دانييل دتّون: نصائح سيئة من كتّاب مشهورين

ترجمة: آلاء نحلاوي
%d8%af%d8%a7%d9%86%d9%8a%d9%8a%d9%84-%d8%af%d8%aa%d9%88%d9%86

المغزى أنه، كقارئة، يجذبني العمل الروائي الذي يحاول اكتشاف نفسه، يتبين طريقه -و لو فشل أحياناً- عمل يفاجئني و يتحداني بفائض من الكلمات و المشاعر (أو الفواصل المنقوطة).

 

 

 

 

 

 

“إياك أن تفوَت فرصة سانحةً للصمت”  ويل روجرز

إن كنت كاتبًا تقضي وقتًا-مهما قَصُر- على الإنترنت (وكيف يعقل ألا تكون؟) إذًا أنت، مثلي، تتعرض لوابل من النصائح: “37 نصيحة قاسية لكن ملهمة، من كتاب مشهورين”، “نصائح للكتابة من جاك لندن”، “عشر قواعد للكتابة الأدبية”. قد لا يمر يوم دون أن أصادف أحد هذه العناوين أو مثيلاتها في صفحتي الشخصية، يمكنني بالطبع تجاهلها، أو اعتزال مواقع التواصل الاجتماعي نهائياً، لكن غالباً ما أجد نفسي و قد سجلت الدخول و ضغطت على الرابط –فمن منا لا يرغب بنفحة إلهام بين وقت و آخر- لأنتهي من القراءة و قد أحبطت بسبب النصيحة التي تلقيتها للتو. في الواقع بدأت أشك أن تلك النصائح الذهبية تملك قدرةً على إحباط الكاتب –ناشئاً كان أم غيره- أكبرَ من قدرتها على أن تكون ذات أي نفع له.

فيما يلي تحفةٌ صادفتها مؤخراً: “إليكم درساً في الكتابة الإبداعية، القاعدة الأولى: لا تستخدم الفاصلة المنقوطة، إنها مسخٌ متحول، لا تعبر عن أي شيء مطلقاً، كل ما تفعله هو أن تقول لنا أنك جامعيَ”  كورت فونغوت.

في إحدى مقاهي شيكاغو قمت مرة بتقديم بيغل إلى كورت فونغوت، كانت تلك من اللحظات المميزة خلال عملي كنادلة، بدا لي شخصاً لطيفاً و براقاً مثل جَدّ مُسِنّ، و كنت قد قرأت قبل ذلك كتابَه “المسلخ رقم خمسة” و أحببته. الآن و قد انتهى المديح، تبًا، الفاصلة المنقوطة لها وظيفة بالفعل، خذ مثلًا، كلير ميسود: “لأجل هؤلاء الذين تستطرد أفكارهم خارجة عن السياق؛ لمن يجمع بين المتناقضات فتكون مذهلةً غيرَ مملة؛ لمن يطمح و و قليلاً أن ينقل تجربة الحياة مقتبسًا بعضًا من تعقيدها- لكتّاب كهؤلاء، الفاصلة المنقوطة لا تقدر بثمن”.  هذا بالإضافة إلى أن معظم الكتب التي قرأتها كانت توحي بأن كاتبها ذو ثقافة جامعية (فرجينيا وولف مثلاً، رغم أنها لم ترتد الجامعة أبداً). حتى لو كان فونيغوت يقصد ما قاله كمزحة، فهو ليس مضحكًا. ليس من الصعب أن أتخيل حشدًا من معجبيه الشباب يتبجحون بخصوص الفواصل المنقوطة و الكتّاب الذين يستعملونها، لكن ما الهدف؟

إن كان ما سبق سخيفًا، إليكم هذه فهي أكثر منطقية:

“لا تُطِل كثيرًا في وصف تفاصيل الأماكن و الأشياء” إلمور ليونارد

غالبًا ما تذهب النصيحة بأشياءَ نحبها، والنصيحة السابقة مثلًا، تحرمنا من كاتب مثل جورج بيريس، الذي يغوص في التفاصيل في كتابه “الحياة: دليل المستخدم” بوصفٍ “بالغ الدقة لكل شيءٍ في كل غرفةٍ من مبنىً سكني ذي سبعة طوابقَ في باريس. عملٌ كهذا يتطلب استخدامَ كل كلمةٍ في معجم لاروس الكبير.” كما يصفه ديفيد بيلوس، مترجم الكتاب.

و ماذا عن رائعة فرجينيا وولف “حدائق كيو”: “من سرير الأزهار البيضويّ انتصبَتْ قريبًا من مئة ساقٍ تتخذ الأوراق في منتصفها شكلَ قلب أو لسان، وفي القمة تظهر بتلاتٌ حمراءُ أو زرقاءُ أو صفراء، تنفر عن سطحها علاماتٌ ملونة؛ ومن بين ظلام البتلات الزرقاءِ أو الحمراء أو الصفراء ينتصب عودٌ مثقلٌ بغبارٍ ذهبي ومتعرجٌ عند نهايته. حجم البتلات كان كافيًا  لجعلها تتمايل مع نسائم الصيف، تداخلَت بحركتها الانعكاسات الحمراء والزرقاء والصفراء على بقعةٍ من التربة البنية صابغة إياها بلون عصيَ على الوصف.” نصٌ غني بالتفاصيل حتى يكاد يكون حديقةً بحد ذاته.

إليكم هذه: “على الجملة ألا تتالف من أكثر من عشرِ أو اثنتي عشرةَ كلمة” في. إس. نايبول.

أو هذه: “ضمّن قصتَك امرأةً جميلةً بشعر لماعٍ وبشرةٍ مثالية، يفضل أن تكون شابة، واجعلها تموتُ بمرض غامض” إدغار آلن بو.

أو هذه: “اكتب فقط عندما يكون لديك شيء لتقوله” ديفيد هير.

للوهلة الأولى لا تبدو هذه النصيحة سيئة، مع ذلك فهي تفترض عالمًا يبتدع فيه الجميعُ الأفكارَ بالطريقة ذاتها، ربما يقوم هير بتحليل العالم من حوله داخليًا، يفكر بما يريد قوله قبل أن يقوله، ثم يحول أفكاره إلى كلماتٍ بسهولة وثقة، لكن ليس الجميع قادرًا على فعل ذلك.  دونالد بارثلم في مقاله “عدم المعرفة” يوضح أنه هو أيضًا لا يستطيع، “الكاتب هو شخصٌ يباشر بالعمل دون أن يملك أدنى فكرة عما سيقوم بفعله.”  بالتأكيد أنا أيضاً لا أستطيع، مثل الكثيرين، أنا أجد المعنى خلال عملية الكتابة، وأقدر أن طاقةَ “التكوّن” أساسيةٌ في أعمالي. إذا انتظرت لأعرف ما سأكتب، فلن أكتب أي شيء أبدًا..

في المقال ذاته، وبالصدفة، ينتقد بارثلم الفاصلة المنقوطة، ويجدها “قبيحة، قبيحة مثل قرادة على بطن كلب، أقتلعها من نثري اقتلاعاً.”، مع ذلك فهذه لا تشبه نصيحة فونغوت، الفرق أن بارثلم يحدثنا عن صفة فيه تجعل نثره متميزاً، أما فونغوت فهو يطرح رأيه كحقيقة مطلقة. هذه الحقائق المطلقة تكون مخيفة جدًا حين ترتدي ثوب النصيحة، حيث أن الإقرار بتميزِنا (ليس تشابهنا أو صحة آرائنا) هو الهدف من الكتابة. بارثلم يعرف تماماً أن رأيه تجاه الفاصلة المنقوطة شخصي، والأهم من ذلك، يعرف أن قيمة رأيه تكمن في أنه شخصي، جانبٌ منه ككاتبٍ يتجلى بطرازٍ خاص به، عنصرٍ يميزه ليس فقط عن فونغوت، بل عن كثير من كتاب آخرين.

ثم إليكم هذه: “لا تنجبوا الأولاد” ريتشارد فورد.

كثيرون سخروا من الغباء الفاضح في هذا الجدال (“أن تشكل الأمومة تهديداً للإبداع، فكرة سخيفة” زادي سميث.) و سأضيف من تجربتي الشخصية أن إنجاب طفل أثرى كتاباتي، فالأمومة أخرجتني من نفسي ثم أعادتني إليها بترتيب مختلف. في النهاية، ما تجعلني نصيحة فورد أفكر به ليس الكتابة، بل النصيحة بحد ذاتها، وحشية النصيحة. عندما كنت حاملاً بطفلي أقرأ كل تلك الكتب المتعلقة بأفضل الطرق للولادة، و إطعام الطفل أو جعله يخلد للنوم، أو منحه اسماً؛ في ذلك الوقت بدأت أقتنع كم هو مثير للجنون وابل النصائح عن الكتابة. أعترف أنني قرأت كل تلك الكتب عن الحمل ببعض الاقتناع و الانتباه الفضولي –لم أملك أدنى فكرة عما أفعله!- لكن خلال سنة من تربية طفلي أدركت كم أربكت هذه الكتب –أو تراكمات آثارها في عقلي- ثقتي بنفسي كأم، و آذت قدرتي على التعلم. أفضل نصيحة حصلت عليها قدمتها جارة لي أصبح أولادها بالغين، توقفَتْ و قد رأتني مكتئبة و منهكة في المتجر، و عرضَتْ عليَ أن تحمل الطفل لساعةٍ ريثما أستحم و أبدل ملابسي. قبل المغادرة ناولتني الطفل و قالت باختصار “أعلم أن الأمر صعب، لكن هذا هو الطبيعي، لا أحد يعرف كيف يقوم به بشكل صحيح.”

الكتابة عملية غاية في الغموض و الغرابة و الهشاشة و الحيرة و الدقة حتى يكاد يستحيل على الكاتب نفسه شرحها. بالنسبة لي، النصيحة الوحيدة التي تبدو ذات معنى –النصيحة التي ترغّبني بدلاً من أن تنفّرني- هي تلك التي تعترف بحدود ما يمكن معرفته عن أنفسنا أو عملنا، تعترف (بل و تتلذذ) بالمجهول، بالفراغ.

خذ مثلًا مقال مارغريت دوراس، المعقد للغاية، و عنوانه “الكتابة” : “الكتابة هي محاولة أن تعرف مسبقًا ماذا كان يمكن أن تكتب لو كتبت، الأمر الذي لا يمكن أن تعرفه إلا لاحقًا حين تكتب” أو “هناك شيء مبهج للغاية في الأخطاء الناجحة الرائعة.”

استفدت مرّةً من حديث كاثرين ديفيس عن طريقتها في معرفة الوقت المناسب للتخلي عن مسودة كتاب: “أول رواية كتبتها كانت مريعة، و كثير من الروايات الأولى تكون كذلك، وضعت الرواية في صندوق و خبأتها في مكان ما، حتى لم أعد أعرف أين هي. خلال عملك على رواية تفكر أنه أمرٌ سهل، و أن عليك أن تثابر في الأوقات الصعبة، ثم لا محالة يأتي الوقت الذي تسأل نفسك فيه ’هل هذه مشكلة يمكن حلها أم أنني أؤلف رواية مريعة و علي التخلص منها؟’

فكرت بذلك خلال عملي على روايتي الأولى، و في ليلة ما حلمت حلمًا،  كنت وقتها أعيش وسط الريف، و في الحلم خرجت من البيت باتجاه الإسطبل، حين أخرج حصان رأسه من الباب، إنه مستر إد، الحصان المتكلم، قال لي، “شيء مضجرررر،” و علمت حينها أنه يقصد روايتي. من حينها وضعت روايتي في صندوق و بدأت العمل على المشروع الذي أصبح فيما بعد روايتي الأولى الفعلية ’لابرادور’ كل ذلك بفضل مستر إد.”

قد لا تكون تلك نصيحة؟ مهما كانت فقد أحببتها..

المغزى أنه، كقارئة، يجذبني العمل الروائي الذي يحاول اكتشاف نفسه، يتبين طريقه -و لو فشل أحيانًا- عمل يفاجئني و يتحداني بفائض من الكلمات و المشاعر (أو الفواصل المنقوطة). بعبارة أخرى، أريد كتابة لا تبدو وكأنها استرقت النظر إلى نصائح مثبطة (عدا الأحصنة المتكلمة في الأحلام). ككاتبة، سأعترف أنني أبحث أحيانًا عما يطمئنني بأنني على الطريق الصحيح، لكنني أجد الاطمئنان حين أتذكر أنه لا يوجد طريق صحيح أصلًا!.

This entry was posted in نصائح الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *