ريبيكا سولنت: كيف تكون كاتبًا؟

ترجمة: علي الضويلع

rebecca

  • اكتب. لا عوض عن ذلك، اكتب عما أنت شغوف بالكتابة عنه أكثر، لا أقصد كتابة التدوينات، ولا المواضيع في منتديات على الإنترنت، ولا التغريدات أو كل ما له علاقة بتلك الفقاعة القابلة للتصريف والتي هيأتها لنا الحياة الحديثة. لكن، ابدأ صغيرًا اكتب جملة جيدة، ثم فقرة جيدة، ولا تحلم أول الأمر بكتابة تلك الرواية الأمريكية العظيمة، ولا تفكر بما سترتدي في حفل تكريمك ككاتب، لأن هذا ليس ما تعنيه الكتابة وليست هذه الطريقة في مسألة كيفية الوصول من هنا إلى هناك. الطريق كله مصنوع بالكامل من الكلمات. اكتب كثيراً. ربما في البداية ستكون مثل طفل يتعلم للتو أول خطواته –ستكون مُحبطاً في هذين العامين الفظيعين بشكل جزئي لأنك ترى أنك أذكى من مهاراتك الحركية أو اللفظية، وتريد أن تلون الصورة، أن تطلب لعبة كطفل، وتتلعثم، كلامك مفكك ولا أحد سيفهمك، لكن تلك لن تكون المرة الأخيرة التي يحرز فيها الفتى التقدم أو مزيدًا من التعقيد والمهارة، هذا هو الجهد وهذه هي الممارسة. اكتب أشياء سيئة لأن الدرب للكتابة الجيدة يصنع من كلماتٍ ليس بالضرورة أن تكون جميعها كلمات مرتبة جيدًا.
  • تذكر أن الكتابة لا تعني الطباعة. إنها تعني التفكير، البحث، التبصُّر، التحديد، التوليف في عقلك وفي مسوداتك، ثم قد تكون نوعاً من الطباعة، ومع المراجعات المستمرة، والمزيد من المراجعات، الحذف، التنقيح، الإضافة، الاستبطان، ترك ما تكتب جانباً ثم العودة إليه من جديد، لأن الكاتب الجيد محرر جيد دائمًا لعمله الذاتي. الطباعة هي النقلة الصغيرة التي تأتي في الوسط بين عمليتين عظيمتين. هناك شئ اسمه مراجعة زائدة عن الحد-لقد رأيت أشياء مدهشة في المراجعة السابعة عشرة جرى الاستغناء عنها في المراجعة الثالثة والعشرين- لا شيء يولد كاملاً. حسنًا، بعض الأمور تقريبًا تكون كذلك، لكنها غرائبية. وقد تتحصل على تلك القطع المثالية الساحرة إذا كنت تكتب كثيرًا، متضمنًا ذلك كل الأشياء التي ليست سحرًا يتوجب حذفه، إعادة التفكير به، مراجعته، فحص الحقائق، وأخيراً نص جاهز.
  • اقرأ. ولا تقرأ. اقرأ كتابات جيدة، ولا تعش في الحاضر. عش في عمق التاريخ، مع لغات من القرآن أو التراث السحري الويلزي؛ أو الأم غوز أو ديكنز أو ديكنسون أو بالدوين أو أي شيء يتحدث إليك بعمق. الأدب ليس مرحلة الثانوية العامة وليس ضروريًا فيه أن تعرف ماذا يرتدي كل من حولك، وفيما يتعلق بالتأنق، وأن تتأثر بالناس الذين يُنشر لهم حاليًا في هذه اللحظة بحيث يجعلك تأثرك مجرد شبيه بهم، وهو غالبًا ليس قرارًا جيدًا على المدى الطويل لتكون نفسك أو لتصنع أثرًا له معنى. في أي نقطة في التاريخ هنالك موجة عظيمة من الكُتاب يشتركون بالنبرة ذاتها، يندفعون كموجة إلى الأمام، ويندفعون من الوراء، وتبقى نجمة البحر والقواقع الغريبة تبقى وراءهم. ألق نظرة على قوائم أفضل الكتب مبيعًا لأبريل 1935م أو أغسطس 1978م إذا لم تصدقني. الأصالة أمر يتكون من حصولك على تأثيرك الخاص: إقرأ السير الذاتية العظيمة أو العهود الدينية القديمة، اعثر على استعاراتك من حيث لا أحد ينظر، لا تنتمِ. أو انتمِ لعالم ليس هو عالمنا هذا تمامًا، عالمٍ ترسل منه رسائلك. تخيل هيرمان ميلفل في ورشته عام 1849م وأقرانه يقولون له إن عليه استبعاد كل تلك المعلومات والاستطرادات وإن كتابه عن الحوت ممل والسبب أنه يستغرق الوقت الطويل للوصول إلى النقطة التي يريدها. وفي الحقيقة كان كتابه فشلًا ذريعًا في حينها. لذا اقرأ كل شيء كان قد نشره هنري ديفيد ثورو، وما كتبت إيميلي ديكنسون مع أنها نشرت القليل فقط من القصائد في حياتها رغم أنها كتبت الآلاف منها.
  • أصغ. ولا تصغ. رجع الصدى مفيد، سواءٌ من المحرر، أم من الناشر، أو من القراء، أومن الأصدقاء أو من الزملاء، لكن هنالك أوقات تعرف حينها تمامًا ماذا يجب أن تفعل ولماذا، فالرضوخ لهم يعني أن تخرج عن تناغمك مع ذاتك. اسمع صوتك الخاص وتذكر أنك تمضي إلى الأمام بأخطائك وعثراتك وقصورك بكل الطموح أيضًا. أصغِ لما يجعل شعر رأسك يقف لنهايته، ولما يذيب قلبك، وما يجعل عينيك تتسعان، لما يوقفك وأنت في مسارك ويجعلك تختار أن تعيش، من أي جهة جاءك، وارجُ أن تترك كتاباتك هذا الأثر نفسه مع الآخرين. اكتب للناس الآخرين، لكن لا تسمع لهم كثيرًا.
  • اعثر على صوتك الداخلي. إن مسألة الموهبة مبالغ في تقديرها، وهي تتعارض عادة مع الأسلوب اللطيف. الشغف، والصوت الداخلي، والرؤية، والتفرغ كلها أشياء نادرة، وستأخذك لتجاوز النقاط القاسية في أسلوبك وذلك عندما لا يمنحك أسلوبك سببًا للاستيقاظ في الصباح والبدء في التحديق في المخطوطة لليوم المئة على التوالي أو حتى تعطيك موضوعًا مفترضًا للكتابة عنه. إن لم تكن شغوفاً بشأن الكتابة وبشأن العالم وبالأشياء التي تكتب عنها، إذاً لماذا تكتب؟ يبدأ الشغف بالأصل قبل أن تبدأ بالكلمات. نحن نريد أن نقرأ لأناس حكماء، عميقي التفكير، جامحين، لطفاء، ملتزمين، متنورين، نابهين؛ يجب أن تكون مثل هؤلاء الأشخاص. لطالما كنت في صف الدفاع عن الأسلوب دومًا، لكن فقط فيما يخدم رؤيتي.
  • الوقت. تحتاج لبعض الوقت. ذلك يعني أنك تحتاج لإيجاد الوقت. لا تكن اجتماعيًا جدًا. عش أقل مع الآخرين وحافظ على عدد علاقات متواضع (الأشخاص الذين يتمتعون بالثقة والأسباب الأخرى الداعية للراحة: أنا لا أتحدث إليكم، مع أن المال كثيرًا، وكثيرًا ما يسهل الأشياء، وغالبًا، يصعب إيجاد النداء الداخلي والشغف). أنت غالبًا تحتاج للقيام بأمر آخر من أجل العيش في الخارج أو على الدوام، لكن لا تطور عادات صرف أو هوايات استهلاكية. أعرف نادلة ظنت أن قدرها يمنعها من استمرار العمل على رسوماتها ولكن الاختبار كان: لو استمرت أن تكون الشخص الذي يذهب لتناول البوريتو بدلًا من طلب أنواع النبيذ الغالي في المطعم لكان لديها يوم إضافي مجاني في الأسبوع للعمل على فنها.
  • الحقائق. تأكد منها دائمًا. معلومة خاطئة بشأن نحلة طنّانة في قصيدة أمر مزعج بما يكفي. إن عدم الدقة في الكتب غير القصصية والرواية هو خطيئة جوهرية. لن يثق أحد بك إذا جانبت الصواب في الحقائق، وإذا كنت تكتب عن أحياء أو أحياء رحلوا منذ وقت قريب أو سياسيين فيجب عليك ألا تحرف بشكل مطلق. (اسأل نفسك: هل يعجبني أن يكذب الناس بشأني؟) أيًا كان الشيء الذي تكتب عنه، عليك الالتزام لتحقيق الصواب فيه، من أجل الأشخاص الذين تكتب عنهم، من أجل القراء، من أجل التوثيق. هذا سبب إخباري للتلاميذ أن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل ليس له علاقة بالقرارات التي اتخذت بشأن غزوه. إن أردت الكتابة عن زوج أم قام بأشياء لم يفعلها زوج أمك، أو كررت حوارات لا تتذكر تفاصيلها، فاحرص على وسم ما تكتبه بدقة. تعمل القصص والروايات وفق قواعد مختلفة لكنها تشتمل على حقائق أيضًا، ومصداقيتك تتكئ على دقتها. (إن أردت اختلاق الحقائق، مثل أن إيميلي برونتي كانت بطول تسع أقدام وتستخدم أدوات كان يتورع عن ذكرها أصحاب العصر الفكتوري بدافع التأدب، تذكر أن تجلب معلومات حقيقة عن إسكافيها وعن نوع القبعات الذي كان كان يُرتدى في ذلك الزمن، واكتب أنها ترتدي قطعة حجر نفيس على نحرها يتدلى من على بعد سبع أقدام ونصف عن الأرض تحتها).
  • البهجة. تواجه الكتابة  أعمق مخاوفك وكل فشلك، بما في ذلك مدى صعوبة أن تكتب لوقت طويل ومسألة قدر بغضك للشيء الذي كتبته للتو وأن تكون ذلك الشخص الذي ارتكب تلك الجمل الخاطئة (كتاب كُثر، يا إلهي، أعرف أني منهم، يقلقون بشأن الموت قبل القيام بمراجعة النسخة السيئة جدًا، ذلك من أجل ألا تعرف الأجيال الجديدة كم كانت كتاباتٍ مروعة). عندما تكون المسألة مقرفة جدًا، توقف، انظر عبر النافذة (لابد دومًا أن تكون هناك نافذة) وقُل: أنا أقوم بالضبط بما تمنيت القيام به. أنا أقضي الوقت مع اللغة الإنجليزية (أو اللغة الإسبانية أو الكورية). أستطيع استخدام  كلمة فيروز أو ذوبان أو نجم متوهج الآن لو أردت. أتفق مع شيللي، الذي يقول إن الشعراء هم مشرعون غير معترف بهم لهذا الكون، وأنا لا أبيع أشياء لا فائدة لها إلى كبار سن وحيدين ولا أقوم بافتعال الضرر تجاه الإنسانية. أوجد اللذة والبهجة. ربما عليك حتى صنع قوائم لما يبهجك من أجل حالات الطوارئ. عندما يفشل كل شيء، اسمع أنشودة “اسرق فرحي”؛ غن برتابة “لن أدع أحداً يسرق مني البهجة”. لا أحد، حتى ذاتك. لكن الأمر ليس متعلقًا بالبهجة فقط، إنه عن العمل، ويجب أن يكون هناك نوع من البهجة في العمل، نوع من بين الأنواع الكثيرة، بما في ذلك بهجة الحقائق الصعبة المنطوقة بصدق. لا يقول النجارون إننا لا نشعراليوم برغبة في القيام بما نقوم به، هكذا، أو إننا لا نهتم للدرج وفيما لو وقع الناس منه؛ كيف تشعر هو شيء لا يمكنك أخذه على محمل الجد جدًا في طريقتك بالقيام بشيء ما، والقيام بشيء ما له معنى يتعلق بألا تكون عالقًا في شعورك. هذا هو، هنالك نوع من سبر الأغوار المتمرغ والعالق، وهنالك نوع ينتقل إلى ما بعد المكان إلى المكان الذي هو الداخل الأعمق حيث الظواهر الكونية تتحدث إلى بعضها البعض. لقد كتبت أشياء في خضم المعاناة البشعة، على الرغم من أن الأمر كان صعبًا، لكن مع ذلك، الصعب ليس مستحيلًا، وأنا لم ألتزم بآمال قد تكون سهلة.
  • ما ندعوه نجاحًا هو شيء لطيف ويأتي مع تبعات نافعة، لكن النجاح ليس الحب، أو على الأقل في أحسن حالاته نتيجة لحب العمل وليس حبك أنت، لذلك لا تخلط الأمرين. تهذيب الحب من أجل الآخرين وربما استقبال بعضه لنفسك هو أمر آخر مهم. عملية صنع الفن هي عملية أن تكون إنسانًا بالوكالة، بتفكير مستقل، منتج للمعنى عن أن يكون مستهلكًا للمعاني التي قد تحملها روحك، قدرك، وإنسانيتك، وهكذا لا يوجد أي نوع من النجاح في أن تكون الضمير الذي يؤخذ بالحسبان وهذا يعتمد عليك أنت ولا أحد سواك وهو في متناول يديك.
  • الأمر برمته يتعلق بك، لكن إذا كنت تعرف أنك تعرف كل شيء آخر، مع ذلك فأنت ما تزال بحاجة لمعرفة شيء ما آخر في ظروف من الانزعاج والصخب القلق وكل المؤثرات الخارجية، شاملة هذه التوجيهات.

This entry was posted in نصائح الكتابة. Bookmark the permalink.

2 Responses to ريبيكا سولنت: كيف تكون كاتبًا؟

  1. فريد المغربي says:

    رائع جدأ ، شكرا للترجمة .

  2. المقال رائع جدا جدا .. استمتعت ^_^

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *