يودورا ويلتي تجيب عن سؤال: هل كان حفيد فينيكس جاكسون ميتًا فعلًا؟

ترجمة: حمد الشمري

eudora-welty

 

أبتهج ككاتبة قصة أيما بهجة حين يقرأ طلابٌ ما أعمالي. وتساؤلات هذا النوع من القرّاء الجادين حول عمل من أعمالي لهو أمر مفعم بالحياة. في الوقت نفسه قد لا أتمكن دوماً من الردّ على كل تساؤل خاص يردني منهم. فكّرتُ أن كتابة رد عامّ على السؤال الأكثر وروداً من الطلاب وأساتذتهم بعد مناقشاتهم في قاعات الدرس قد يكون أمرًا مفيدًا للسائل ولي أنا على حد سواء. وكان السؤال المكتسح دون منافس له هو: “هل كان حفيد فينيكس جاكسون ميتًا فعلًا؟”

يعود السؤال لقصة قصيرة كتبتها قبل زمن وعنوانها “درب عتيق” وتحكي عن رحلة يومية لامرأة عجوز راجلةً من عمق الريف حتى المدينة فعيادة الطبيب لأجل حفيدها الذي يرقد في المنزل من مرضه المتكرر، فتكرر هي رحلتها لتحضر له الدواء، يعطونها الدواء كالمعتاد فتأخذه وتبدأ رحلتها عائدة أدراجها.

لم تكن نيتي تضليل القارئ بتغطية أية حقيقة عنه فليس من مهام الكاتب أن يتلاعب بقرائه. الذي يحكي القصة كان صوتُ تفكير فينيكس وهي ذاهبة في حاجة حفيدها. وككاتبة أقف إلى جوار الشخصية التي أنقل عنها؛ كان يجب عليّ أن أؤمن أن الصبي حيّ يرزق. أما القارئ فله مطلق الحرية أن يظن ما يشاء، فالقصة تدعوه أن يعتقد أنه مهما حصل فإن فينيكس ستقوم برحلتها طالما أن رجلها تحملها وتعينها على نيّتها. أما احتمال استمرارها برحلتها رغم موت حفيدها فهذا مرجعه لتفانيها وهمّها الوحيد المبني عليه، تلك الحاجة ذات الطريق الواحدة. بكل تأكيد أن الحقيقة الأدبية، والتي كانت ستقطع كل قول، تقبع في إجابة فينيكس وحدها عن هذا السؤال. أي عندما سألتها الممرضة: “هو لم يمت، أليس كذلك؟” ردت عليها فينيكس قائلة: “هو مازال على ما هو عليه، وسيبقى”.

كان الحفيد هو الدافع. لكنها الرحلة، الذهاب لتلك الحاجة هي القصة نفسها، وسؤال القصة لم يكن إن كان الصبي فعلا على قيد الحياة أم لا فهذا السؤال لا يؤثر على مجرى القصة أو مرادها من البداية حتى النهاية. ولكن السؤال نفسه لم يفاجئني بل تلك الفكرة المضمرة في كل مرة يطرح بها أن لو كان حفيد فينيكس ميتا لكانت القصة “أفضل”.

لا بأس، أقولها للطلاب السائلين، أن تكون الأشياء فعلاً كما هو ظاهرها وكذلك أن تحمل الكلمات معانيها الظاهرة. ولا بأس كذلك أن تحمل الأشياء أو الكلمات أكثر من معنى، فالغموض حقيقة في هذه الدنيا. ولا تقع مسؤولية كاتب القصص فيما يعرضه من حقائق في قصةٍ ما فحسب، ولكن كذلك فيما يحجبه من أحداث مبنية على تلك الحقائق، ومن ثم تستحيلُ هذه الأحداث إلى حقائق في عرف عالم الخيال. ولكني أقول للسائلين، كذلك، أن البأس كل البأس في أن تعني الأشياء أو الكلمات خلاف ما تقوله.

كانت معاناة الحفيد حقيقية وهي التي صنعت واقع القصة، والتي هي قصة رحلة لأجل حاجة دافعها حب عتيق. فإن كان الصبي قد توفي فالحقيقة ستظل موجودة في “عتاقة” الدرب. وكونه توفي كذلك لن يرفع مستوى الحقيقة في القصة ولن يؤثر فيها بشكل أو بآخر. أظنني أشرت إلى هذا، لأنه عند اقتراب نهاية القصة وقبيل وصول العجوز فينيكس إلى البيت، فإنها مباشرةً تبدأ رحلتها من جديد. وللرد على سؤال “هل الحفيد متوفى فعلا ؟” أقول: إنه فعلاً لا يهم ولن يشكل فرقًا. ولكني أيضا سأقول إنني لم أخلق الصبي لأجعله يتلاعب بفينيكس، ولكن أفضل جواب لديّ على السؤال سيكون أن “فينيكس على قيد الحياة”.

منشأ القصة مؤشر موثوق لدى الكاتب، أو هو أمر يعطيه دليلاً يسترشد به لرسم القصة الرئيسة وربما كان الأمر كذلك للقارئ في حالتنا هذه. في يوم من الأيام، رأيت امرأة كبيرة وحيدة، مثل فينيكس. كانت تمشي، رأيتها تمشي من مسافة بين طبيعة ريف شتوي. رأيتها تشق طريقها ببطء أمام ناظري. ذلك المشهد جعلني أكتب هذه القصة. اختلقت لتلك المرأة حاجةً تجعلها تسلك ذلك الدرب، فأي حاجة ستجعلها تمضي وتواصل رحلتَها أكثر من حياة إنسان آخر؟ ذهابها كان هو الأصل، وشق طريقها بين النباتات كان هو الحقيقة، والأصل والحقيقة هما ما أردت العمل عليه. لقد اقتربت من المرأة بشكل كبير في خيالي لأصف وجهها، لأجعلها حاضرةً في المشهد بكامل هيئتها وهي تتحرك خلال الحقول الشتوية وهي الصورة الحقيقية التي يجب أن تستمر، ويجب أن تحفظ في الذهن وتمتد حتى بعد أن تختفي ماشيةً في البعد.

ابتدعت لهذه الشخصية أثناء الكتابة بعض المغامرات العابرة، بعض الآمال والمكدرات وموقفًا أو اثنين من الحرج، بعضًا من التحديات لكرامتها، وبعض أحلام اليقظة لتسليتها، وواحدًا أو اثنين لإخافتها. أعطيتها لحظة تصيبها بالعار، ولحظة تتأنق وتتراقص بها؛ كل ذلك كان لازما للرحلة، وكل هذه الأشياء تنتمي لمعنى الرحلة، خلطة من عدم اليقين في هذه الحياة.

في الحكايات للجملة دلالتها العميقة فهي الطريق إلى المعنى، وحقيقة استمرار القصة تكمن في المضي قدمًا في ذلك الطريق. تعتمد القوة الدرامية الحقيقية لقصة ما على ذلك الإحساس الذي يجعلها تمضي. قيمة الإحساس هي ميزان ثراء أي قصة. والذي يمنح ذلك لـ “درب عتيق” لم تكن الظروف المحيطة بها ولكنه موضوعها الرئيس، الحب العميق العتيق.

ما تمنيت أن يكون جليًا واضحًا هو أن اليقين الوحيد في كل ما أحاط بالقصة، وكل استطراداتها، كان هو ذلك الدرب العتيق. الحب الذي يعبر بنا عند التباس الأمور، ويشق طريقه عند الشدائد والمحن. الحب الذي يتذكر الدرب حتى وإن نسي الدرب للحظة سببَ وجوده. الدرب هو الأمر المهم.

كان انتصار العجوز فينيكس عندما رأت تلك الشهادة معلقة في العيادة، عندما وجدتها “مسمّرةً على الجدار، تلك الوثيقة المختومة بالختم الذهبي وعليها ذلك الإطار الذهبي، والذي يليق بحلمها المعلق في ذهنها”. أما العودة بصحبة الدواء فكانت فقط لتبرير مرورها على آثار خطواتها. العودة هي الجزء من الرحلة، من القصة، الذي يمضي وإن لم يُحكَ.

من الناحية الوظيفية في الكتابة، قد تكون طريق العجوز فينيكس موازية لطريقك إن كنت من كتاب القصة. الطريق إلى “هناك” قد يكون هو الأمر الأكثر أهمية والمعضلة التي يجب أن تكون الأكثر اغراقا، وهذه المعضلة هي سبب مضيك في قصتك. دليلك الوحيد هو يقينك بموضوعك الرئيس، بماهيته. وكما فعلت فينيكس، ستقضي حياتك كاملة تسلك الدرب لتعتِّقه رغم كل المعوقات والمكدرات، والتي قد تكون أنت سبب بعضها، مستخدما أبدوعات من صناعة خيالك، وقد يساعدك في ذلك أحلامك وبعضا من حسن الحظ. أخيرا، كما كانت فينيكس يجب عليك أن تدرك أن ما تقوم به من عمل هو في سبيل الحياة لا الموت.

ومع ذلك فيجب عليك أن تقوم بتلك الرحلة على أي حال من أجل الأمل وحدَه، أليس كذلك؟

يودورا ويلتي 1974

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *