غابرييل غارسيا ماركيز: الحياة هي أعظم مصدر للإلهام والأحلام جزء بسيط من سيل الحياة.

ترجمة: كريم عبد الخالق
حكاياتي، في معظمها، كانت أحداثاً بسيطة من الحياة اليومية، أجعلها أنا أكثر جاذبية بتفاصيل متخيلة، لكي يصغي إليّ الكبار.

حكاياتي، في معظمها، كانت أحداثاً بسيطة من الحياة اليومية، أجعلها أنا أكثر جاذبية بتفاصيل متخيلة، لكي يصغي إليّ الكبار.

يقول من من عرفني وأنا في الرّابعة من عمري  إنني كنت شاحباً ومستغرقاً في التأمل، وإنني لم أكن أتكلم إلا لأروي هذيانات. ولكن حكاياتي، في معظمها، كانت أحداثاً بسيطة من الحياة اليومية، أجعلها أنا أكثر جاذبية بتفاصيل متخيلة، لكي يصغي إليّ الكبار. وكانت أفضل مصادر إلهامي هي الأحاديث التي يتبادلها الكبار أمامي لأنهم يظنون أنني لا أفهمها. أو التي يشفّرونها عمداً، كيلا أفهمها. لكن الأمر كان خلاف ذلك؛ فقد كنت أمتصها مثل إسفنجة، وأفككها إلى أجزاء، وأقلبها كي أخفي الأصل؛ وعندما أرويها للأشخاص أنفسهم الذين رووها تتملكهم الحيرة للتوافق الغريب بين ما أقوله، وما يفكرون فيه.”

ماركيز، عشت لأروي.

بالنسبة لي ظل ماركيز سيد الحكايات. ساحرًا متمكنًا من ألاعيبه، عبقري السرد الذي يحملك على أكتافه ويُريك عالمًا لم تتخيل وجوده من قبل. صانع العوالم المحكمة التي تبهرك بشخصياتها وتفاصيلها. سيد السرد الذي يغرقك في تفاصيله وينتشلك مع آخر صفحات رواياته. نقدم هنا جزءًا من حوار ماركيز مع مجلة باريس ريفيو.

الصحفي

كيف تشعر كونك صحفيًا مرة أخرى، بعد كتابة روايات لفترة طويلة؟ هل تفعل ذلك بشعور جديد أو نظرة جديدة؟

ماركيز

لقد كنت مقتنعًا تمامًا أن مهنتي الحقيقية هي الصحافة. ما لم أحبه في الصحافة من قبل كان شروط العمل. بجانب ذلك، كان يجب أن أوجه آرائي وأفكاري إلى ما يهم الصحافة. الآن، بعد أن عملت كروائي، وبعد أن حققت الاستقلال المادي كروائي، يمكنني أن أختار المواضيع التي تهمني و لتي تتطابق مع أفكاري. على أية حال، أنا أستمتع دائمًا بكتابة قطعة صحفية.

الصحفي

ما هي القطعة الصحفية العظيمة بالنسبة لك؟

ماركيز

هيروشيما” لجون هيرسي كانت قطعة صحفية استثنائية.

الصحفي

كيف بدأت الكتابة؟

ماركيز

بدأت بالرسم. رسم الكاريكاتير. قبل أن أتعلم القراءة و الكتابة كنت أرسم الكاريكاتير في المدرسة وفي البيت. الشيء المضحك أنني أدرك الآن أنني حين كنت في المدرسة الثانوية اكتسبت صفة الكاتب، بالرغم من أني لم أكن قد كتبت  شيئًا. إن كان لا بد من كتابة كُتيب أو جواب من أجل عريضة، كنت أنا من يكتب ذلك لأني كاتب كما يفترض الجميع. حين دخلت الجامعة كنت أمتلك خلفية أدبية في العموم، أكثر من معظم أصدقائي. في الجامعة في مدينة “بوجوتا”، بدأت بتكوين أصدقاء و معارف جُدد، قدموني  بدورهم  إلى كُتاب معاصرين. في إحدى الليالي أعارني صديق كتاب قصص قصيرة لفرانز كافكا. عُدت إلى النزل الذي كنت أقيم فيه و بدأت بقراءة قصة “المسخ”. كاد السطر الأول أن يسقطني على السرير. كنت منبهرًا جدًا. كان السطر الأول : حين استيقظ جريجور سامسا وجد نفسه قد تحول إلى حشرة ضخمة. حين قرأت هذا السطر فكرت أن أحدًا لم يقدر أن يكتب أشياء مثل هذه. لو كنت أعرف، لكنت قد بدأت الكتابة منذ زمن طويل. لذلك بدأت كتابة القصص القصيرة. كانت قصصًا ذهنية بالكامل لأنني كنت أكتبها على أساس خبرتي الأدبية وكنت وقتها لم أجد الرابط بين الأدب و الحياة بعد. نشرت القصص في الملحق الأدبي في جريدة El Espectador  في “بوجوتا” وحظيت بقدر من النجاح في ذلك الوقت، ربما لأن لا أحد في كولومبيا كان يكتب قصص قصيرة من النمط نفسه. ما كان يكتب بعد ذلك كان عن الحياة في الريف و الحياة الاجتماعية. حين كتبت قصصي القصيرة الأولى قيل لي أنها متأثرة بجيمس جويس.

الصحفي

هل كنت قد قرأت لجويس في هذا الوقت؟

ماركيز

لم أكن قد قرأت شيء لجويس وقتها، لذلك بدأت بقراءة “عوليس”. قرأتها بالنسخة الإسبانية الوحيدة المتاحة. منذ ذلك الوقت، بعد قراءة “عوليس” بالإنجليزية و قراءة نسخة مترجمة جيدًا بالفرنسية، أرى الآن أن النسخة الإسبانية كانت مترجمة بشكل سيء جدًا. ولكني تعلمت أمرًا سهلًا بالنسبة لي في المستقبل، تقنية المونولوج الداخلي. وجدت ذلك أيضًا عند فيرجينيا وولف، وأعجبت بالطريقة التي استخدمتها أفضل من جويس. بالرغم من أنني أدركت أن الشخص الذي ابتكر المونولوج الداخلي كان الكاتب المجهول لـ Lazarillo de Tormes.

الصفحي

هل تأخذ رواياتك منعطفات غير متوقعة؟

ماركيز

كان هذا يحدث لي في البداية. في القصص الأولى التي كتبتها كنت أملك فكرة عامة عن الموضوع الذي سأكتبه، و كن كانت القصة تنتهي بطريق الصدفة. أفضل نصيحة أخذتها في البداية كانت أن لا بأس أن أتبع هذه الطريقة في البداية لأنني في هذه المرحلة أملك سيلًا من الإلهام. ولكن قيل لي إنني إن لم أتعلم أي تقنية، فسوف أقع في مشكلة في المستقبل حين ينضب معين الإلهام والتقنية لازمة لتعويض ذلك. لو لم أتعلم ذلك في الوقت المناسب، لما كنت الآن قادرًا على وضع خطوط عريضة مقدمًا.

الصحفي

إذًا الانضباط مهم بالنسبة لك؟

ماركيز

لا أعتقد أنك قادر على كتابة كتاب يساوي شيئًا بدون انضباط غير عادي.

الصحفي

ماذا عن التحفيز المصطنع؟

ماركيز

كتب هيمنغواي شيئًا أثر فيَّ بشدة يقول فيه إن الكتابة بالنسبة له مثل الملاكمة. لقد اهتم بصحته ورفاهيته. فولكنر كان له سمعة السكّير،  ومع كل حوار صحفي أجري معه كان يقال إنه من المستحيل بالنسبة له أن يكتب سطرًا واحدًا وهو ثمل. هيمنغواي قال ذلك أيضاً. سألني القُراء السيئون إن كنت أتعاطى المخدرات حين كتبت بعض كتبي. لكن هذا يوضح أنهم لا يعرفون شيء عن الأدب أو المخدرات. لتكون كاتبًا جيدًا عليك أن تكون واضحًا تمامًا في كل دقيقة تكتب فيها، ويجب أن تتمتع بصحة جيدة. أنا ضد مبدأ الرومانسية في الكتابة الذي يقول إن فعل الكتابة ما هو إلا تضحية، وإنه كلما زادت الأحوال الاقتصادية للكاتب سوءًا أو حالته العاطفية، كتب أفضل. أعتقد أنك يجب أن تكون في حالة عاطفية وجسمانية ممتازة. يتطلب خلق الأدب بالنسبة لي صحة جيدة،  والجيل ضائع يفهم ذلك. لقد كانوا بشرًا يحبون الحياة.

الصحفي

“بلايز سيندرارز” قال إن الكتابة مميزة عن أي عمل آخر، وإن الكُتاب يبالغون في معاناتهم. ماذا تعتقد؟

ماركيز

أعتقد أن الكتابة صعبة جداً، و كن هذا ينطبق على أي عمل آخر إذا نُفذ بعناية. ما هو مميز، بالرغم من ذلك، هو أنك تكتب لإرضاء حاجة مُلحة لك. أعتقد أنني كثير المطالبة لنفسي و للآخرين لأنني لا أحتمل الأخطاء؛ أعتقد أنه من المميز أن تعمل أي شيء بكفاءة عالية. بالفعل يصاب بعض الكتاب بجنون العظمة ويعتبرون أنفسهم محور الكون وضمير المجتمع. ولكن ما أعجب به بشدة هو القيام بشيء ما بشكل جيد. أنا دائمًا سعيد حين أسافر وأكتشف أن الطيارين طيارون أفضل من كوني كاتبًا!

الصحفي

ما هو الوقت المناسبة للكتابة بالنسبة لك الآن؟ هل تملك جدولًا للعمل؟

ماركيز

حين أصبحت كاتبًا محترفًا كان جدولي أكبر مشكلة تواجهني. لكوني صحفيًا كنت أعمل في المساء. حين بدأت أكتب بدوام كامل كنت في الأربعين من عمري، كان جدولي يبدأ من التاسعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر وقت عودة أبنائي من المدرسة. منذ ذلك الوقت اعتدت أن أعمل بقوة، شعرت بالذنب لأنني أعمل نهارًا فقط؛ لذلك حاولت أن أعمل بعد الظهيرة، ولكنني اكتشفت أن ما فعلته بعد الظهيرة يجب أن يكتب مرة أخرى في اليوم التالي. لذلك قررت بأن أعمل من التاسعة حتى الثانية و النصف ولن أفعل شيئًا آخر. بعد الظهر لدي مواعيد و مقابلات وأي شيء أخر قد يظهر فجأة. كان لدي مشكلة أخرى هي أنني أستطيع العمل فقط في جو محيط مألوف بالنسبة لي ومفعم بدفء عملي. لا أستطيع الكتابة في الفنادق أو الحجرات المستأجرة أو الآلات الكاتبة المستعارة. هذا يخلق مشاكل كثيرة لأنني حين أسافر لا أستطيع العمل. بالطبع، أنت تبحث دائمًا عن حجة لتعمل أقل. ذلك لأن الشروط التي تفرضها على نفسك دائمًا ما تكون صعبة. دائمًا تأمل أن يأتيك الإلهام مهما كانت الظروف. هذه جملة يستغلها الرومانسيون كثيرًا. رفاقي الماركسيون لديهم صعوبة كبيرة في تقبل هذه الجملة، ولكن سمها ما شئت، أنا مقتنع أن هناك حالة ذهنية خاصة يمكنك أن تكتب من خلالها بكل سهولة تجعل الأفكار تنهمر. كل الحجج -مثل حجة الكتابة في المنزل فقط- تختفي. في هذه اللحظة تأتي هذه الحالة الذهنية حين تجد الموضوع المناسب و الطرق الصحيحة لتناوله. ويجب أن يكون موضوعًا تحبه بحق، لأنه ليس هناك عمل أسوأ من فعل شيء لا تحبه.

الفقرة الأولى هي أحد أصعب الأمور في الكتابة. لقد أمضيت شهوراً طويلة لكتابة فقرة أولى، و حين أحصل عليها، يأتي الباقي بعد ذلك بكل سهولة. في الفقرة الأولى تحل معظم المشاكل مع كتابك. يتم تعريف موضوعك، طريقة الكتابة ونغمتها. على الأقل في حالتي، تعدّ الفقرة الأولى مثالًا بسيطًا عما سيصبح عليه الكتاب ككُل. وهذا سبب كون كتابة مجموعة قصصية أصعب بكثير من كتابة رواية. حين تكتب قصة قصيرة، يجب أن تبدأ من جديد كل مرة.

الصحفي

هل تعتبر الأحلام مصدرًا مهمًا لإلهامك؟

ماركيز

في البداية اهتممت كثيراً بالأحلام. و كن بعد ذلك أدركت أن الحياة هي أعظم مصدر للإلهام وأن الأحلام مجرد جزء بسيط من سيل الحياة. الشيء الحقيقي بالنسبة لكتاباتي هو أنني مهتم بالأحلام المختلفة وتفسيراتها. أرى أن الأحلام جزء من الحياة، لكن الواقع أغنى بكثير. لكن ربما كنت مجرد فقير في الأحلام.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *