وديع سعادة: إنها الكلمات الأخيرة… وها أنا أهجرها!

وديع

هل أقول الوداع للكتابة؟

أقول الوداع.

حوار الكتابة حوار الصمت. زمن الكتابة زمن الغياب. مكان الكتابة عدم المكان.

لا حياة بالكلمات. الحياة قد تكون هناك، خارجها. هناك قد يكون الآخرون، وأنا أيضًا. في المقلب الآخر من الكلام، خارج النَصِّ.

الكتابة غياب الحياة. الحياة قد نصادفها بالمشي، قد نصادفها بالجلوس، تحت شجرة أو على رصيف. ربما تأتي سهوًا، بقبلةٍ أو برصاصة، لكن ليس بالكتابة.

أَرشُّ على هذا الثوب الذي أرتديه سُمًّا للكلمات وأركض مجنونًا باحثًا عن الحياة. تسميم الكلمات هو الطريق القويم. موت الكلمات هو كلمة الحياة الأولى. لثغها الأول.

يا طالعةً من فمي إنكِ تقتلينني!

ليس بخنجر الخيانة وحده بل بسيف الشطْب هذا القتل. بالرمي من السطح النيّر إلى لجَّة المتوهَّم الغامض المستحيل. بوقد النار في القلب والأعضاء، وتوزيع المفاصل في الشتات.

مشيٌ على الغيم، والسقوطُ رذاذًا.

دخولٌ في غرفة الموت، فيما الحياة تلعب على الطرقات.

في رحلة الصيد الطويلة لم أكن غير كشَّاشٍ لأرواح الكلمات. النصوصُ حمائم جافلة تطير من أمام المؤلِّفين.

سرابٌ يمدُّ دربًا لا بيت على جوانبها، ولا شيء في خاتمة المطاف. يمدُّ حبال مشانق للسائرين.

وما دمتُ عرفت، لماذا عليَّ أنا النحيل أن أبقى معلَّقًا بهذه الحبال، لا ميّتًا ولا حيًّا؟ نحيلٌ لا يُميتني الحَبْلُ، ومعلَّقٌ أبْعدَ قليلاً من يد الحياة!

أنا الذي لا يُستساغ لقمةً، لماذا عليَّ أن أبقى فريسةَ ما لا يُستساغُ أن يكون صاحب الوليمة؟

معلَّقٌ على حبل، معلَّقٌ على ورقة، منتظرًا حياةً تطلع من شقوق الكلمات.

لا أعرف حياةً طلعتْ إلى كتَّابها من هناك. أعرفُ كتَّابًا ماتوا على الحروف، وكتَّابًا ماتوا على النقاط، وكتَّاباً ماتوا على هامش الورقة… ماذا أنتظر من الكلمات؟ أريد البياض.

بحثٌ متوهَّم عن حياةٍ متوهَّمة، الكتابة. ليس صحيحًا إمكانُ استحضارِ غيابٍ بِنَصٍّ. لا الميّت ولا الحيّ. ليس صحيحًا ما اعتقدتُه في رحلة هذا الوهم الطويلة. الغيابُ عدَمٌ والموتُ عدم، لا يمكن استحضارهما. نصير غيابًا، نصير موتًا، في رحلة هذا الوهم.

الكتابة، مرادفٌ للمو

كنتُ أظنُّ أني سأبني وجودًا من خيال. أنَّ التخيُّل يُحيلُ الخيالَ جسدًا، والكلماتِ تبني بيتًا، أكون فيه لا قُبالتَهُ.

مشيتُ طويلاً في خيال اللغة، حتى انكسرتُ في وهمها. مشيتُ في اللغة بحثًا عن موطني، حتى اكتشفتُ أني أبحث عن وهم. ولأنّ اللغة كانت هي موطني، فإني ما سكنتُ إلا في الغياب.

لم أكن غير كشّاشٍ لأرواح الكلمات. تلك التي خرجتْ من فمي، وروحي، وغابت بعيدًا. أتذكّرُ منها الآن النقطة الأخيرة الواهية في الأفق القصيّ. أتذكر منها عيونًا خرجت فجأة، التفتتْ إليَّ بلومٍ وغابت سريعًا. أتذكّر ريشًا تناثر بطلقات، وريشًا مستعجلاً للهرب، وخطًا دقيقًا رَسَمَه هذا الهروب في الفضاء، وامّحى بلحظة.

لم أكن غير كشّاشٍ فاشل لأرواح الكلمات.

لا مكان للكلمات، إنها حالة غياب. حالة استحالة. تأتي كانما ظِلٌّ أتى وتذهب كأنّما ظِلٌّ ذهب، ولا وجه لها أو قامة أو مكان.

ظلالٌ، ظلال، و لا أثر.

كلماتٌ كثيرة، ولكن يُستحالُ قولُ أيّ شيء.

ظلٌّ يمرُّ أحيانًا، يمرُّ دائمًا، لكن لا صاحب له، ولا مقعد، ولا معبر، ولا كلام مع العابرين.

الكلام هو خيانة المكان.

والمكان هو خيانة الكلام أيضًا.

فلأمضِ إذن. لا كلام ولا مكان لي.

كنتُ ظلاًّ، كنتُ كلامًا خائنًا، فلأمضِ.

الرغبات ترتدُّ على أصحابها. فلأمشِ بلا رغبة فوق هذا الجسر النحيل لأنَّ أيَّ سهم سيُسقطني. أيُّ سهم وربما هبوبُ نسيم. صائدو الرغبات طرائدُها، يَسقطون الواحد تلو الآخر كأنَّما العبور فقط لغير الراغبين.

فلأمشِ، ولكن ببطءٍ، بلا رغبة. فلأمش فارغًا، ربما أصلُ سليمًا. الحمولة تزيد من ثقلي، فيهوي سريعًا هذا الجسر.

على الذين يريدون العبور أن يتجرَّدوا، لا من ثيابهم وحدها بل من نفوسهم أيضًا!

… لذلك، لا عبور.

كنتُ، فقط، أحاول العبورَ بالكلمات: إرسالَ صوتٍ ليعبر عنّي فوق هذا الجسر. لكنَّ الصوت لم يكن يعبر، وكان صداه يرتدّ، ليقتلني!

كنتُ تقريبًا ميّتًا دائمًا. كنت مجموعة موتى: ضحيةَ كل صوت وكل صدى. ميّتٌ حين أُرسل الكلام وميّت حين أتلقّى صداه. ولأني تكلمت كثيرًا، متُّ كثيرًا… والآن أريد الصمت، أريد أن أحيا.

 

أضعُ أمامي المرآة وأنظر، أنا الميّت!… ماذا لا أرى غير عينيَّ، وغير يديَّ ووجهي وروحي؟ النسماتُ هناك، وارتطامُ الفضاء بها. الشَعرُ قربَ الضباب. الجنون قرب الماء. الغناء تحت الغيمة. البحر فوق القلب. النبع ناحيةَ الغبار. الوقت مع الحجر. الدمُ مع الآية. الضوءُ النائسُ في خيمة الثعبان.

صوتي هناك يحاول وحدَه عبُورَ الجسر، حَذِرًا مرعوبًا، موازيًا طرفيه، متجرّدًا من كلّ ثقلٍ حتى من صداه… يحاول، علَّه يعبر.

صوتي هناك وأنا هنا.

حتى لو عبر، هو هناك وأنا هنا. مفصولان مقطوعان مقطَّعان لا كلام بيننا ولا قرابة ولا نظرة.

كان ذات يومٍ، ربما، صوتي. لكنه وحده هناك، على ذاك الجسر، ووحدي هنا، في خيمة الثعبان.

لا عبور، حتى بالكلمات! لكأنَّ الخطوة الأولى هي الأخيرة. لكأنَّ الوقوف هو كلُّ المسافة، كلُّ الطريق!

كانا، ذات يوم، رفيقين، الصوتُ والثعبان. لعبا على التلال، تراشقا بنقاط الندى التي تكاد لا تُرى.

الآن، خيمةُ الثعبان. الغصنُ اليابس أمامها، من بقايا غابة سحيقة، يَفتح و يُغلِق الباب.

الآن شمالُ الخرابِ جنوبُ الرماد، المشنقةُ التي احتفظت بالقميص!.

الغصن أعلى قليلاً من قامتي. لذلك لن أصطدم به، سأدخل، من دون أن أحني رأسي.

الآن وقتُ العظام. وقتُ البياض في الجسد. وقتُ المنسحب على مهلٍ من اللحم. الذي يُرمى و ينزوي، شاهدًا وحده أنه كان، أنه لم يكن. وقتُ غبار العدم. وقتُ العدم بلا غبار.

المنسحبُ بخفّةٍ من يد الوقت، من طيف المكان، من ظلّ الملاك.

الذي كان سنبلةً بحبوبِ عيونٍ غريبة. المنسحبُ من الحقل أبيضَ، ناصعًا، إلى الحدّ الذي لا تطاله الرؤية، إلى حدّ العدم.

لم يكن لدى العظام كلام. كان هناك شيءٌ هيوليٌّ لزج، حائرٌ معدَم، تريد الجهْرَ به. تبحث له عن لغةٍ علَّه يحيا فيها.

في ذاك المكان النائي. على سرير صغير، بدأت حيرةُ العظام. هناك بدأ خَرَسُها و بحثُها عن لغة. في ذاك المكان حيث اللغة لم تكن وُلدت بعد، و حيث كانت شجرة، تَسقط أوراقُها واحدةً بعد أخرى، بصمت.

لم يكن للكلمات مكان.. في البدء لم يكن كلام، كان الصمت. وحين انبثقت الكلمات بدأ طريقُ الموت.

أحملُ الآن هذه العظام الحائرة البيضاء، وأرميها في صمتها الأول.

أضعها في انعدام اللغة، في السرير الصغير.

كلُّ ما تعلَّمتُه من كلمات، ما رفعتُه من آبار الأجداد، ما برقَ و ما انحجب وما أُرسلَ في الجهات، أعيده إلى صمته.

أمدُّ إشارات يدي إلى الأصوات التي صارت بعيدة، وأُعيدها إلى الحنجرة. أفرشُ لها قميصًا تحت صوف الهندباء، وأنام قربها.

في هذا المكان الضيّق، حيث يلعب النيامُ والموتى الورق، ويتبادلون الأدوار.

بحثٌ متوهَّم عن المكان، الكتابة. بحثٌ متوهَّم عن الزمن، عن الحياة، عن الحريَّة… بحثٌ متوهَّم.

الكتابة لا تسكن في الحياة. مسكنُها في مكان آخر. على الحافة. في المتوهَّم.

الكتابة مسكنها وراء الباب. تطرق لكن لا يُفتح لها. ربما لأن لا أحد في الداخل. ربما لأنَّ الداخل فراغ. ربما لأنْ لا داخل.

أين الحياةُ و المكان والزمان؟ إذا كانت في الخارج لماذا، ونحن في الخارج، لا نراها؟ وإذا كانت في الداخل لماذا لا ينفتح الباب؟

أنا الكاتب أعترف: بحثتُ في الكتابة طويلاً عن الحياة ولم أجدها. لم أجد الحياة ولا الزمن ولا المكان ولا الحرية. الحرية؟

بديهيٌ أن لا حرية. الحرية؟ كيف تكون حرية ما دام لا حياة؟ نخترعهما، قالوا. صحيح، وها نحن نخترعهما. ولكن من موادّ وهمية غير قابلة، هي أيضًا، للحياة.

لماذا أكتب إذن؟ ما دمتُ عرفت، ما دمتُ اكتشفتُ هذا الوهم، هذه الكذبة، لماذا أكتب؟

عليَّ، على الأرجح، أن أعيد تركيب نفسي. أفكّكها قطعةً قطعة، أرمي اللعين منها وأُركّبها من جديد. لو أن النفس آلة، لو أني فقط أرى قِطَعَها.

تائهٌ في العاصفة وأبحثُ عن آلة! تائهٌ ومنهوب. نهبتني الريح وأريد استرداد ممتلكاتي.

أريد الحلية التي وَهبتْها لي أمي. أريد الطير الذي جلبه لي أبي. أريد ريشة الروح، حدقةَ الفضاء أمام الباب، حليبَ الحجر الذي كان يدفق من نظرتي.

وإذا كانت هذه كلُّها من المنهوبات، ألم تكن لي في الماضي على الأقل نفسي؟

الآن إذًا أريدها.

(1999 مقطع من نص طويل للشاعر  بعنوان نص الغياب)

http://wadihsaadeh.awardspace.us/Collection7.html

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

One Response to وديع سعادة: إنها الكلمات الأخيرة… وها أنا أهجرها!

  1. اسعدتنى صراحتك وقدرتك على طرح افكارك لكنى فقط اريد لو توضحى لى :كيف تحبين الله ، انا كمان احب الله لكنى اريد ان احبه حقا احبه حب اشعر به كما اشعر مثلا ولله المثل الاعلى بحبي لاولادى اريد ان تدلينى يا مي على الطريق ربما وانت الفتاة الصغيرة بالنسبة لى طبعا تقدمين لى المفتاح الذى استطيع به فعلا حب الله حبا صادقا يامي .. تقبلى تقديرى ومحبتى ودعواتى لك بالتوفيق يارب .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *