تشارلز بوكوفسكي: الموت هو الوحيد الذي سيجعلني أتوقف!

ترجمة: كريم عبد الخالق
أحيانًا حين يكون موتك وحياتك سيان فستنجز أعمالك الشاقة. بعد عامين ونصف من العمل كعامل بريد وأحد عشر عامًا ونصف ككاتب للبريد، لم تنتبني رغبة بالحياة. في سِن الخمسين، استقلت من وظيفتي وقررت ان أصبح كاتبًا محترفًا. هذا هو، شخص يكسب المال من خربشاته على الورق. إما ذلك أو شُرب الخمر. حالفني الحظ. أصبحت كاتبًا.

أحيانًا حين يكون موتك وحياتك سيان فستنجز أعمالك الشاقة. بعد عامين ونصف من العمل كعامل بريد وأحد عشر عامًا ونصف ككاتب للبريد، لم تنتبني رغبة بالحياة. في سِن الخمسين، استقلت من وظيفتي وقررت ان أصبح كاتبًا محترفًا. هذا هو، شخص يكسب المال من خربشاته على الورق. إما ذلك أو شُرب الخمر. حالفني الحظ. أصبحت كاتبًا.

لم يكن “بوكوفسكي” مجرد شاعر وروائي أمريكي عادي، لقد كان –في رأيي- عبقريًا، واحدًا من القليلين الذين لم يخافوا قول الحقيقة، الذين استخلصوا من حياتهم البائسة مادة جيدة للكتابة. في هذا الحوار القصير يحدثنا “بوكوفسكي” عن كواليس بدايته في الكتابة، وعن علاقته بالكاتب “جون فانتي” الذي كان له تأثير كبير في كتاباته. (المترجم)

 

  • هل تتذكر أول شيء نشرته و ما كان شعورك تجاهه؟

لا، لا أتذكر. لكني أذكر أول شيء حقيقي نشر لي، كانت قصة قصيرة نشرت في مجلة “القصة” لصاحبيها “وايت بيرنت” و”مارثا فولي” عام 1944. كنت أرسل لهم بضع قصص قصيرة كل أسبوع لمدة عام ونصف. القصة التي نشرت في النهاية كانت عن فترة الكاتبة والناشرة “كاريسي كروسبي” وبعد ذلك، استسلمت وتركت الكتابة. نحّيت القصص جانبًا وركزت على الشراب. لم أشعر أن الناشرين مستعدون لنشر قصصي رغم من أنني كنت مستعدًا، لقد كنت أكثر استعدادًا منهم جميعًا وكنت مشمئزًا مما قرأت كسطر رئيسي لقبول مادتي الأدبية. لذلك شربت حتى أصبحت أحد أفضل السَكارى في كل مكان، والذي يتطلب موهبة أيضًا.

  • لماذا هجرت الكتابة فترة طويلة حتى عدت إليها بعد ذلك، أعتقد أن هناك بعض الأسباب؟

نعم، الشراب، وأثناء ذلك، الصعلكة بين المدن والوظائف الحقيرة. لم أر أي معنى في أي شيء على الإطلاق ومازالت لدي مشاكل مع هذا الموضوع حتى الآن. لقد عِشت حياة انتحارية، حياة نصف فاسدة وقابلت نساء على قدر كبير من الصعوبة والجنون. بعض هذه الأشياء أصبح مادة لكتابتي. أقصد السُكر. كان هناك شِبه مشهد موت في مستشفى في الجناح الخيري. كنت أنزف دمًا من فمي ومؤخرتي لكني لم أمُت. خرجت بعد ذلك وشربت المزيد من الخمر. أحيانًا حين يكون موتك وحياتك سيان فستنجز أعمالك الشاقة. بعد عامين ونصف من العمل كعامل بريد وأحد عشر عامًا ونصف ككاتب للبريد، لم تنتبني  رغبة بالحياة. في سِن الخمسين، استقلت من وظيفتي وقررت ان أصبح كاتبًا محترفًا. هذا هو، شخص يكسب المال من خربشاته على الورق. إما ذلك أو شُرب الخمر. حالفني الحظ. أصبحت كاتبًا.

  • كلمنا عن صداقتك ب”جون فانتي”(1)، أنت تحب كتبه وأصبحت صديقه

في فترة الشباب، كنت أتسكع بين المكتبات طوال النهار وأتسكع بين البارات طوال الليل. لقد قرأت وقرأت وقرأت. حتى قرأت كل ما كان عندي. ظللت أعيد قراءة الكتب مرارًا وتكرارًا. كنت أُعيد قراءة بعض السطور فقط فأشعر بزيف ما أفعل ثم أُعيد الكتاب مرة أخرى للمكتبة. كان عرضًا مرعبًا. لا شيء كان يَمُت للحياة بصِلة، على الأقل لحياتي. وكذلك الطرقات والناس الذين أراهم وما كانوا مجبرين على فعله وما أصبحوه، كل ذلك لا يمت للحياة بصِلة. صادف في يوم ما أن أسحب من المكتبة كتابًا لشخص اسمه “فانتي”. قفزت السطور في وجهي كالرصاص، بدون مزاح. لكن لم أكن أعرف “فانتي” هذا، لم يكن أحد يتكلم عنه. لقد كان موجودًا فقط، مجرد كتاب. كان الكتاب بعنوان ” اسأل الغبار”. لم يعجبني العنوان لكن الكلمات كانت بسيطة، صادقة ومليئة بالشغف. يا إلهي، فكرت، هذا الرجل يستطيع الكتابة حقًا! حسنًا، قرأت كل كتبه التي استطعت الحصول عليها، وتأكدت أنه مازال هناك كٌتْاب ساحرون على الأرض. مر زمن طويل قبل أن أذكر “فانتي” في كتاباتي. الآن ليست كل كتاباتي منشورة، لكني أرسلتها إلى الناشر “جون مارتين”، Black Sparrow Press، ولقد سألني مرة، اعتقد أنها كانت مكالمة هاتفية: أنت تذكر “فانتي” هذا في كتاباتك كثيرًا، هل هو كاتب حقيقي؟ أخبرته أن نعم، و أنه يجب أن يقرأ له. منذ فترة قصيرة سمعت من “مارتين” وكان متحمسًا: فانتي عظيم، عظيم للغاية! لا أصدق ذلك! سأقوم بنشر أعماله. ثم جاءت موجة كتب “فانتي” المطبوعة لدى Black sparrow. “فانتي” كان حيًا وقتها. اقترحت زوجتي علي الذهاب لزيارته باعتباره كان بمثابة البطل لي. كان في مستشفى وقتها، يحتضر، أصبح أعمى وأبتر؛ بسبب مرض السكري. قُمنا بزيارات إلى المشفى ومرة إلى بيته حيث كان خرج من المشفى لفترة قصيرة. كان يشبه كلب البولدوغ قليلًا، شجاع حتى دون أن يحاول. Black Sparrow نشرت أعماله كلها. لقد كان كاتبًا حتى النهاية. حتى أنه أخبرني فكرة عمله القادم: لاعبة بيسبول تصل إلى بطولات عالمية. “هيا يا جون، اكتب” قلت له. لكنه مات بعد فترة قصيرة…

  • كيف تسير الأمور مع سيرتك الذاتية التي يكتبها “نيلي شيركوفسكي”؟ هل تواصلت معه عن الموضوع؟ كيف تشعر تجاه شخص يكتب عن حياتك؟

السيرة الذاتية شارفت على الانتهاء. حسنًا، لقد عرفت “شيركوفسكي” منذ كان في الرابعة عشرة من عمره أو ربما السادسة عشرة. لقد سجل لي شريطًا وأنا مخمور، فعل ذلك مرات عديدة، الكثير من الهذيان، صور، كل هذه الأمور. لقد بدا لي أنه معي طوال الوقت، لقد شاهد الكثير من نسائي، شاهدني و أنا فاحش، أحيانًا أبله وكل هذه الأمور. لقد كتب كتابًا عن بعض الشعراء اسمه ” أبناء ويتمان الشرسون” واحتوى على الكثير من السخرية والكتابة البسيطة حتى أنه حين أخبرني أنه يريد أن يكتب كتابًا عني قلت له “انطلق.” وطلبت منه ألا أقرأه. وطلبت منه أيضًا ألا يتساهل معي. يجب أن ينال الكتاب الكثير من الضحك و السخرية. يجب أن يسبب ضررًا لي، لو فعل، سأستفيد من ذلك.

  • تُظهِر دائمًا تعاطف جميل وولاء لدور النشر الصغيرة، لماذا؟

دور النشر الصغيرة دائمًا تطبع أعمالي التي تخاف دور النشر الكبيرة نشرها.

  • من بين كُتبِك، أيها المُفَضل لديك؟

دائمًا آخر كتاب أكتبه هو المُفَضل.

  • هل لديك ظروف محددة تكتب على أساسها؟ هل تكتب معظم الأيام؟

الظروف المناسبة تكون بين العاشرة مساءً و الثانية بعد منتصف الليل. زجاجة خمر، سجائر، مذياع يبث الموسيقى الكلاسيكية. أكتب ليلتين أو ثلاث في الأسبوع. هذا أفضل عرض في المدينة!

  • ما الذي يخبِئه لك المستقبل؟ هل ستستمر في الكتابة؟

إذا توقفت عن الكتابة سأموت. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي ستجعلني أتوقف: الموت.

_________________

أجرى الحوار “كيفين رينغ”، و نُشر في مجلة Transit عام 1994.

(1)جون فانتي: كاتب أمريكي من أصل إيطالي، وتعتبر روايته “إسأل الغبار” من أهم اعماله، وتعتبر أيضًا شِبه سيرة ذاتية له.

 

 

This entry was posted in لماذا تكتب؟. Bookmark the permalink.

One Response to تشارلز بوكوفسكي: الموت هو الوحيد الذي سيجعلني أتوقف!

  1. بوكوفسكي يشبه القصيدة.. يشبهها جداً..

    هل كان بوكوفسكي خيالاً وكان جسده الشاعر!
    ليُسطَر بكتاباته.. نعم لقد سطرته يد الأيام التعيسة، وسطرته قارورات الخمر، ونوتات الموسيقى التي يسمعها كل ليلة على ورق المعاناة والألم الشديدين.. لا أعرف ما السر الدفين أو الحقيقي خلف تعاسة هذا العراب.. وأطلق عليه العراب متعمداً لأنه نهب من كل قارئيه الدموع والألم والوجع واللاوجود والنوم والقتل.. لقد قتلنا بوكوفسكي شر قِتلة بكل ما له وما منه.. لماذا تقسو علينا يا بوكوفسكي؟!.. ألا يكفي الوجود وألا تكفي قصائدنا وموتنا المصنوع من الحروف!

    يا ليتك كنت أسطورة يا بوكوفسكي.. يا ليتك كنت آلهة يونانية أو إغريقية لنلعب بك في ساح قصائدنا التعيسة ونشتمك.. نوظفك كنرسيس ولاروب وسيفيسيوس.. أحقاً أنت هذا يا بوكو!!

    لقد آلمتني.. آلمتني.. أخمرتني.. أوجعتني.. حقاً أوجعتني يا إله التُعساء.

    لم ترحل ولم تنتهي بعد.. لا زلت حياً في روح قصائدنا، وكتاباتنا الحزينة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *