مصطفى عبد ربّه: قصيدة الهايكو.. العالم أعمى وقليلون من يبصرون

كلُّ شيء يؤدي إلى كلّ شيء. وكلها انتقالات سلسة، تتم بحكمة ووعي.

كلُّ شيء يؤدي إلى كلّ شيء. وكلها انتقالات سلسة، تتم بحكمة ووعي.

هذا الدرب
لا أحد يطرقه
إلا المغيب الخريفي
(باشو)

القراءة بالعكس

بدايةً أوضح أنه يمكننا استبدال كلمة الهايكو بالزنّ، والعكس بالعكس. صحيح أنهما ليسا شيئًا واحدًا، ولا مترادفين، لكنهما مترابطان للغاية، ويؤدي كلٌ منهما إلى الآخر.

تلك التبادلية، بين شيئين غير مترابطين، هي جوهر رؤية كهنة الزنّ، أو شعراء الهايكو للعالم.

فالمجاز المكثّف البسيط، المفعم بالحيوية والجمال والغموض، هو جوهر العلاقات بين الأشياء. والعلاقات في العالم من وجهة نظر بوذية الزنّ -ومعهم كل الحق- ليست علاقات نمطية، حرْفية، بل علاقات متداخلة، تبادلية.

هل حاولتَ أن تقرأ قصائد الهايكو بالعكس؟ هل حاولتَ أن تقرأها من أسفل إلى أعلى؟

لو فعلت لوجدتَ الأمر طريفًا ومذهلاً. جرّب أن تقرأ القصيدتين التاليتين بالعكس، واذهبْ بعيدًا أكثر وامزج بينهما. اقرأ السطر الأول مع السطر الأول، والثاني مع الثاني، وهكذا.

الليلُ يحلّ
صامتة في مياه حقل الأرز
تضيء المجرة

(إيزن)

في الحوض الذي خلّفته الأمطار
ما تزال البطّات التي لم تُذبحْ
تقأقيء فرحة

(إيسا)

اكتسب شعر الهايكو تلك المرونة الفائقة، من نظرة عقيدة الزنّ إلى العالم، ومن التعاليم التي تحرص على التحرر من القيود والأغلال. وفي مقدمتها التحرر من شهوة التحكم والسيطرة.

“استرخْ ونمْ. فلا شيء تحت السيطرة” من تعاليم بوذيّة الزِنّ.

وحين يتخلّص الراهب/ الشاعر من هذه الآفة، يصل إلى أعلى مراتب الحكمة، وبالتالي يرى الأشياء بشكل مغاير. فالعلاقات التي تحكم العالم في هذه الحالة مختلفة. حيث يتوحد الشاعر مع الأشياء مكاشفةً واحتواءً، ويصبح العالم انسيابيًا متدفقا.

كلُّ شيء يؤدي إلى كلّ شيء. وكلها انتقالات سلسة، تتم بحكمة ووعي.

القراءة بالعكس أو مزج قصيدتين، لا يُعتبر خللًا في بناء القصيدة، كما هو الحال في الشعر العربي العمودي، الذي لو تبدّلتْ فيه الشطرات وكوّنتْ بيتًا -له معنى- لاعتُبِرَ هذا نقص في الوحدة العضوية للقصيدة.

رغم أنّ أغلب قصائد الشعر العربي العمودي تتبدل فيها الشطرات مكونة أبيات جديدة بأريحية تامة، وربما لو اختفتْ أسطر من القصيدة ما اختلّ معناها ولا مبناها.

لكننا لا نستطيع أن نحذف حرفًا واحدًا من قصيدة الهايكو، فلو فعلنا، لانهارتْ القصيدة تماما.

بِركةٌ عتيقـة
قفز فيها الضّفدَع
الماءُ يطِنّ بهدوءٍ

(ماتسو باشو)

فضاء النصّ

 
قصائد الهايكو بكثافتها البليغة، وبساطتها المفعمة بالجمال والحيوية، لفتتْ انتباه الآداب الحديثة في العالم كله إلى ما يسُمى بـ (فضاء النص).
 
القصيدة فقط تشيرُ بخفةٍ إلى ما تريدُ قوله، وفي الغالب تشير بالصمت، الذي يعمّق وجود الأشياء. فهو صمت كثيف، مفعم بالجمال والغموض، منفتح على المطلق والأبد.
 
يعرف الشاعر أنه حين ينظر إلى شيء ما، فضده موجود خلفه. حين ينظر إلى الشمس – ويغمر نورها جسده ووجهه- فالظلام يغمر ظهره.
 
تكمن عظمة الهايكو في أنه يجمع بين المرئي والخفي، بين تفاصيل الحياة اليومية، والحقيقة النهائية، بين النسبي والمطلق. يجمع بين طرفي النقيض.
 
الاستمتاع باللحظة الحاضرة من أهم تعاليم الزن. حيث لا ماضٍ ولا مستقبل. كل ما يولد يموت، وكل ما يأتي يمضي. ومن يلتزم الصمت، ويصغي إلى حدسه يبلغ السماوات.
 
يمسك الشاعر باللحظة، وبالتفاصيل الصغيرة. ومن خلال وصف المشهد الخارجي تتبدى الأفكار الداخلية.
 
وغالبًا ما تكون (القصيدة) مجرد إشارة إلى جسم ما، أو مجرد تنهيدة. وعلى القارئ أن يرى الذي لم يُكتب، يقرأ الكامن بين السطور.
 
أسيرُ ليلاً
ضوء المصباح ضعيف
تجمّد الزيت
 
(ماتسو باشو)
 

نبرة

 
الشعر في لغته الأصلية ترجمة لمعنىً ما. فما بالنا بترجمته من لغة إلى أخرى. تلك المعضلة القديمة قِدَم الشِعر ذاته.
 
غالبا ما تزيل الترجمة كثيرًا من وهج الشعر. ومهما كان المترجم حصيفًا ودقيقًا، فإنه يُحرّف –دون قصد- بعض معاني القصيدة، فضلًا عن تغييره الشامل لبنيتها، التي ربما أراد الشاعر أن يقدم معنىً ما من خلالها.
 
الأمر صعب وشاق، فترجمة الشعر بالذات عبارة عن حقل ألغام، لو راوغتَ واحدًا لدُستَ على واحد. فما بالنا لو كانت القصيدة المراد ترجمتها مكونة من ثلاثة أسطر فقط.
 
لكن دعوني أوضح شيئًا مختلفا قليلا. قصائد الهايكو بما تحمله من طاقة روحية هائلة، قد تخطت حدود الزمان والمكان، والحدود الشكلية التي تُكتب بها، وحدود اللغة طبعا.
 
شعر الهايكو هو تطور لأشكال شِعرية يابانية قديمة. أو هو نبرة صوت مختلفة. آلة موسيقية ضمن أوركسترا كبير من الآلات. وقد ظهر بتأثير بوذيّة الزن في اليابان، كمحاولة لجعل القصيدة أكثر دقة وكثافة. وفيه يستنشق الشاعرُ العالمَ ويزفره في كلمات قليلة.
 
فما هو الزنّ إذن؟
 
هو بداهة بسيطة، مباشرة. ولما سأل تلميذ:
 
ماذا نفعل لبلوغ اليقظة يا معلم؟
 
“الممارسة” كررها المعلم بهدوء ثلاث مرات.
 
يجد الزنّ شكله التعبيري الأكثر ملائمة وطبيعية في الشعر، ويرفض النزعة اللفظية. لذا أصبح شعر الهايكو حجرا لغويا كريما.
 
والإيماء في القصيدة كل شيء.

.. يتبع.

This entry was posted in عن الكتابة and tagged , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *