هانا جيرسِن: ماذا علمني مارسيل بروست عن الشخصيات الروائية؟

ترجمة: إيهاب قريبة

 

لدينا تنويعات كثيرة للطبائع البشرية والشخصيات، فحتى أبسط الناس وأكثرهم صراحة وسذاجة يتكلم مع والديه بأسلوب مختلف عن كلامه مع صديقه المفضل! لذلك لتكشف شخصية بشكل كافٍ، يتعين عليك أن تضعها في مواقف وأمزجة مختلفة. لكن ما الطريقة المثلى لفعل ذلك على أرض الواقع السردي -مهما كانت خبراتك كإنسان وكاتب-؟

لدينا تنويعات كثيرة للطبائع البشرية والشخصيات، فحتى أبسط الناس وأكثرهم صراحة وسذاجة يتكلم مع والديه بأسلوب مختلف عن كلامه مع صديقه المفضل! لذلك لتكشف شخصية بشكل كافٍ، يتعين عليك أن تضعها في مواقف وأمزجة مختلفة. لكن ما الطريقة المثلى لفعل ذلك على أرض الواقع السردي -مهما كانت خبراتك كإنسان وكاتب-؟

أتذكر درسًا أخذناه في الصف العاشر  في مادة الكتابة الإبداعية عن “بناء الشخصيات الروائية”، أمرنا معلمُنا أن نكتب قائمة بالطرق التي يمكن للكاتب تصوير الشخصية دون وصفها بقيمٍ على نمط “طيب”، “جشع”، “أناني”، “حنون”، … إلخ. أتى في أول القائمة: الوصف الجسدي، الأفعال والحركات، الحوار؛ ثم انطلقنا بعد ذلك إلى البيئة التي تسكن فيها الشخصية، محيطها الاجتماعي، عائلتها وأصدقاؤها، ملابسها وممتلكاتها، منزلها، غرفتها، مكتبها، مدرستها، … إلخ؛ ثم انتقلنا إلى تفاصيل دقيقة في الوصف الجسدي: نبرة صوتها، طريقة جلوسها ووقوفها، طريقة حركتها، ووضعياتها؛ وأخيرًا تناولنا جوانب الشخصية الجوانية وقيمها غير المرئية: أفكارها ومعتقداتها، ما تفضله وما لا تستسيغه، ما تحبه وما تكرهه، وخبراتها الحياتية السابقة وماضيها.
 
يومها ناقش بعض الطلبة الاشتراط الذي وضعه المعلم، لماذا لا نصفها فقط بأنها “طيبة” أو “أنانية”؟ لماذا يجب علينا أن نُظهر ذلك من خلال طرق غير مباشرة؟ أجاب معلمنا أن هذه الطريقة تجعل هذه الصفات أكثر بروزًا للقارئ وأكثر لصوقًا بذاكرته، لأنه هو من سيصل بنفسه إلى نتيجة أن هذا الشخص طيب، وهذا لا يحدث عندما تبلغه بذلك صراحة، أنت حينها تعطيه معلومة مصمتة عليه حفظها. لكن معلمنا اقترح أنه يمكننا أن نجعل شخصية أخرى تقول “أنه طيب”، وسيكون ذلك بارزًا للقارئ سهلَ التذكر، لأن هذا التصريح سيخلق في عقله عدة تحليلات، فالشخصية (ب) حكمت بطيبة الشخصية (أ) وفق عدة عوامل، منها على سبيل المثال: علاقة الشخصية (ب) بالشخصية (أ)، بواعث الشخصية (ب) لقول ذلك، مصداقية أحكام الشخصية (ب)، ولمن يصف الشخصية (ب) الشخصية (أ) بالطيبة.
 
لقد علق هذا الدرس في رأسي، لأنه جعلني لأول مرة أرى أنه يمكن لحبكة القصة أن تنبع من الشخصية، وأيضًا جعلني أدرك صعوبة إبراز تعقيدات التفاعلات البشرية. لا يُشكل ما قيل وما فُعِلَ نصف المعادلة حتى! لدينا تنويعات كثيرة للطبائع البشرية والشخصيات، فحتى أبسط الناس وأكثرهم صراحة وسذاجة يتكلم مع والديه بأسلوب مختلف عن كلامه مع صديقه المفضل! لذلك لتكشف شخصية بشكل كافٍ، يتعين عليك أن تضعها في مواقف وأمزجة مختلفة. لكن ما الطريقة المثلى لفعل ذلك على أرض الواقع السردي -مهما كانت خبراتك كإنسان وكاتب-؟
 
الإجابة المقترحة الأولى: لا تكتب رواية، بل اكتب عوضًا عن ذلك مسرحية أو سيناريو للسينما، ودع الممثلين يملؤون التفاصيل الحية الصغيرة التي لا يعبر عنها الحوار ولا قرارات الشخصيات. الإجابة الأخرى: اكتب رواية طويلة أو عدة روايات بذات الشخصيات، فالطبيعة البشرية تتطلب قضاء الكثير من الوقت مع الناس حتى تشعر بالارتباط بهم، هذا ما يفعله المسلسل الأمريكي “المكتب The Office”، ومهما كان بناء الشخصية الروائية غير دقيق وغير مفصل، لابد أن تشعر بالقرب منها، وأنت تتابعها عبر آلاف الصفحات وعدة كتب. تبدو هذه استراتيجية مارسيل بروست في الوهلة الأولى، كتابة رواية طويلة جدًا. تمتد أحداث روايته “البحث عن الزمن المفقود” -في سبعة أجزاء-، عبر أربعة عقود، الشخصيات تكبر، تتزوج، تنجب أطفالًا، البعض يمرض ويموت. يساهم هذا التراكم في الأحداث في خلق معرفة بالشخصيات، وجو من الحميمية. 
 
تتسم علاقتنا بالناس بغير الموضوعية Subjectivity والنسبية، فتتلون حسب خيالاتنا وتصوراتنا، وتتأثر بعادات تواصلنا. يلاحظ بروست ذلك في “الهارب” -الجزء السادس من روايته الطويلة-، في نهاية علاقته العاطفية المُعَذِّبَة الطويلة بألبيرتين، فيقول:

مأساة الآخرين أنهم بكل بساطة واجهات زجاجية لعرض عفن أفكار المرء الخاصة.

تبقينا افتراضاتنا الشخصية المسبقة وغير الموضوعية حول الآخرين جاهلين ببواعثهم وميولهم، لا نعرف إلا القليل عن التغيرات التي تحدث في داخلهم. وفوق هذا، تتنازع الناس عدة قوى خارجية كالتاريخ والمجتمع والزمن، وتشكلهم بطرق قد لا يعون أنفسهم بأنها تغيرهم. يكشف بروست في أجزاء روايته الطويلة “البحث عن الزمن المفقود” هذا الالتباس من خلال إظهاره الجوانب الجديدة في شخصياته، حتى أنه عنون الفصل الأخير من الجزء السادس كالتالي: “جانب جديد لروبيرت دي سانت-لوب”.
 
انعطاف الشخصية وتغيرها بشكل كبير حجر زاوية في فن التشويق، لكن بروست لا يستخدم كشف شخصياته لتقديم سير حبكته، ويستخدمه عوضًا عن ذلك لتذكيرنا بأن ملاحظاتنا حول الآخرين غير موضوعية وغير كاملة، ناهيك أنه لا حبكة فعلًا في الرواية، ولو افترضنا وجود واحدة، فهي عن كيف كتب بروست الرواية. يقول بروست:

لقد خلصت أنه من الصعب تقديم صورة ثابتة عن شخصية ما انطلاقًا من علاقاتها الاجتماعية وأهوائها.

تعتبر شخصية سانت-لوب من أفضل شخصيات الرواية بناءً، شخصية عندما نقرأها نشعر أننا نعرفها، لكن يظهر أمامنا عندما يموت أن مارسيل لم يكن يعرف صديقه جيدًا، وأنهما قلما كانا يقابلان بعضهما البعض. يقول بروست في روايته:

والحقيقة أني قد رأيته فعليًا مرات قليلة، ولكن في مواطن وأحداث متنوعة جدًا، ومتفرقة زمانيًا، في قاعة بالبيك، في مقهى ريفبيل، في ثكنات سلاح الفرسان وغداءات العسكرية في دونسيريس، في المسرح حينما صفع وجه صحفي، في منزل الأميرة غيرمونت. لقد منحني ذلك صورًا صارخة واضحة عن حياته، وحزنًا عند مماته أكثر وضوحًا مما يحصل عادة في حالة الأشخاص الذين نحبهم كثيرًا. لا تكون الصورة التي نحتفظ بها للأشخاص الذين نتواصل معهم بشكل مستمر أكثر من مجرد صورة ضبابية، تقع بين التدرجات اللانهائية لصورهم وعاطفتنا وتشبعنا بهم. ذلك لا يحدث مع أولئك الذين نقابلهم للحظات قصيرة، في لقاءات تنتهي قبل أوانها، ضد رغباتنا ورغباتهم.

إن القطعة السابقة بالنسبة لي درس مصغر في بناء الشخصيات الروائية. يخبرنا بروست أنه رغم عدم معرفته فعليًا بسانت-لوب جيدًا، إلا أنه يشعر أنه يعرفه؛ هنالك خداع ووهم في الموضوع، ذلك الوهم بسبب أنه رأى سانت-لوب لفترات قصيرة زمانيًا في ظروف مختلفة. سيدرك أي شخص في علاقة مع أشخاص بعيدين عنه مكانيًا هذه الظاهرة. لقد زارني مؤخرًا صديق عزيز، لم أقضِ معه الكثير من الوقت فعليًا، لم نسكن قط في ذات المدينة، أعرف القليل عن حياته اليومية، لكننا نتقابل مرة في السنة على الأقل. إني لأتذكر حتى أصغر تفاصيل لقاءاتنا أكثر مما يحدث مع أصدقائي الموجودين في نيويورك، الذين أقابلهم بشكل منتظم. يبدو هذا الصديق  بطريقة ما حقيقيًا بالنسبة لي أكثر من الأصدقاء الذين أحسبهم كأسرتي، الذين أراهم يوميًا، ويمسحون أنف طفلي. إنني أعتمد على أصدقائي المحليين في الرفقة والصحبة، ولكنني لا ألاحظهم فعلًا كما ألاحظه.

تشبه الشخصيات الأدبية بشكل أو بآخر الصديق البعيد، إدراكك لهم وملاحظتك قصيرين زمانيًا لكن قويين. يكتب الكاتب -حتى في أكثر الكتب طولًا- وهو يدرك أن هنالك حد لعدد المشاهد التي يستطيع كتابتها لشخصية محددة، لعدد الأسطر التي سيخصصها للوصف الجسدي أو التعليق النفسي. لا يحاول الكاتب إعادة بناء الشخص الحقيقي، بل خلق وهم بالحميمية، وتلك الحيل التي ذكرها معلمي -أول المقال- هي وسيلتنا في ذلك، ولكن أهم حيلة هي أن تترك عنك الموضوعية Objectivity؛ لا يعني ذلك أن يستخدم الروائي السرد غير الموضوعي، ليس أسلوب السرد ما يهم، بل القواعد التي يلزم الكاتب نفسه بها، إمكانية أن تترك بعض جوانب الشخصية مبهمة وغير مكشوفة.

لن أخوض في فلسفة “النفس” عند بروست، والتي تفرق بين استعراض أمزجة الفرد وحالاته العقلية وأداءاته الاجتماعية الذين يشكلون خبرته من ناحية، وبين أعماق نفسه وجوهرها من ناحية أخرى. لكن لكي أضع قاعدة عملية تفيدنا في التعبير الأدبي، وفي خلق “وهم” شخصية، سأذكر شيئًا واحدًا تعلمته من قراءة بروست، وهو أن تحاول عرض الشخصية كسلسلة متعاقبة من الشخصيات. إن ذلك مغاير للنصيحة الكلاسيكية في سرد الحكايات، والتي تقول أن الشخصية يجب أن تتغير وتنمو على طول السرد. لم أحب أبدًا ذلك القوس الأخلاقي المفترض، إنه مُقَيِّد ووعظي، وليس ضروري، لأن مرور الوقت وحده سيكشف الشخصية أيضًا.

الجزء الأخير من الرواية “استعادة أزمنة كثيرة” عن رؤية أثر العمر في جميع شخصيات بروست، فنرى فيه حفلة يحضرها العديد من شخصيات الرواية. يقف مارسيل هناك وينظر إلى الضيوف، ويحاول تذكرهم، لقد تغير بعضهم حتى أنه لم يعرفهم في بادئ الأمر، بل إنه ليعجز عن تقبل رؤية بلوك صديقه أيام المدرسة كرجل في منتصف العمر. يقول بروست في الرواية:

سمعت أحدهم يقول أنه يبدو مثل سنه، ولقد ذهلت حينما لاحظت على وجهه بعض تلك العلامات المميزة التي تظهر للرجال الكبار سنًا، ثم استوعبت أنه كبير حقًا، وأن ذلك المراهق الذي صمد لعدد كاف من السنين، هو ما تسلبه الحياة منا لتصنع رجالًا كبارًا.

التسلسل الزمني “لاستعادة أزمنة كثيرة” مربك بعض الشيء، فيه تبدأ الحرب العالمية الأولى وتنتهي، وينعزل مارسيل في مصحة لعدد غير محدد من السنوات، وتتم بعض الزواجات التي لا تُشرح بشكل كافٍ. من الصعب معرفة إذا ما كان ذلك مقصود من قبل بروست، إذ لم تسنح له الفرصة لاستكمال مراجعته بسبب وفاته، ولكن الإرباك يبدو منطقيًا من الناحية النفسية، فلا يسير الوقت بشكل منطقي بالنسبة لنا، وخاصة عندما يتعلق بأصدقائنا. لقد خلق بروست -بتبنيه للإدراك غير الموضوعي وعامل مرور الزمن- شخصيات غامضة وعابرة وعزيزة كالحياة نفسها.

————————————————————————————–
المقال ترجمة غير حرفية وبتصرف لمقال “What Marcel Proust Taught Me About Characterization” لهانا جيرسين.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *