استعد للقصيدة مع إليزابيث جورج

ترجمة: ريم الصالح

إليزابيث جورج

لو أن روميو وجولييت خططا لمواعيد اللقاء في البستان المكتسي بضوء القمر، رغم الخطورة والعذوبة أيضًا التي تحوط هذه المخاطرة، ومن ثم –على الأرجح- أن يفشلا في اللقاء –بتخلف أحدهما أو خوفه أو انشغاله في مكان آخر- ما كنّا لنرى أية رومانسية أو شغف، لا شيء من الحالة الدرامية التي ما زلنا نتذكرها ونحفل بها. كتابة القصيدة لا تختلف كثيرًا، إنها أشبه بعلاقة حب ممكنة نوعًا ما بين شيء، كالقلب مثلًا – مصنع العواطف؛ ذاك الشجاع والخجول في الوقت نفسه- وبين المهارات المتعلمة للعقل الواعي. إنهما عندما يتفقان على المواعيد بينهما ويفيان بها، سيحدث أمر ما. أما لو اتفقا على مواعيد وكانت متقطعة وغالبًا ما يخلفانها –تأكد من ذلك- لن يحدث شيء.

يغذي الجزء النفسي الذي يعمل متواطئًا مع الوعي جانبًا ضروريًا من القصيدة (يمكننا القول إن حرارة النجمة الداخلية تتعارض مع شكلها مثلًا) كل ذلك يوجد في صورة غامضة التفاصيل، لا هي دون الوعي ولا هي حتى في الوعي الباطن، بل هي صورة حذرة. إنها تتعلم بسرعة طبيعة العلاقة التي ستكونان عليها، ولنقل بأنك تعهدت بأن تكون في مكتبك كل مساء من الساعة السابعة وحتى التاسعة، فإنها ستنتظرك وتراقبك، إن كنت جادًا  فإنها ستبدأ بالكشف عن نفسها، شيئًا فشيئًا ستأتيك عندما تفعل. ولكن لو كنت هناك بعض الأوقات فحسب، وغالبًا ما تكون متأخرًا وشاردًا فإنها ستأتيك بصورة عابرة أو ربما حتى لن تأتيك أبدًا.

تتساءل لماذا ستفعل بك ذلك؟ يمكنها الانتظار؟ يمكنها أن تظل صامتة لعمر كامل. على كل حال، من يعلم ماهي تلك النزعة الجامحة والعذبة في أنفسنا والتي لا يمكن للقصيدة أن تولد بدونها؟ لكننا نعلم أمرًا؛ إذا كانت ستخوض في علاقة عاطفية وتتحدث بما في جزئها الخاص من العقل، فحريّ بالجزء المتعقل المتأني منك أن يكون لها روميو. لا يهم لو كانت المخاطر تحيط بك وتترقبك، المخاطر لابد أن توجد في مكان ما على أية حال، لكنها لن تدخل نفسها في كل هذا بما يقل عن الجدية المطلوبة.

هذا الأمر لكاتب القصائد الواعد هو أول وأهم درس يجب عليه أن يفهمه. إنه يأتي قبل كل شيء، قبل الأسلوب والتقنية حتى.

طموحات متعددة –كأن تكمل القصيدة  وأن تراها مطبوعةً، أن تستمتع بتعقيب سار من أحدهم عنها- تخدم إلى حد ما عمل الكاتب، فتكون حافزًا له. رغم أن كل مطمح منها يعتبر معقولًا، إلا أنها تصير مهددًا لمطمح الشاعر الأساسي، وهو أن يكتب مثل كيتس أو ييتس أو ويليامز، أو أي واحد خربش بضعة أسطر على ورقة أجبرت قارئًا أن يقرأها، ولم تُنسَ من يومها. كل شاعر يجب أن يطمح إلى أن يكتب بهذا المستوى، وأي شيء آخر هو مجرد عبث.

لم يكن متاحًا في السابق مثل هذا العدد من الفرص للشاعر لكي يكون مشهورًا وبسرعة، وبالتالي فإن تحقيق أهدافه الآن أصبح سهلًا. المجلات في كل مكان، وهناك –حرفيًا- المئات من ورش العمل الخاصة بكتابة الشعر. هناك –كما لم يكن من قبل- شركات خاصة لأولئك الذين يحبون التحدث عن القصائد وكتابتها. لا شيء من ذلك يعتبر سيئًا، لكن القليل منه سيكون كافيًا لأن يجعلك تبدأ طريقك نحو هدفك الأسمى والأصعب –للدرجة التي لا يمكن تصورها- لأن تكتب ما لا يُنسى. تتم هذه العملية ببطء وعزلة، وهي في الوقت ذاته بعيدة الاحتمال، إنها أشبه بنقل ماء في غربال.

ملاحظة أخيرة، الشعر كالنهر تسافر الأصوات عبره، قصيدة بعد أخرى تمضي نحو قمة النهر المهتاجة لتخر مع أمواجه. لا يوجد ما هو أبديّ، كلٌّ يأتي ضمن سياقه التاريخي، وكل شيء تقريبًا في النهاية يمضي.إذا كان كل ذلك الشعر -وليس مجرد إنجاز خاص بأحدهم- يحمل المرء عن هذا العالم الأخضر الفاني، ويفتح له بابًا لتنسل لمحة من الجنة العظمى، ربما عندها يصل المرء إلى الاحساس المطلوب، ذلك الجمال البعيد عن فعل التأليف، تلك الحماسة والرغبة المتقدة التي تمتد إلى ما وراء هامش النفس.

______________________________________

العنوان الأصلي (Getting Ready) يترجم إلى (أن تستعد)، وارتأيت إضافة (القصيدة) لكي يسهل على القارئ ربط العنوان بالمحتوى.(المترجمة)

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *