روث أوزيكي تتحدث عن التعاون الحاسم بين القارئ والكاتب والشخصية والكتاب

ترجمة: آلاء نحلاوي

-Ozeki1

كاتبٌ يستيقظ ذاتَ صباحٍ و يسمع صوتاً، صوت فتاة عاليًا و واضحًا ، طالبة مدرسة يابانية، “مرحباً!” تقول، “اسمي ناو، أنا كائنٌ زمني، هل تعلم ما هو الكائن الزمني؟”.

هكذا –تقريباً- ولدت روايتي الجديدة “حكايةٌ للكائن الزمني”، لكنني أتخيل أن مشهداً كهذا، مع بعض التغيير، يحدث كلَّ يوم للكتّاب في كل مكان. شخصيةٌ تتكلم، تهمس، تتمتم، تصرخ، تكسر الصمت وبالتالي تطالب الكاتبَ بالوجود، وعلى الكاتب أو الكاتبة الاستجابة، هو يميل برأسه مصغياً، هي توقف عربتها على جانب الطريق، هو يتسلل إلى دورة المياه أثناء الاستراحة في عمله، هي تسحب منديلاً من جيبها وتخربش الكلمات عليه قبل أن تتلاشى. على الأقل هذا ما يحدث حين يكون الكاتب منتبهاً، إن لم يكن مشغولاً بالرد على البريد الالكتروني أو تصفح الانترنت أو مشاهدة “لعبة العروش”.

إلى هذا الحد, تبدو الأمور على ما يرام. تؤلف الكاتبة كتابها. هو يستغرقه الأمر سنة، سنتين، ستَّ سنوات، أو عشرة. هي تعاني مع الشخصيات. هو ينغمس في الكتاب، هي تنسحب، هو ينغمس مجدداً بمئة طريقةٍ وأسلوب. هي تفقد نفسها في العالم الخيالي. هو يفقد إيمانه ثم يعثر عليه من جديد. أخيراً يخرج الكتاب إلى العالم حيث يجده قارئ ما، يلتقطه ويبدأ:

“مرحباً! اسمي ناو وأنا كائن زمني، هل تعرف ما هو الكائن الزمني؟ إذاً امنحني دقيقةً وسوف أخبرُك.”

وهكذا، تحفز الشخصيات الكاتب، والكاتب يحفز القارئ، يبدو الأمر بسيطاً، لكن هل هو كذلك حقاً؟ ما هي العلاقة بين هذه العوامل، العلاقات الكامنة في كل رواية أو عمل أدبي؟ يتخيل كثيرٌ من غير الكتّاب أن الروائيَّ كائن متغطرسٌ يملك سلطةً مطلقةً على ابتكاراته، يتلاعب بالشخصيات كالدمى ويلزمها بتنفيذ كلِّ نزواته، لا شيء أبعد عن الحقيقة من هذا. يرزح الكتّاب دائماً تحت رحمة ابتكاراتهم. وفي حين يبدو ضرباً من الخيال أن نفكر بالشخصية على أنها كيان مشكَّل وموجود مسبقاً يسبح في فضاء بدائي باحثاً عن كاتب يلتقطه دون وعي، فالأمر حقاً يبدو كذلك أحياناً, كسطْوٍ أدبي، أو حتى اختطاف، ثم تظهر الشخصية وتتولى القيادة، ويتشبث الكاتب باستماتة.

بالطبع هذه مبالغة أيضاً،  والحقيقة تكمن في مكانٍ ما في المنتصف، كما تملك الشخصيات أحياناً قدراً مزعجاً من السلطة، فالمؤلف لديه سلطة أيضاً وبها تتشبث الشخصيات باستماتة كي تستمر بالوجود. إن العلاقة بين الروائي و شخصياته تكافليةٌ تبادلية، والكِتاب هو ساحة  نتاج هذا التعاون.

العلاقة بين القارئ والكاتب مشابهة. مرة أخرى، يعتبر الكاتب ي عادةً المسيطرَ على تجربةِ القراءة، يغري القارئ بالقصة ويعلقه في شباكها، لكن الحقيقةَ أكثرُ تعقيداً، هذه العلاقة تبادلية أيضاً والكِتاب نتاجٌ مشترك. نعتمد، بوصفنا كتّابًا، على القارئ لإتمام أفكارنا و جُمَلنا، كل كلمةٍ أكتبها لا يفك غموضَها سوى عينُ القارئِ وعقلُه، و تُبعث المَشاهدُ حيةً لأن قارئًا ما يرغب في تحريكها مستخدمًا مخيّلتَه وتجربتَه في الحياة. منطقياً هذا يعني أن كلّ قارئٍ يقرأ روايةً مختلفة تماماً. “حكاية  الكائن الزمني” التي يقرأها القارئ ‘أ‘ تختلف كثيراً عن تلك التي يقرأها القارئ ‘ب‘، وكلُّ من انضم لنادي قراءة يوماً يعلم أن هذا حقيقي. هناك كتب عديدةٌ بقدر ما هناك قرّاء، ونحن الكتّاب نعلم ذلك وممتنون –أو على الأقل يجب أن نكون- أنْ لا يزال هناك أشخاصٌ في العالم يحبون الكلمة المكتوبة كفايةً ليقضوا أيامهم الثمينة يقرؤون الكتب بدلاً من الرد على البريد الالكتروني، وتصفح الانترنت، أو مشاهدة “لعبة العروش”.

كل معنىً يتم تكوينه بالتواصل، وبالتالي فكل معنىً نسبيّ. لا يوجد كتابٌ واحد مطلق، وواضحٌ أنه لا يوجد قارئٌ واحد مطلقٌ أيضاً، هناك فقط نتاج التبادل، المعنى الذي نكونه، أنا وأنت، في لحظة معينةٍ حين تطوف عيناك على الكلمات ويفسرها عقلك بدوره. ولأننا في تغيرٍ دائم، فالكلمات التي تقرأها اليوم تعني شيئاً مختلفاً للغاية إن قرأتها بعد شهرٍ أو سنةٍ من الآن. إن عدتَ يوماً لقراءة قصةٍ أحببتَها في طفولتك ستعرف كم هذا صحيح. القصةُ مختلفة، تكونَتْ مجدداً بتغيّر ذاكرتِك عن الزمان و المكان. غرفة نومك كطفل، لون الجدران، نوعية الضوء وصوت أحد والديك يقرأ بصوت مرتفع، بالإضافة إلى الحياة التي عشتَها في السنوات المنصرمة مُذ قرأتَ النصَّ آخر مرة.

صحيح أن هذا ينطبق على أيّ نصٍّ مكتوبٍ، لكن أظن أن الرواياتِ حالةٌ خاصة. كنت أناقش الأمر عبر البريد الالكتروني مع بعض أصدقائي الروائيين، وعلقت إحداهم، كارين جوي فولر، أن الكتاب ماهر في إعطائنا نظرةً على التاريخ والحياة، لكن الرواياتِ أوسعُ نطاقاً، لأنها تمنحنا فرصة النظر داخلَ عقلِ شخصٍ آخر. أوافقها الرأي، فالروايات هي الوسيلة الأكثر حميميةً مما ابتدعه البشر للتعرف على عقل شخصٍ يجهلونه. لماذا؟ لأن الروايات تتطلب التعاطف، التتبعَ الحادَّ لتحركات عقلِ وقلبِ شخصٍ آخر, مستمراً على مدى الساعات والأيام التي تستلزمها القراءة. ختمت دوروثي أليسون محاورتنا بقولها: “لا شيء أصدق من الأدب”. ومجدداً أوافقها الرأي، الأدب حقيقي لأنه لا يتظاهر بأنه حقيقي. لأنه نسبيّ بشكل واضح. لأنه يتغير مع الزمن تماماً كما نتغير نحن.

قارئ، كاتب، شخصية، كتاب، ليست هذه هوياتٍ ثابتةً نسكنها إلى الأبد، نحن أكثرُ مرونةً من ذلك –كائناتٌ زمنيةٌ إن صح التعبير- والخطوط التي تفصل بيننا ليست واضحةً كما نظن. نحن صورة مشوشةٌ لتداخلها واحداً مع الآخر، كتداخل الأنغام. حين تتواصل عقولُنا، تتفتح قلوبُنا ويبدأ إيقاعُنا بالتزامن مع الكلماتِ على الورق،  والنتيجة هي تعاونٌ وخَلقٌ مشترك، كتابٌ لا نستطيع أن نغلقه.

 

 

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *