جيني ديفيدسون: البساطة أم الأسلوب؟ ما الذي يجعل من الجملة قطعة فنية؟

ترجمة: نهى الرومي
bampw-black-and-white-book-text-favim-com-491008

علينا أن نمرّن أنفسنا على قراءة جمل معقدة كهذه، لكن إذا قرأها ممثل أو شخص يفهم الطريقة التي تؤثر بها العبارات التابعة بأسلوب جيد جَهْرًا، فعندها قد تنساب عبر الأذن بسهولة.

 

 

الجملة العظيمة تشهيك لمضغها على مهل في فمك حين تقرأها للمرة  الأولى، الجملة العظيمة تجبرك على تكرارها ثانية في أذن عقلك، ومرارا لاحقًا.

على الجملة أن تكون مفارقة  في الأسلوب. تتواتر الكلمات بترتيب لا يمكن تركيبه من قبل أي كاتب آخر.

هاكم  استفاضة من توطئة محبوب اللاتينية  سامويل جونسون في قاموسه  “Dictionary of English Language” (١٧٥٥):

علينا أن نمرّن أنفسنا على قراءة جمل معقدة كهذه، لكن إذا قرأها ممثل أو شخص يفهم الطريقة التي تؤثر بها العبارات التابعة بأسلوب جيد جَهْرًا، فعندها قد تنساب عبر الأذن على نحو أسهل:

عندما نرى رجالًا يشيخون ويموتون في ساعة محددة واحدًا تلو الآخر، عبر القرون، فإننا نسخر من الإكسير الذي يعد بإطالة العمر إلى ألف عام؛ وبقسطاس مساوٍ سيُستهزأ بمؤلف المعاجم، ذاك الذي لم يقدر على الإتيان بمثال لأمة حفظت كلماتها وعباراتها من التحريف، فليخيّل له أن بإمكان قاموسه أن يحنط لغته، ويأمن عليها الفساد والتحلل، وأن باستطاعته تغيير الطبيعة الكونية، وتطهير العالم دفعة واحدة من الجهل والنرجسية والغرور.

الجملة متفوقة في تركيبها الإنشائي، لكنها محفزة بحس متهكم من دنيوية الرغبات الإنسانية. إنها منطلقة بقوة دفع العبارات المركبة بعضها فوق بعض.

يُعد إدوارد جيبون أحد عظماء ناظمي النثر البريطانيين في القرن الثامن عشر، جمل جيبون الأحب إلى قلبي تأتي من مذكراته المتواجدة في مسودات مُجدلة لتنشر بعد وفاته. كشاب يانع وقع جيبون في الحب، وطلب إذن أبيه ليتزوج، لكن أباه المبذر كان قد استنفذ موارد العائلة  فنهره عن الزواج. كتب جيبون: “تنهدت كعاشق، وأطعت كنجل” التعبير البياني التشبيهي في هذه الجملة الرائعة يفيد نوعًا من الحماية الذاتية العاطفية.

ومن مذكرات جيبون كذلك: “كان في روما في الخامس عشر من أكتوبر ١٧٤٦، حين جلست متفكرا بين أطلال الكابيتول بينما كان الرهبان الحفاة يتلون صلاة الغروب في معبد جوبتر، لاحت لي فكرة الكتابة عن انحطاط المدينة وسقوطها” دقة ظرفي المكان والزمان، والمفارقة المدهشة المتأثرة بتحاذي الرهبان الحفاة والمعبد الوثني، وجود مشهد صوتي ظاهري، ومشهد فكري باطني، وكيف تُبنى الجملة على مدى المشروع التالي، كلها مجهودات لجعل الجملة عظيمة.

إن الجملة الأولى في أي رواية هي بمثابة دعوة إلى عالم جديد، وتكون الدعوة أحيانا بالقوة التي تجعل الجملة تتخذ حياة بحد ذاتها. مثال على ذلك: الجملة الافتتاحية في رواية أورويل ١٩٨٤: “كان يوما باردا من أيام نيسان، وكانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الظهر”(1) الجملة متواضعة في مطلعها، وصفية ببساطة، لكن في التفصيلة الأخيرة المدهشة يحقق أورويل إثارة الفضول، مؤسسًا الطبيعة الموازية للواقع التاريخي للرواية بين الاقتصاد والسلطة.

سطر استهلالي آخر من رواية متنبئة بالمستقبل القريب، رواية الظهور الأول لويليام جيبسون “نيورومانسر”: كانت السماء فوق المرسى بلون التلفاز المضبوط على محطة مشوشة” الاستعارة المدهشة تتحدث بإرشاد استثنائي نحو عالم أصبحت فيه الأشكال الجديدة للإعلام والوسائط الإعلامية تُعرّف  الوعي الإنساني”.

لكن مرور الزمن يطرح أسئلة. بالنسبة لجيل من القرّاء بالكاد يشاهد التلفاز على “محطات” ولا يعرف كيف تبدو “محطة مشوشة”، تبدو الاستعارة مبهمة.

هل عتى على الجملة الزمن؟ علق جيبسون بنفسه على تويتر مؤخرًا بخصوص رواية “التعرف على الأنماط”  التي صدرت له في ٢٠٠٣ أنها “كُتبت على افتراض أن القارئ قد، بل سوف، يبحث عن المصطلحات والمرجعيات غير المألوفة”، من المهم بالنسبة لجيبسون أن تكون رواياته موضوعية بدرجة كبيرة إلى حد قد تكون فيه مبهمة أو مندثرة. مما سيستفز لدى القارئ ما لا يُعد إبهاما بسيطا وحسب، بل وعيًا بتدرجات الماضي والحاضر على ألواح اللغة والأدب.

بعض الأدباء يضفون عظمةً  على كل جملة دون إرهاق قرائهم. يلتمس العديد من القرّاء ذلك من جويس، لكنني طالما فضلت الجمال الدقيق في جمل “أهالي دبلن” على البراعة الصارخة المبتذلة بعض الشيء التي أعنت كل جملة في “عوليس” . قد تكون كل جملة قطعة فنية على حدة، لكن تسلسلا متنطعًا لجمل كهذه يعد مرهقا.

قد تحظى الجمل العظيمة البسيطة-كجمل كاتبة القصة القصيرة ليديا دافيس- بعمر أطول على الرف.

على مدى عمر من القراءة يُشكل كل فرد شريعته الخاصة بالجمل العظيمة. شريعتي  مليئة بجين أوستن. المتفردة بموازنتها بين بلاغتها الفكاهية، وبصيرتها السايكولوجية، وسردها الروائي. الجملة الأولى في “كبرياء وهوى” تعد على الأغلب السطر الأشهر لها: “الكل يعرف أن هذا صحيح: لابد أن رجلاً أعزب يمتلك ثروة جيدة يحتاج إلى زوجة”(2)، إلا أنني أميل إلى افتتاحية “إيما” التي كتبت بعدها بسنتين: ” إيما وودهاوس، شابة في الحادية والعشرين من العمر تقريبًا، تميزت بجمالها وذكائها وغناها، وتمتعت بكل ما أغدق الله عليها من نعم في منزلها المريح بعيدًا عن كل ما يضايقها أو يعكر مزاجها”(3) لها إيقاع القصة الأسطورية، إلا أن الفعل “تميزت” والتسلسل الإيجابي بغرابة للصفات الإيجابية (جمالها وذكائها وغناها) تلمح إلى أن الرواية ستسلك منحى يقوّض المزاعم الافتتاحية لها.

إذا تصورنا المكتبة كمدينة، والكتاب كمنزل مستقل في تلك المدينة، فكل جملة هي مكوّن صغير من ذلك المنزل، معظمها وظيفي بحت -الجدار المتين والجص بين بلاط الحمام-، بينما تمثل مكونات أخرى التفاصيل التي نتذكرها ونستخلصها، وقد نستدعي ملمسها ولونها عندما نركب نحن مسكننا الكلمي.

 

_______________________

(1): مقتبس من ترجمة أنور الشامي لرواية 1894- المركز الثقافي العربي

(2): مقتبس من رواية كبرياء وهوى من  سلسلة روائع القصص العالمية- الدار الأهلية

(3): مقتبس من الجزء الأول من رواية إمّا- دار البحار

المصدر: https://aeon.co/ideas/simplicity-or-style-what-makes-a-sentence-a-masterpiece

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *