كتّاب يكشفون أسرار الحرفة

ترجمة: علي زين مراجعة: آلاء نحلاوي

books

 

 ما الذي يجعل من الكاتب كاتباً؟

بيريل بينبريدج: عندما أكتب رواية، فإننيأكتب سيرة ذاتية عن حياتي الخاصة في معظم الأحيان. ولكي أجعلها تبدو كرواية، أنهيها بجريمة قتل أو حادثة موت.

إيان ماك إيوان: لم يكن أسلافي، أقربائي البعيدون أو الماضي جزءاً من إدراكي للعائلة أثناء نشأتي. لقد أثّر بي منفى أبي خارج سكوتلندا -منفى اختياري طبعًا- ثم منفاه من بريطانيا العظمى لاحقًا، و بالتالي ترك تأثيره فيما أكتب. عندما بدأت الكتابة لم أكن أشعر أني كنت جزءًا حقًا من عالم الأدب الإنجليزي، أو أنظمته في التصنيف أو أيًا كان. شعرت دائمًا أنني غريب عنه. وهذا ما تلاشى لاحقًا بمرور السنين. ولكني أظنه منحني إحساسًا بعدم وجود صلة لي بجذور العائلة العديدة وفروعها. يمكنني أن أصف قصتي مع الكتابة كالتالي: بدأت ككاتب وجودي، مهتمًا بقولبة الشخصيات، حيث تكون، خارج التواريخ والأماكن المعروفة والمحددة. وربما أصبحت كاتبًا أكثر تقليدية بمرور السنين، أو على الأقل كاتبًا مدركًا إدراكًا واعيًا وواضحًا لتقاليد الرواية الإنجليزية، حيث الكنوز التي حفظها لنا شارحو الشخصية والنفسية العظماء من القرن التاسع عشر.  وهكذا يمكنك أن تدرك عمق الفجوة بين قصصي المبكرة وصولًا إلى روايتي “الكفارة” بأجوائها الريفية، رواية كانت تمثل العودة نحو التاريخ والتقاليد الروائية. لذلك كان هناك فرق هائل بين تلك الرواية وأوائل قصصي القصيرة، بشخصياتها المجردة، بمدنها التي دون اسم، وبزمنها المجهول.

هيلاري مانتل: في عالم مثالي، أتخيل أن كل الكتّاب عاشوا طفولة كاثوليكية، أو ينتمون إلى دين آخر يقوم مقامه. فالكاثوليكية تخبرك في سن مبكرة جدًا أنّ العالم ليس كما تراه، وأنّ وراء كل ما تراه، وكل ما يظهر لك هناك واقع اخر أكثر أهمية. ذلك يشبه التوغل المستمر في الخيال. وأعتقد أن هذا هو بيت القصيد بالنسبة لي، إنني منذ السنوات الأولى من حياتي كنت أعتقد أنّ العالم له وجه ظاهر وآخر خفي، حيث وراء كل سبب هناك سبب آخر، ووراء كل تفسيرهناك تفسير آخر. وفي حالة توقفك عن الإيمان بالمذهب الكاثوليكي هذا لا يعني أن تفقد ذلك، فالعالم يبقى بالنسبة لك غامضًا وعصيًا على الوصف، و بالنتيجة لا يمكن تفسيره. يمكن تلخيص كل ذلك كما يلي: ” ليس كل شيء كما يبدو عليه”، وبطبيعة الحال هذا هو أول ما تعلمك إياه الكاثوليكية. وسينطبع ذلك بوضوح على كل ما ستكتبه وتلمسه لاحقًا. بالإضافة إلى ذلك، أتصور أنّه من الجيد أن يكون لديك شيء تتمرد ضده.

إيان رانكين: لم تكن الكتابة الشيء الذي يريد مني والداي أن أبدع فيه ولكن إذا كُنتَ من الطبقة العاملة وأبواك لم يملكا بيتهما بعد، ولم يملكا حتى سيارة للعائلة، فإنهما سيظنان أن دخولك إلى الجامعة سيؤمن لك مهنة مربحة. محاسب، محام، طبيب أسنان، طبيب. كانت هناك قريبة لي، إحدى خالاتي اللاتي نشأن مع أمي في “برادفورد”، كانت متزوجة من محاسب، وكان يملك سيارة فارهة. منزلهم كان ملكاً لهم، وبدا أن مستواهم المعيشي جيد جداً، لذلك فكرت: “حسناً إذاً، سوف أصبح محاسباً.” في الخامسة عشرةأو السادسة عشرة، هذا ما ظننت أنني سأقوم به، وكنت أحضر دروس الاقتصاد والمحاسبة. وبعد ذلك تبين لي خطأ اختياري، كنت حينها في السابعة عشرة، كنت قد خضعت لامتحانات الثانوية وبالكاد نجحت في مادة الاقتصاد، وفكرت: “يا للهول، لم أذهب  إلى الجامعة لدراسة تخصص لا يثير اهتمامي ومن الواضح أني لن أفلح فيه أبدًا؟”المادة التي أحبه افعلًا هي اللغة الإنجليزية، أحب الكتب”. كنت أعرف عددًا قليلًا جدًا من الكٌتّاب المحترفين الذين جعلوا من كتاباتهم وسيلة لكسب عيشهم. و ثناء حياتي الجامعية كنت أفكر: “سوف أضطر أن أصبح مُعلمًا، أو سأكون محاضرًا للغة الإنجليزية على أفضل تقدير، وسأستمر في الكتابة كهواية بدوام جزئي، على هامش حياتي سأكون كاتبًا.”

بينيلوبي لايفلي: عندما كنت في الحادية أو الثانية عشرة أظن أنني لا بد عبرت عن رغبتي بأن أصبح كاتبة. لا أتذكر أن كان لدي أيّ طموح لفعل ذلك، حتى وقت لاحقٍ من حياتي. لكن لا بد أنني قلت شيئًا لأن لوسي (مربيتي الخاصة) كتبت إلى الروائي الشهير سومرست موم أنها مربية لفتاة صغيرة تريد أن تُصبح كاتبة، وسألته عن اقتراحاته بخصوص الموضوع. الله وحده يعلم كيف تمكنت من الكتابة إليه، أظن أنها تلقت عونًا من الناشرين. ليرد هو وبرسالة في غاية اللطف قائلًا  بلا شك الشيء الصحيح تمامًا: “إذا كانت فتاتك مهتمة لهذا الحد بالكتابة، فإن أفضل عمل تقوم به هو الكثير من القراءة”. هذا بالضبط ما كنت سأقوله لو سُئلت.

هوارد جاكوبسون: لا أستطيع أن أتذكر وقتًا لم أرغب فيه أن أصبح كاتبًا، وأن أكون روائيًا على وجه التحديد. لا أتذكر أنني في أي وقت مضى أردت أن أكون شيئًا آخر. لم أكن أريد أن أكون رياضيًا،  ولا موسيقيًا،  ولم يكن لي أدنى اهتمام بالموسيقى، ففي مدرستي كنا أذكى من أن نهتم بموسيقى البوب. وبينما كان لدى الأولاد الآخرين صور للاعبي كرة القدم أو المطربين على جدرانهم، كنت وأقسم لك، أعلق صورة لـجورج إليوت، وأخرى لجين أوستن. كان لدي صورة أيضًا لبن جونسون، ونسخة من بورتريه لهنري جيمس للرسام سارجنت والتي كانت معروضة في ناشيونال بورتريه غاليري. ما أردت يومًا إلا أن أصبح كاتبًا، ولم أقدّر يومًا سوى الكتاب، و هذا لم يتغير، فأنا لا أقدّر سوى الكتاب.

فيليس جيمس: عرفت منذ طفولتي المبكرة أنني أردت أن أكون كاتبة، ولم يساورني أي شك حول تلك الرغبة. اعتدت أن أحكي قصصًا لأخي وأختي. كنا نتشارك الغرفة نفسها. تقاسمت مع أختي سريرًا واحدًا معظم طفولتنا – سريرًا مزدوجًا- وكان لأخي سرير مفرد جوار الجدار، كانا يرغبان في أنْ يكون ختام الليلة قصة أحكيها لهما، وكان خيالهما محدودًا نوعًا ما لأنهما كانا معجبين جدًا بمغامرات خنزير يدعى بيرسي.  كنت متأكدة أنني سأصبح كاتبة يومًا ما .

ما عدا القراءة، ما الذي يجعل من شخص ما يرغب بالكتابة؟ وما الذي يحدث على طريق تحقيق ذلك؟

بيريل بينبريدج: سببي الوحيد للكتابة أنني أردت أن أكتب عن طفولتي، أشياء كنت أعرفها، وأناس ألفتهم. لم أكن أؤمن بأن أحدًا  يمكنه اختلاق الأمور، ليس هناك شيء اسمه خيال. قد يقول البعض أنهم لا يعرفون من أين تأتي القصة، لكن يجب عليهم أن يعرفوا. لا يوجد شيء يمكنك أنْ تخترعه. الأمر بشكل عام، هو استرجاع للذكريات، وهذا وحده ما يجعلني أرغب بالكتابة.

مايكل موربورغو: من الأمور التي أخافتني من الكتابة، أنني عندما كنت صبيًا صغيرًا لم أمتلك أي أفكار، ولم يكن لديّ خيال واسع. ودائمًا ما كان يتردد ذلك من الآخرين على مسامعي، لم أكن قادرًا على أنْ أكتب بشكل جيد. كنت ألعب و أشاغب كباقي الأولاد، لكن على الورق  لم يكن لدي شيء مهم أضيفه، لا مغامرات يمكن أن أكتبها. أعتقد أنني تعلمت في مرحلة ما أن الخيال ليس شيئًا إمّا أن تملكه أو لا. بالنسبة لي –ولكلٍّ رأيه– الخيال يحفزه أشخاص حقيقيون، أحداث تاريخية وذكريات، يحفزه واقع من نوعٍ ما، ولا أعتقد أنني كتبت قصة يومًا ليس لها بعض الجذور العميقة، بذرة من حقيقة أو ملاحظة.

هيلاري مانتل: كنت أقرأعن الثورة الفرنسية مؤخرًا.  كنت قد اكتسبت اهتمامًا بها منذ أيام المدرسة، ثم توقفت خلال سنواتي الجامعية، ثم تذكرتها مجددًا واقتنيت واحدة أو اثنتين من السير الذاتية وواصلت اهتمامي بالموضوع، لأبدأ بعد ذلك في البحث عن المزيد والمزيد من الكتب وبدأت تدوين الملاحظات. إلى أن توقفت في يوم من الأيام وسألت نفسي: “ما هذا الذي تفعلينه؟” وكان الجواب :”أنا أكتب رواية”. أتذكر ذلك اليوم لأنه كان خطًا فاصلًا على ما أعتقد، واعترفت لنفسي حينها أن هذا هو ما كنت أنوي القيام به، عاقدة العزم على كتابة رواية كبيرة الحجم، ليس كما يفترض بالرواية الأولى لأي كاتب أن تكون. وأعتقد أنني حينها،  وقد كنت في الثانية و العشرين، وجهت كل جهدي لروايتي الأولى وكانت لدي تحفظات شديدة حول كفاءتي. كنت أعرف أنني يمكن أن أكتب من وجهة نظر نمطية؛ كنت أعرف أنّي يمكن أن أصنع مشاهد، ولكن لم أكن أعتقد أن لدي سعةً من الخيال، ولوقت طويل حرصت على إيجاد كل التفاصيل الممكن استخراجها من السجلات. إلى أن وصلت إلى موضع لم أجد عنه أية حقائق،  وفكرت: “هذا سيكون صعبًا، سأضطر إلى تأليفه بنفسي”، وتلك كانت المرحلة الثانية من كوني روائية، حيث أدركت أنني قادرة على القيام بذلك، لا أعرف كيف ولكنني آمنت بذلك. كنت لأراهن على كل شيء في حياتي مقابل أن ينشر الكتاب يومًا ما، مانحةً إياه أفضل ما فيّ، وأثمن أوقاتي. ولكن عندما أنظر الآن إلى الوراء، وأفكر: هل كنتُ لأنصح نفسي بالقيام بذلك؟ حسنًا لا.. لا أعتقد أنه من المفترض أن تعطي أي شخص تلك النصيحة، لأنه سيبدو مشروعًا متهورًا. أردت أن أكتب هذا الكتاب لأنه لم يكن موجودًا بالفعل. أردت أن أقرأ رواية جيدة عن هؤلاء الناس. كنت أريد للقارئ أن يختبر ما عشته من خيال. أعتقد أنه بدا حينها اليقين الأوحد في الحياة: سوف أنهيها وسوف تنشر. كان الطريق إلى النشر أكثر تعذيباً بكثير مما كنت أتصوره، ولكن في اليوم الذي  نشرت فيه روايتي أخيرًا، كنت قادرة على مصافحة نفسي البالغة من العمر حينها اثنين وعشرين عاماً.

كيف حددت نوع الكتابة المناسب لك؟

هاورد جاكوبسون: بعد سنواتٍ من محاولة الكتابة بطريقة لورنس أو جيمس أو تولستوي، عدلت عن ذلك وفكرت: “لن ينجح الأمر بهذه الطريقة”.  وجدت نفسي في نهاية مسيرتي الأكاديمية أدرّس في  كلية ولفرهامبتون للعلوم. وظيفة مذلّة في المدينة الأكثر ترويعًا، في وقت سيئ من حياتي. ما حدث هو أنني بدأت الكتابة حول هذا الموضوع؛ رواية ساخرة عن حرم الجامعة، رواية لم أفكر في حياتي أن أكتب مثلها. ولكن فور البدء قلت لنفسي: “إنها تنجح، يبدو أنها تستمر في بناء نفسها بنفسها”.ما بث فيها الحياة نوعًا ما هو كوني يهوديًا في هذا الوضع. دعوت شخصيتي سيفتون غولدبرغ وظللت أردد هذه العبارة التي تكررت عدة مرات في الرواية: “بما أن سيفتون غولدبرغ يهودي فقد..” ظانًا أن هذا سيمنح العمل بُعدًا ساخرًا.  لم أخطط يومًا لكتابة رواية هزلية، أو للكتابة عن الحرم الجامعي، أو عن اليهود، وكل ذلك اجتمع في رواية كانت تبشر بالنجاح.

فيليس جيمس: لم أقرأ الروايات الرومانسية أبدًا. لم أكن أجد متعتي فيها. بطبيعتي لم يرق لي الخيال ولم أحب أبدًا روايات الخيال العلمي، وأفترض أنّ من  الراحة النفسية للمرء أنْ يقرأ روايات  بوليسية، فهو نوع يثير فيّ الحنين. وإذا كنت قد قرأت القديمة منها فستدرك أنها تحتوي على عالم مختلف، عالم أكثر تنظيمًا،  و كثر أمناً ، على الرغم من أنها تتعامل مع الجريمة. تجعلك تعود مرة أخرى إلى تلك القرية الإنجليزية مع شخصيات مألوفة. شيء ما فيها يشعرك بالحنين والأمان، وفي نهاية القصص يحل لغز أفظع الجرائم ومن ثم يعود السلام والنظام. وفي المقابل، لا يحدث هذا في الحياة الواقعية. في القصص البوليسية الحديثة، وخاصة ما كتبته منها، لم يعد النظام و الأمن. ولكن في معظم القصص البوليسية الكلاسيكية يحدث ذلك، كنت أعرف أن الأمور ستنصلح فيها، سينتصر الخير ويهزم الشر. لذلك لهذه الروايات القدرة على تقديم العزاء للقارئ. أمّا بخصوص النوع. لا أعتقد أنّنا نختار نوعنا الخاص، بل على العكس النوع هو من يختارنا. فكرة أنك سوف تفقد السيطرة وأنت تكتب لطالما أرعبتني، وأعتقد أنّ  نوعي البوليسي هو شكل يتطلب سيطرة محكمة.

مايكل هولرويد: تعجبني فكرة أن كتّاب السيرة الذاتية يمكن أن يكونوا في أحيان كثيرة أشبهُ برسل بين الأموات و الأحياء، ما مغزى وجود كل هذه الرسائل والصحف؟ هل من الممكن أننا عندما نموت تختلف أولوياتنا فلا نرغب مثلًا أن نمضي موتنا صامتين؟ أعتقد أن هناك سببًا لجلب الموتى إلى الحياة من جديد بطريقة ما، وأن تكون رسولًا بينهم وبين الأحياء لهو سبب كافٍ.

من أين تأتي أفكارك؟

بينيلوبي لايفلي: عادةً ما تنبجس الفكرة الروائية لدي بطريقة غريبة، من القراءة وليس من الحياة اليومية أو الملاحظة. تأتي بشكل قلق فكري أو قضية ما تؤرقني، وبالطبع هناك الدور الذي تلعبه الذاكرة، وعليه قامت كثير من الروايات. تأتي بعد ذلك مسألة ابتكار طريقة السرد، والعثور على القصة والشخصيات وخلفياتها المتنوعة، فكل ذلك سيكون الوسيلة للتعبير عن تلك الفكرة. في الوقت ذاته لا أفضّل أن تظهر الفكرة بشكل واضح جدًا في العمل، أريد لها أن تكون القسم المغمور من جبل جليدي، أن تكون ثقلًا تتعثر الرواية بفقدانه.

إيان رانكين: فكرتي الروائية سؤال أبحث له عن إجابة، موضوع أرغب باكتشافه. قد تكون موضوعًا أساسيًا مثل: الانهيار المالي وماذا سيعني لمدينة مثل “أدنبرة”؟ كمدينة قائمة على المال، فكثير من الأعمال تعتمد عليه. أو يمكن أن يكون عن رهاب الأجانب، ويمكن أن يكون أحيانًا عن الاتجار بالبشر، سياسة الهجرة، انضمام اسكتلندا إلى مجموعة الثمانية، أو مثلًا، من يغير العالم؟ السياسيون؟ الناشطون الحقوقيون؟ أم يغيره الإرهابيون؟ الأفكار تأتي لي على هذه الشاكلة، عادةً من الصحف أو من الأخبار أو من المحادثات والنقاشات التي أجريها مع الناس. شيء ما يؤرقني، شيء عليّ أنْ أبحث فيه، وأدرسه بعمق، من ثم أجد طريقة لتحويله إلى رواية.

مايكل فراين: بظهور الأفكار في الذهن، أو أجزاء أفكار، تشعر بوجود شيء ما يتخذ شكلًا و معنى  يغريك. و كلما فكرت فيه  توغلت في ذلك العالم الجديد ورأيت المزيد منه. جزء مهم من الفكرة هو امتلاك نظرية عن كيفية سردها. ليس مجرد التفكير بأنه من الرائع الكتابة عن حرب القرم، بل وجود طريقة معينة في ذهنك لكتابة شيء عن حرب القرم. معرفتك بطريقة إخبارك للقصة يساعدك حتمًا على رؤية أوضح لقصتك. القصة بدورها ستقترح عليك وسيلتها وسردها  الخاص، والوسيلة ستقترح القصة. إنها تعتمد على بعضها البعض، ولن يكون لديك خيار في هذه المسألة. تأتي الأفكار، ومن ثم تقترح الشخصيات وجودها، ثم تفرض طبيعة القصة وطبيعة الشخصيات الطريقة التي ستكتب بها. أعتقد أن الكثير من الناس ممّن ليسوا من الكتّاب أو الرسامين، يظنون أن حياة الفنان تنطوي على حرية كبيرة، لكنها ليست الحقيقة، إنها محدودة بقدر حياة أي شخص آخر بالمواد المتوفرة لديه. تبدو الفكرة واقعية جدًا في الذهن، يبدو الأمر اكتشافًا أكثر منه اختراع. وأرى أن ذلك يشبه حيلة نفسية، لأن محور الخيال هو الاختراع، ولكنه لا يبدو كذلك أثناء الكتابة. يبدو كما لو كنت تكتشف ببطء شيئًا موجودًا بالفعل، فتواصل بدأب لترى كيف تترابط أجزاؤه المختلفة مع بعضها.

هيلاري مانتل: الفكرة التي تنطلق عادة بالكتاب هي كالجذوة دقيقة جدًا وظرفية. ولذلك فأنا أرى شيئًا، أسمع، وأفكر أنه قد يصنع فكرة ما، ثم عليّ بعد ذلك أنْ أكشف المناطق الشاسعة لفكرتي. ليس هناك فكرة بسيطة أبدًا. وأثناء الكتابة سوف أكتشف: “أوه، هذا هو ما أنا مهتمة حقاً بكتابته، أكثر من أي شيء آخر”. ولكن هذا مقتصر على فترة عملك على الرواية. إنها طريقة للانغماس بها واضعًا ذكاءك وعواطفك وشخصيتك في خدمتها. لكن عند البدء لا يمكن أن تتوقع كم ستصبح الحكاية آسرة. إنه مثل سماع صوت والتساؤل: “هل هذا صوت رعد؟” لتأتي حينها الفكرة كعاصفة وتقترب منك أكثر فأكثر حتى تجد نفسك في خضمها قبل أن تنتبه.

كيف تنجح القصيدة؟ و هل يمكن أن توجد لمجرد رغبتنا بها؟

ويندي كوب: لا بد أن يكون لديك ما تقوله، لكن لا تعرف ما هو بالضبط، في كثير من الأحيان هي مجرد بعض الكلمات في ذهنك. تعتقد أنها يمكن أن تصبح سطرًا من قصيدة، لذلك تكتبها لترى أين سينتهي بها المطاف. واحد من المفاهيم الخاطئة الرئيسية عن الشعر هو أن الشاعر لديه جدولة لموضوعاته الشعرية وما ينوي أن يكتبه، ليس أن الكلمات تخطر ببساطة في ذهنه فيبدأ باللعب بها، ليعرف ما ستؤول إليه. أحيانًا يحدث أن أحاول بجهد كتابة قصيدة ولكنها تخرج من رأسي ميتة، لأنه لم يكن فيها ما شعرت به بعمق أو ما يستحق أن يقال. من الأشياء المهمة التي تجعل القصائد ناجحة ومؤثرة هو قوة العاطفة، وأتذكر مرةً أنني سمعت جيمس بيري يقول إن أهم ميزات الشاعر الجيد هي الشعور بالأشياء بعمق، وأضاف: “بالطبع ليس الشعراء هم الفئة الوحيدة الذين يمكن أن يشعروا بالأشياء بشكل مكثف، لكنها واحدة من أهم الصفات.” و أظن أنه على حق.

جون فولر: هل لكَ أن تختار ما تكتب؟ أعتقد أنني مع تقدمي في العمر، أصبحت أكثر قدرة على اختيار موضوعاتي، و الجلوس ببساطة للعمل عليها، بدلًا من انتظار شيء سيصعقني مثل الإلهام أو الوحي. كنت أحاول أن أقوم بشيء مجنون قام به براوننغ كهدف حدده لنفسه مع بداية السنة الجديدة، و هو كتابة قصيدة كل يوم، هذا مستحيل تمامًا لأنه -على سبيل المثال- إذا كنت ستكتب قصيدة طويلة فلن تكتبها في يوم واحد. وإذا كان عليك أن تذهب مثلًا إلى طبيب الأسنان صباح الثلاثاء، و حدث أمر ما فجأةً بعد ظهر اليوم نفسه، حينها سيكون يومك كله قد ضاع، ولن تجلس في المساء لإكمال قصيدة، لذلك فمن غير الممكن حدوث ذلك لأسباب عديدة. على العموم، الرغبة بالكتابة باستمرار، أن تجد القصيدة الجديدة أو الموضوع الجديد على الفور فتلك تجربة مثيرة للاهتمام. جربت مرة واحدة المواصلة لفترة طويلة، ومن ثم تخلصت من معظم ما كتبت، لكن أعتقد أن مجرد كتابتها كشف الكثير من الأمور بالنسبة لي والتي أدت في نهاية المطاف إلى القصائد. كانت مواد أتمكن من الاستفادة منها، وقد أوحت لي بالكثير، أبعد مما كتبته على الورق. براوننغ استسلم بعد ثلاثة أيام، لكنه كان قد كتب في إحدى تلك الأيام قصيدته تشايلد رولاند، ما يعتبر إنجازًا  جيدًا فتلك قصيدة طويلة.

هل تتبع روتينًا في الكتابة؟ وما هي الأدوات التي تستخدمها؟

مايكل فراين: من الصعب على الكاتب أن يبدأ كل مرةٍ بذهن خامل، فلا يستطيع أن يكتب شيئًا. في حالتي مثلًا أطّلع على ما كنت قد أنجزته في اليوم السابق وأجري بعض التصحيحات الصغيرة، غالبًا أخطاء الطباعة وبعض الأخطاء النحوية، ثم أعدّل جملة ما، وتدريجيًا أجد نفسي غارقًا في العالم الذي ابتكرته، فأعيد كتابة ما كتبته أمس، إلى أنْ أصل إلى النقطة التي توقفت عندها وأستمر من بعدها. وفي نهاية كل يوم من الكتابة أحاول -عندما يكون ذهني متقدًا والأشياء تحدث بتدفق وسلاسة ولكنني متعب لا أستطيع أن أستمر- أن أكتب ملاحظات وتصور مبدئي لما يمكن أن يظهر لاحقًا على الورق، أدون أي شيء بذهني في نهاية ذلك اليوم المرهق. أفرغه مبعثرًا على الصفحة بحيث أنه عند بدء الكتابة في اليوم التالي سيكون لديّ بعض الأشياء الجاهزة لأنطلق منها من جديد.

إيان رانكين: هناك بعض الكتاب الذين يقولون: “أذهب إلى مكتبي في التاسعة صباحًا لأكتب حتى الساعة الثانية عشرة، وبعد ذلك أنقح من الساعة الثانية حتى الرابعة وهكذا ينتهي يومي، حين أنهي كتابة ألفي كلمة في اليوم فهذا حدي”. أما أنا، تمضي عليّ أيام لا أكتب فيها أي شيء على الإطلاق. قد أجلس أمام الحاسوب فلا يخطر لي أي شيء، أضطر إلى انتزاع الكلمات انتزاعًا و كأنني أنقب عن الفحم، فأقول لنفسي: “لا، هذا لن يجدي”، وأترك كل شيء لوقت لاحق.

آن فاين: المسودة الأولى لأي شيء تكون بقلم الرصاص، ثم في وقت لاحق من اليوم نفسه أو كلما تفرغت كنت أقوم بطباعتها، ثم أقوم بالتصحيح، معتمدةً على قلم الرصاص مرةً أخرى وهكذا مرارًا وتكرارًا.  بعض الصفحات تأتي بسهولة إلى حد ما ولا تأخذ مني الكثير من التصحيح، لا سيما إذا كان الكتاب موجهًا للأطفال حيث يتوجب عليّ أن أبقي النثر بسيطًا للغاية. وكلما كان القارئ المقصود أكبر سنًا ازداد الأمر تعقيدًا.  لذلك قد ينتهي بي الأمر بطباعة صفحات معينة عشرين أو ثلاثين مرة. حافظت –لمجرد رغبة محضة- على كل مسودة لبعض رواياتي، يمكنني ملء صندوق بارتفاع ثلاثة أقدام بالمسودات.

مايكل هولرويد: ما أحبه حققًا هو إعادة الكتابة ولكن لا يمكنك إعادة الكتابة، حتى يتوفر لديك شيء كتبته بالفعل. وهذا أمر فظيع. ثم عليك إعادة كتابة ما أعيدت كتابته، وهكذا دوالَيْك، حتى عشر مرات، على أمل جعله أقصر وأكثر كثافة، وشحنه بطاقة أكبر. وحتى لو كان النص محزنًا،  كنت أرغب في الحصول على جوهر العبارات الأكثر حزنًا، ومن ثم ربطها بطريقة ما للحصول على نتيجة مثالية. لدي الطاقة من بداية المسودة الأولى حيث الزخم والقدرة على الاسترسال وكشف المزيد، ثم أحاول الاستمرار في التشذيب أكثر فأكثر.

هيلاري مانتل: عندما كانت لدي آلة كاتبة كان علي أن أنجز الكثير من الكتابة باليد. كانت الطباعة عليها تعد نسخًا لما كتبته، مع تشذيب بسيط، لكن لم أنجز عملًا متقنًا من بدايته باستخدامها. بمجرد أن انتقلت إلى الكمبيوتر وبدأت العمل على الشاشة، حيث أحسست بظهور الكلمات كما لو كانت تظهر من اللاوعي بجهد الكتابة البسيط مقارنة بالآلة الكاتبة اليدوية. لم أعد أسمع ضجيج الضرب على المفاتيح. حل محل ذلك عملية الكتابة الجديدة الصامتة – تقريبًا– مما يمكنني من سماع الإيقاع في رأسي بشكل أفضل. كان (فلَد) الكتاب الأول الذي عملت عليه باستخدام الحاسوب بالكامل. وأعتقد أن تلك الطريقة في الكتابة قد شكلت فرقًا كبيرًابالنسبة لي. أستطيع أن أفكر بتلك الكتابة السلسة كما لو أنها تأليف موسيقى، سماع لحن بعيد وتأليف قطعة موسيقية، وهو ما لم أستطع القيام به على الآلة الكاتبة.  بالطبع قريبًا لن يفهم أحد ما أقصد:  لن يكون هناك واحد على الأقل على قيد الحياة قد جرب الآلة الكاتبة، كانت عملية الكتابة عليها مرهقة للغاية.

 ماهو نوع العلاقة بين الكتّاب، والشخصيات التي يخلقونها على الورق؟

مايكل فراين: أنا مهووس جدًا بالشخصيات ولا يمكنني إلا أن أفكر بها على نحو متواصل. ومهما كنت تتصورها قبل البدء بالكتابة، ومهما كنت قد خططت مسبقًا،  فإن الأحداث سوف تتغير بمجرد أن تبدأ العمل عليها. الأحداث هي الشخصيات، والشخصيات هي الأحداث. لذلك هي في حالة تغير مستمر. إنها مستقلة، ليس الأمر كالتفكير بالأصدقاء أو بأشخاص نعرفهم ولا نملك سيطرة على حياتهم. مع الشخصيات أنت في الحقيقة تخلق حياتهم بالمشاركة معهم، يبدو الأمر -وأنا أدرك أن هذه خدعة نفسية-  كما لو أنهم يتحدثون ويقومون بقيادة حياتهم، إنها علاقة تكافلية جدًا. وكأنك تعمل مع شخصيات لديها العقول الخاصة بها، وطريقة التفكير الخاصة بها، ولكنك في نفس الوقت معنيّ بمشاركتهم في قيادة حياتهم.

فيليس جيمس: كيف تعمل الشخصيات بالنسبة لي؟ ربما أفضل إجابة لذلك السؤال هو افتتاحية روايتي “رغبات وأدوات” . تبدأ هذه الرواية بجريمة قتل فتاة شابة، وأعتقد أنها كانت تسمى بريندا. الفاعل قاتل متسلسل يقتل النساء ويقص شَعرهن، ومن ثم يُصفِّر، لذلك فهو يسمى “المصفّر” في الرواية. السطور الافتتاحية توضح أن بريندا كانت ضحيته الخامسة، وسبب وفاتها هو أنها فوتت الحافلة. كانت الحافلة متوجهة من وسط المدينة -“إيبسويتش”، حيث كانت في حفل راقص- إلى منزلها في القرية. حصلت على توصيلة مع امرأتين، لكنهما كانتا تستطيعان إيصالها لجزء من الطريق فقط، تركاها في نهاية طريق المدينة حيث كان القاتل. عندما كنت أكتب هذا المقطع كنت أنا بريندا، أشعر قبل كل شيء بالارتياح لأنها ستتمكن من ركوب الحافلة، ثم إدراكها بأن هناك قاتل، و بعد ذلك الخوف والقلق المتزايد. كنت أنا بريندا، أعرف ما حدث في الحفل الراقص، على الرغم من أنني لم أكن أريد أن أكتب عن ذلك. كنتُ أنا بريندا وأعلم بالضبط من ستلتقي في المنزل عندما تصل إلى هناك، أعرف تمامًا كيف كانت علاقتها بوالديها، وعلى الرغم من أن لا شيء من هذه التفاصيل كان سيروى في الكتاب، إلاّ أنني عشت الشخصية تمامًا.  ولكن في الجزء الآخر من ذهني، الذي كان يدرك أنني لستُ بريندا، كنت أفكر كيف يمكنني إكمال وصف تلك الرحلة. و تخيلت: سيكون هناك شجيرات على الجانب الأيسر حيث كانت تمشي، لأنه أكثر إثارة للخوف من الحقول المفتوحة، وعلى الجهة اليمنى أشجار مشوهة كتلك التي في “إيست أنجليا”، أشجار شوهتها الرياح. بعضها يبدو كساحرات تلوحن بأذرعهن؛ منظر مشؤوم. ثم سأجعل سيارة تمرّ، مصدرةً ذلك الصوت المألوف والمطمئن، شعلة من ضوء وصوت يندفع مبتعدًا بسرعة، ويتركها غارقة أكثر بالوحدة و العزلة. إذًا هناك مهمة مزدوجة، أن تختبر ما تختبره الشخصيات، وفي الوقت ذاته تفكر في كيفية تقديم كل ذلك بشكل حيوي وفعّال للقارئ.

بينيلوبي لايفلي: أنا حريصة جدًاعلى الحوار كوسيلة لتحديد شخصياتي الروائية، لذلك كثيرًا ما أجد مفكرتي تمتلئ بمقاطع من حوارات بين اثنين من الشخصيات أدعوها مبدئيًا’أ’ و ’ب’، أو ’س’ و ’ع’. لم يحصلوا بعد على أسماء. ولكني أعرف من يكونون، رجلًا أم امرأة؟ هل سيعتبرون شخصيات مركزية، أم لا؟ لكني لم أحدد لهم أسماء بعد، لأن أسماءهم ستأتي في وقت لاحق، أريد أن أسمع ما يقولون، أن أعرف كيف هي أصواتهم. وبهذه الطريقة أكون قادرة على روايتهم كشخصيات. من المهام الأشد غرابة في عالم الرواية، هي تسمية شخصيات روايتك، لأنها على نقيض أسماء الناس في الحياة الحقيقية. فأنت مثلًا لم يتم اختيار اسمك لأن والديك يعتقدان أنك تبدو كمن اسمهم “سارة” أو “بينيلوبي”. لقد اختاراه لك لأنه يعجبهم، وربما لأنه يتناسب مع كنيتك. في حين أنك في الرواية تشعر بأن عليك أن تجعل الاسم يتناسب مع طابع الشخصية، حيث لن تكون قادرًاعلى إطلاق اسم غريب مثل “بيرسيفال” على شخصية بطابع يتناسب مع أسماء مثل “توم” أو ديك”.

هيلاري مانتل: من أين تنبثق الشخصيات؟ يجب عليك أن تخلقها من أعماق ذاتك، وهل هناك مكان آخر يمكن أن تأتي منه؟. لتبتكر بطل رواية ما يجب أن يكون لديك الاستعداد الكافي للعيش من خلاله،  وبالنسبة لي هذه العملية هي بدنية وذهنية على السواء، لا أعرف تمامًا كيف أعبر عن ذلك، ولكني مرتبطة دائمًا بشكل مكثف مع شخصياتي بحيث تتسرب إلي صفاتهم الجسدية، لدرجة أنني قد اكتشفت للتو مباهج العمل مع شخصية رئيسة تتمتع بصحة جيدة. عندما بدأت كتابة “وولف هول”، روايتي عن شخصية “توماس كرومويل”، أصبحتُ أكثر قوة. تحسنت صحتي فجأة وشعرت كما لو أن حدود كياني قد أصبحت أكثر ثباتًا.  كان جسد “كرومويل” قصيرًا،  عريضًا، بدينًا، و قويًا جدًا. و لطالما تصورت أنه يستحيل طرحه أرضًا. وهذا أمر مهم لأنه كان جنديًا، عاش شبابًا حافلًا بالمغامرات. وقلت لنفسي: لو كنت أعرف كم سيكون الأمر منشطًا لبدأت كتابة هذه الرواية منذ سنوات! فمن المدهش حقًا ما يمكن للخيال أن يحققه، ما يمكن أن يتسبب به في العالم الحقيقي، وفي كل يوم كنت أكتشف مدى قوة ما يمكن لعقل المرء أن ينتجه.

كم تتطلب مسودة كتاب ما من تخطيط مسبق؟

بيريل بينبريدج: الهيكل هو الجزء الأهم من الكتابة. قد تفكر بنسج حبكة رائعة، ولكن ما لم تكن تعرف كيفية تنظيمها وكيف تضع كل شيء في موضعه فلن تحصل أبدًا على التأثير الكامل لنصك.

إيان رانكين: أنا لست مسيطرًا أبدًا على ما أكتبه، كما لو أن هناك شكلًا لم يظهر لي بعد. وعندما أبدأ في كتابة الرواية، يتجلى ذاك الشكل. الرواية تقرر الطريقة التي تريد أن تستمر بها؛ هل تريد أن تتبع هذه الشخصية أو تلك؟ هل تقدر تلك الشخصية الثانوية على إثارة الاهتمام و تستحق أن ترتقي إلى شخصية رئيسية؟ أو هل هذه الشخصية الرئيسية لا ضرورة لها و عليها أن تستُبعد كاملةً من العمل؟ربما يكمن شكل الرواية وهيكلها في اللاوعي، مدفونًا بطريقة ما في أعماقي. الرواية بالنسبة لي مثل السير على الحبل، لأنك لا تملك أي فكرة عندما تبدأ الكتاب، ما إذا يمكنك الانتهاء منه أم لا، هل سيكون له خاتمة مُرضية أم لا. كاتب مثل” جيمس إلروي” على سبيل المثال، كان يكتب من مئتي إلى ثلاثمائة صفحة كموجز للكتاب قبل أن يبدأ حتى بكتابته لأنه كان يحتاج إلى معرفة كل ما سيحدث فيه. أما أنا  فلست بحاجة لمعرفة كل ما سيحدث. أنا أكثر سعادة بلعب دور المتحري. مسودتي الأولى ستسمح لي بالتعرف على شخصياتي ودوافعها وكل شيء آخر، لذلك دائمًا أبدأ روايتي دون أن أعرف عنها أكثر مما يعرف ريبوس، أو أيًا كانت  الشخصية الرئيسة . أعتقد أن تلك الطريقة مفيدة للحفاظ على مستوى التشويق، لأنه إذا كان الكاتب نفسه لم يعرف بعد كيفية سير القصة، فالقارئ أيضًا سيشاركه عدم معرفته. لذلك لا أفضل أن أجعل من الأشياء والأفكار بعيدةً عنوة، لأنه لم يوجد لدي بعد فكرة شيء ما لأجعله بعيدًا  لذلك ليس عندي هذا النوع من التضليل وحجب المعلومات المهمة عن القارئ، وهو ما فعلته “أجاثا كريستي” ببراعة طوال حياتها المهنية. أمّا بالنسبة لي فهذه الطريقة هي الجزء الأقل إثارة للاهتمام في أدب روايات الجريمة.

فيليس جيمس: في الوقت الذي تبدأ  فيه الكتابة، تكون الحبكة جاهزة، وهناك المخطط الذي يحوي ترتيب كل شيء كي يبقى هيكل الرواية صحيحًا.  ولكن ذلك يتغير، حيث تظهر أفكار جديدة أثناء الكتابة، وهذا ما يجعلها مثيرة للغاية. أفكار جديدة ستتدفق حولك وستحيا بها بحماس كبير وستفكر: “أوه، هذه الفكرة ذكية بالفعل، نعم، منطقية وصحيحة ولا مفر من تدوينها”. لهذا السبب لم أكتب يومًا الكتاب الذي ظننت أنني أريد أن أكتبه.

مايكل هولرويد: عندما أكتب سيرة ذاتية أو تاريخًا أو مواضيعَ غير روائية، أبحث دائمًا عن وسيلة للهروب من سجن التسلسل الزمني قبل أن أعود إليه مرةً أخرى. وفي أحيان كثيرة ما أحاول القيام به هو أن يكون تقدمي في السرد عبر خطين: أولهما هو طريقة القفزات الزمنية مثل: “ثم.. بعد ذلك.. لاحقاً.. فيما بعد..” أو بطريقة السنوات مثل:” 1900، 1901، 1902″. والآخر هو الخط  المتعلق بتدفق المواضيع، والتي لا تبقى تمامًا في وفاق مع الخط الآخر، وبالتالي فإن التحدي هو أن تمتلك ناصية سردية يمكنك فيها أن توقف تسلسل الزمن، ويكون لك وقفات تهتم فيها بالمواضيع ومن ثم تعود مرةً أخرى للتسلسل الزمني. في إحدى المرات، في كتاب السيرة الذاتية لجورج برنارد شو، تركتُ سيدني ويب على قمة تلة في تاريخ معين، وأكملت بقية المواضيع “ثم.. وفيما بعد..”، وبعد ثلاثين صفحة عدتُ وفكرت: “حسنًا، يمكنه أن ينزل الآن”.

بعد الانتهاء من عملك، كيف  لك أن تحكم على جودته؟

جون فولر: لا أعتقد أن الكاتب سيكون بالضرورة حَكَمًا جيدًا على عمله، سواء حكم سلبًا أم إيجابًا.  فهو إما أن يكون مولعًا بعمله بشكل مفرط، وإما أن  ينتقده بقسوة.

بيتر بورتر: لم أكن يومًا واثقًا من جودة ما كتبت، وأعاني مثل كل الكتّاب من خيبة أمل، ليس بسبب تلقي الناس لما كتبت، ولكن بسبب عدم قدرتي على تحقيق ما رغبت بكتابته وإخراجه للعالم. قال الشاعر “أودن” مرةً في مقدمته للأعمال الكاملة لقصائده: عادةً ما تكون هناك أربع فئات في نتاج كل كاتب -كان يحب تصنيف الأشياء- الأولى: قصائد  من الهراء المحض والتي يأسف لكتابتها، الثانية: قصائد ليس لديه شيء ضدها باستثناء أنها ليست ذات أهمية، ليست جيدة لكنه لا يكرهها. الثالثة:  القصائد الأتعس من كل شيء، القصائد التي تقطر حزنًا و أخيرًا: حفنة القصائد التي هو يمتن حقًا لكتابتها، والتي لو نشرها لجعلت عمله يبدو ضئيلًا و ليس ذا أهمية.

 كيف تتصرف إزاء النقد؟

بينيلوبي لايفلي: وقت نشر الكتاب، أتمنى لو أختفي تماماًا إلى الجانب الآخر من العالم، أو أخبئ رأسي تحت أية وسادة، ولكنك ككاتب لن تستطيع فعل ذلك. لذا فأنا أكره تلك الأوقات العصيبة. لطالما أحببت السنة التي لا أنشر فيها كتابًا، وأكره السنة التي يصدر لي فيها كتاب. من الصعب تقبل النقد، لذلك بعد النشر عليك أن تجلس وتعاني من كل ذلك. يقول بعض الكتّاب أنهم لا يقرؤون مراجعات كتبهم بعد النشر، لست واثقة من أنني أصدقهم، فذلك يعني ألا تقرأ جريدة لمدة شهرين على الأقل.

هيلاري مانتل: على الناشرين أن يراعوا المؤلف حقًا لمجرد أنه تمكن من وضع أسس صحيحة لكتابه. وما عدا ذلك فلهم الحرية في أي رأي يتخذونه، وبين الحين والآخر سوف يساء فهم كتابك بشكل محبط، ولكن على كل حال نحن نعطي كتبنا للعالم لكي يساء فهمها. ككاتب لن يمكنك تنصيب نفسك لتتجول وتشرح مقاصدك وتحتج على سوء فهم النقاد لك، لأن لهم مطلق الحرية لفعل ذلك. الحل الأمثل هو أن تكون منغمسًا في مشروع آخر في الوقت الذي تصدر فيه المراجعات، وهذا وحدهُ ما سيمنحك الطاقة والدافع للمواصلة. كتابك الجديد وليس الكتاب القديم هو ما سيبقيك داخل مدار الثقة الخاص بك. لكن أعتقد أن الأمر متعلق بما يحدث يوميًا، أكثر مما يقوله النقاد، فصفحة فارغة تخلق أزمة نفسية كل صباح، وبمجرد أن شققت طريقك متجاوزًا كل الصعوبات التي يفرضها الكتاب، ثم فعلت ذلك مرارًا ، فهذا هو الشيء الذي يمنحك الثقة.

مايكل هولرويد: لقد غيرت عددًا من الأشياء نتيجة لقراءة ما كُتب عن كتبي وفكرت: “تلك نقطة رائعة، لم أفكر أبدًا بها، وإن حصلت على فرصة أخرى للقيام بذلك سوف أكتب ملاحظة لأذكر نفسي”. وحدث أن سنحت لي الفرصة، وقمت بالتغيير، قد تكون كلمة واحدة. لكن أعتقد أني  ربما أصبحت أكثر حساسية تجاه النقاد. وأود أن أقول : إن الناس كلما تقدموا في السن يصبحون إما أشبه بالحجارة أو مثل الإسفنج، وأنا ربما أكون مثل إسفنجة بطريقة ما. أستثمر كل شيء فيما أكتب، لذا أريد لكل كتاب جديد أن يحظى بقبول حسن.

ماذا عن الدعاية والتسويق للكتاب؟

بيريل بينبريدج: في الأيام الخوالي يحدث أنْ تنتهي من كتاب، وإذا كنت محظوظًا سيحظى بالنقد ، و بعد بضعة أشهر كل ذلك ينسى، إلى أن تصدر كتابًا جديدًا.  ولكن في الوقت الحاضر، إذا أنجزت كتابًا عليك أن تذهب لجميع أنحاء البلاد، عليك أن تروج له -الناشر يتوقع منك ذلك-، ستقوم بتقديم قراءات أو سَتتحدث عن كتابك على التلفاز أو الراديو. يمكنك رفض دعوات لأمريكا، الهند، أستراليا، وإلى جميع المهرجانات المختلفة. بالنسبة لي كنت دائمًا أتجاهلها لأني أكره السفر. سيكون هناك الكثير من المقالات في الصحف، سوف يأتون إليك، يقابلونك، ويلتقطون لك صورة مزرية أخرى. ستذهب من مدينة إلى أخرى تعيد القراءات مرارًا،  ففي الوقت الحاضر هناك ما يسمى مهرجان الكتاب يقام شهريًا، لذلك سيكون هناك دائمًا مكان للذهاب إليه.

بيتر بورتر: في العالم الذي نعيشه اليوم، لا يمكن أن تكون ناجحًا –أي أن تكون أعمالك قد نشرت ولقيت تقديرًا حسنًا كأعمال شكسبير- وتبقى في الوقت ذاته مجهولًا للعامة كما كان شكسبير في زمانه. لو كان على قيد الحياة اليوم لوجدته مذكورًا في كل مكان، سيظهر يوميًا في البرنامج الحواري الصباحي، ستلتقط له ألف صورة وصورة، ستجرى معه المقابلات طوال الوقت و لن يستطيع تجنب ذلك.

إذاً فلماذا نكتب؟

بيتر بورتر: الأدب هو نوع من الحفاظ على استمرارك وتقدمك، في حين تكون العديد من المصائر تتداعى وتتحدد حولك. إنها وسيلة للتعامل مع الوقت على ما أعتقد. كبشر لن نعيش طويلًا كما يبدو، ومع ذلك قد تبدو أربع و عشرون ساعة من الكتابة عبئًا كبيرًا جدًا.

مايكل هولرويد: السعادة الوحيدة التي قد تحدثها الكتابة، هي إنجاز الكمية التي أردت، أو اكتشاف شيء ما على الصفحة يمكن أن ينجح، تتناول الورقة وتحدق بها لتجد أنها حقيقية، الشيء الذي لم تكن تعرف أنه سيتحقق في نهاية اليوم، والآن أنت تعرف ذلك. هذه هي السعادة الحقيقية، ولو لم يكن هناك ذلك العنصر فما هو الهدف من الكتابة؟ لولاه لكان تحريك القلم على الورقة شيئًا غير ممتع على الإطلاق.

فيليس جيمس: في الكتابة هناك أوقات من الملل، أوقات من الندم أو خيبة الأمل، وهناك أوقات من مجرد العمل الجاد، وهنالك الأوقات التي تتساءل فيها عمّا إذا كنتَ ستستمر اليوم -حيث من الأفضل عدم ترك العمل والانتظار حتى يأتي الإلهام. الكتابة في معظمها قاتلة، ولكنها ممتعة بشكل كبير، والكاتب يكون في أسعد حال عندما يكتب أو يخطط لحبكة ما، على الأقل معظم الكتاب كذلك، على الرغم من أن بعض الكتّاب إن سئلوا عما إذا كانوا سعداء ككتّاب يجيب معظمهم : “لا، لا أعتقد ، ولكن سنكون تعساء جدًا لو لم نكن كتّابًا”. أظن أن الكتابة تحتوي عنصرًا قسريًا يعلقنا بها.

بيريل بينبريدج: أنا لا أكتب من أجل القرّاء. ولا أعتقد أن العديد –أو أيًّا – من الكتاب يكتبون للقرّاء. يقولون أنهم يفعلون، لكن هل هذا حقيقي؟ بالنسبة لي أنا أكتب لنفسي فقط، وعندما يقول شخص ما: “لقد منحني كتابك الكثير من المتعة” أقول لنفسي: “كم هذا غريب!” لا أعرف كيف أرد حينها، وبالطبع لن أجيب بما أفكر فيه؛ أبتسم و أقول: ” كم هذا لطيف”. أؤمن أنني كنت لأكتب سواءً تحقق لكتبي النشر أم لا ، أنا فقط أحب الكتابة.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *