف، والأخبار، عن أحداث سياسية ووقائع تحدث في المجتمع، يصورها من الصحف كما هي، ثم يتبعها بفصل تخييلي لبطلة العمل ليتأمل انعكاس هذه الوقائع اليومية في حياة “ذات”، وربما هنا يكون دور الرواية هو كشف أن الوقائع والتصريحات الصحفية قد تكون انعكاس لأحداث وقرارات سياسية تؤثر على البشر، أو تكون كذبات سياسية يمارسها الساسة في كل مكان، لا تمثل إلا الزيف. وفي انعكاس ذلك قد نرى إما تأثر الفرد بالزيف الواقع حوله وتحوله إلى شخص مزيف يرغب في التكيف مع المجتمع ويمتثل لرغبات الآخرين ويوهم نفسه أنها رغباته، أو أن يرينا كيف أن الفرد في حياته قد يكون أكثر صدقا مع ذاته مما تظهره الصحف من أحداث ووقائع ظاهرها الواقع أو الحقيقة لكنها ليست سوى زيف.

8

مع ذلك فعلينا أن ننتبه أن نقل الواقع كما هو وتسجيله بقدر ما يبدو واقعيا – ولهذا أطلق على تيار كامل من الرواية في أوربا أولا ثم في عالمنا العربي بأنها واقعية – فإن ما نجا منها وعاش هي الرواية التي أخذت من الواقع الرتوش واتكأت على مصادرها الفنية، الفلسفة أو الخيال المفرط أو مسرحة الواقع، أما النقل الحرفي من الواقع فهذا يضعف الرواية ويجعلها نوعا من التوثيق أو التسجيل وهذا ليس دور الرواية.

9

 بالنسبة لكتب الخيال العلمي سنجد أن هذا النوع من السرد يميل أكثر إلى اختراع كذبات سردية يتحقق الكثير منها في المستقبل، مثل رواية فرانكشتاين، الذي تنبأ بالاستنساخ. وهناك مخترعون لاختراعات عظيمة قدموها للإنسانية مثل المركبة الفضائية والغواصة والهواتف المحمولة قالوا أن أعمالا أدبية هي التي الهمتهم التفكير في اختراعها.

لكن الأدب المعاصر، أدب أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين له ملامح جديدة في البلاد المتطورة اقتصادياً ترجع إلى الثورة التكنولوجية، وتلك الملامح هي الميل إلى توثيق الوقائع عند الروائيين وكتاب المسرح، وتمتع أدب الخيال العلمي بشعبية هائلة، والاهتمام المتزايد بالتأمل الفكري في المسرح والشعر، والتفضيل الملحوظ في الأدب المعاصر لنغمة تدقيق تلغرافية وحتى لريبورتاج مختصر عن حقائق والابتعاد عن الإغراق في الخيال والاعتماد على مصادر وثائقية قابلة للبرهنة، لا على تعميم خيالي، وعلى نغمة صحافية مقيدة محكومة ذات مقدرة أكثر إقناعاً من لغة الاستعارة والمجاز. وقد رفض بيتر فايس الطرق التقليدية في كتابة الدراما وفضل أن يرى نفسه باعتباره مؤسس الدراما الوثائقية التي ترفض البناء الخيالي وتنقل إلى المسرح أحداثاً حقيقية من الماضي والحاضر في بناء «مونتاج» من قطع حقيقية منفصلة أي صورة مركبة، نموذج معمّم لعملية تاريخية

10

ولكني حين كنت أختبر هذه الفرضيات، عن الأكاذيب السردية في بحثها عن الحقيقة، في أثناء قراءتي لرواية “صلاة تشيرنوبل” للكاتبة الروسية ستيفلانا ألكسييفيتش الحاصلة على نوبل العام الماضي وجدت نفسي في مواجهة مباشرة مع السؤال: هل هذه رواية؟ أم أنها عمل تسجيلي؟ هل هي تحقيق صحفي مفنن؟ ماذا تقدم لي هنا؟ كذبة رومانسية؟ أم حقيقة روائية؟ واقع مأساوي حقيقي أم حقيقة روائية عن أكاذيب هذا الواقع.

ويمكنني القول أنها رغم الخلاف الكبير الذي تثيره حول نوعها، في تقديري تنتمي إلى الحقيقة الروائية ولكن بأسلوب مختلف تماما. فحين كتب محمد المخزنجي عن الواقعة في كتابه الجميل “لحظات غرق جزيرة الحوت”، كتبها من موقع الذات التي ترى الآخر وتعيش معه اللحظة الإنسانية، حيث كان يعيش آنذاك في مدينة كييف العاصمة الأوكرانية، على بعد 80 كيلومترا من موقع انفجار محطة الوقود النووي في تشيرنوبل. قدم شهادة فنية وقصصية عن الواقع بإحساسه، ومن خلال رؤيته، ومشاعره. وهو اختار أن يضع تصنيفا لهذا الكتاب ولهذا النوع من الكتابة أيضا أسماه الريبورتاج الأدبي، بوصفه مزيجا بين الأدب والتقرير الصحفي.

11

أما ستيفلانا أليكسييفتش، فقد جمعت شهادات من عاينوا الواقعة، زوجات الرجال الذين ماتوا، أهل المدينة وبعضهم ممن احترقوا بلهيب الانفجار الاستثنائي. جعلتهم شهودا، ومنحتهم أصواتا، لكنها في إزاء رغبتها في منح العمل سمة الفن جعلت من الأفراد صوتا جماعيا لا يمثل فقط صوت الضحايا، بل جوقة كاملة للثقافة الروسية. ومثلما تنحو اليوم أغلب الروايات الأوربية للبحث واستقصاء الحقائق العلمية ومنح الرواية ثقلا بالتفاصيل المهمة، فعلت اليكسييفيتش. ما يجعل من تأمل المأساة أو الكارثة به نوع من البهجة، لأنها رغم كل شيء كانت تبحث وتجمع شهادات من عاشوا، ومن نجوا، ومن قارنوا المأساة بالحرب، ومن يمثل صوتهم معا قوة تاريخ الثقافة الروسية، ولهذا أظن أن عملها هذا نجا من فخ الكذب الرومانسي والواقعية معا، لأنه في الحقيقة نص سردي يتكئ على الواقع ويوهم قراءه بأنه شهادات تسجيلية بينما هو في جوهره نص يبحث عن معنى الحب، تجسيد لصوت جماعة بشرية يعبر عن معنى الفقد، والأمل، عن معنى الانتصار ومعنى الهزيمة، وعن معنى الدولة أيضا. الدولة كجماعة تعيش تحت شعار الشيوعية أو الاشتراكية، وأن كل شخص يؤدي دورا لصالح هذه الدولة بهذا المنطق ينتمي للدولة ويكون مواطنا. صوت الجماعة المعبر عن الحلم والواقع والانكسار والهزيمة.

لم تكتف برصد الوقائع وتتبع حالات الحزن والألم، ووصف بشاعة الإصابات التي تعرض لها كل من اقترب من الإشعاع النووي، والموت والمعاناة، لكنها رصدت حتى الحشرات والحيوانات ومظاهر تغير الطبيعة.

وتقديري وقد أكون مصيبا أو مخطئا، ما أبدعته هنا اليكسييفيتش ربما يستحق أن يوصف بأنه ليس نصا واقعيا، ولا تسجيليا، بل ربما هو ما يمكن أن نطلق عليه سرد ما بعد الحقيقة.

شكرا لكم..

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *