إليزابيث جورج تجيب عن منوعات من أسئلة القراء

ترجمة: علي الرواحي

إليزابيث جورج

هنالك أسئلة يسألها القراء والكتاب، الذين لم يسبق لهم النشر، بصورة متكررة حينما أكون في حفل توقيع كتاب أو في فعالية حوارية عامة، وأود هنا أن أجيب عن تلك الأسئلة التي تتعلق مباشرة بكتاباتي وحياة التأليف التي أعيشها.

السؤال الأول الذي يتعلق بكتاباتي: عندما يسألني الناس عما يبدو عليه يوم كاتب بعينه. لا أعلم تمامًا لماذا يسأل الناس مثل هذا السؤال لكني أعتقد، بسبب طرحه المتكرر، أن له علاقة بتطوير عملية الكتابة

أكتب خمسة أيام في الأسبوع، وفي كل أسبوع أخط المسودة الأولية للرواية. ويزداد عدد أيام الكتابة إلى سبعة أيام في الاسبوع عندما أبدأ في كتابة المسودة الثانية والثالثة. يبدأ يومي دومًا بالطريقة نفسها: أنهض في الساعة السادسة، أطعم كلبي ثم أتناول أقراص الفيتامينات (لعلك آسف على سؤالك، أليس كذلك؟) بعدها أمارس تماريني الرياضية. تعلمت أن ممارسة التمارين الرياضية في الصباح الباكر تساعدني على مغالبة حالة الاكتئاب التي تترصدني. أتمرن على دراجة التمرين لمدة ثلاثين دقيقة ثم أحمل بعض الأثقال لخمس وثلاثين دقيقة. وعندما أكون على تلك الدراجة الثابتة أنشغل أيضًا بقراءة كتاب عن التأمل اليومي يتبعه كتاب تحفيزي ثم أخيرًا أكمل قراءة الرواية التي كنت أقرأها في حينها. أما عندما أنتقل لرفع الأثقال أشاهد، وبكل فخر، برنامج (The Today Show)، إذ تنجح ابتسامة مقدمة البرنامج كاتي كوريك الهائلة في رفع معنوياتي في كل مرة.

بعد نتهائي من التمارين الرياضية أتأمل. ولأنني مبتدئة في هذا المجال فإنني أتأمل لعشر دقائق فقط. ألزم نفسي بالقيام بشيء ما عادة كي أمنع عقلي من التشتت. أنجح أحيانًا وفي أحيان اخرى لا أتمكن من ذلك.

في الثامنة والنصف أو التاسعة أجلس أمام جهاز الكمبيوتر في مكتبي، لأنه يتوجب علي أيضًا أن أرتب جدول أعمالي لذلك اليوم وأعطيه لمساعدتي. ولكني لا أبدأ الكتابة على الفور عندما أجلس، بل أقرأ عملًا من الأعمال الأدبية العظيمة لمدة خمس عشرة دقيقة. أثناء تأليف روايتي الأخيرة (مكان للاختباء) قرأت روايتين لجين أوستن. عندما أنتهي من تلك القراءة، أتناول يوميات الرواية التي قمت بتأليفها مؤخرًا. أثناء كتابتي لآخر ثلاث أو أربع روايات لي، حاكيت نشاط الكاتب جون شتاينبك عندما كان يكتب روايته (شرقًا من عدن)، وهكذا أبدأ يومي بكتابة يومياتي. تتضمن تلك اليوميات أشياء عن الكتابة التي أكون في خضمها، وأحيانًا أكتب عما يدور في عقلي في تلك اللحظة. وهكذا أكتب يوميات جديدة لكل رواية أقوم بتأليفها. ولكن قبل أن أقوم بذلك أقرأ شيئًا من اليوميات السابقة لآخر رواية كتبتها. يذكرني هذا النشاط  بالمصاعب التي واجهتني سابقًا أثناء الكتابة في لحظة معينة، ويعينني ذلك على اجتياز تلك المصاعب بنجاح.

عندما أنتهي من تلك القراءة أبدأ بكتابة مذكرات جديدة للرواية التي أكون في صدد كتابتها.  قد أكتب بداية صفحة أو صفحتين، لكني أواظب على كتابتها لأنني أعلم أنها ستساعدني في الأوقات الصعبة التي ستواجهني أثناء تأليفي للرواية.

بعد أن أنتهي من تدوين اليوميات أكون مستعدة للكتابة. أقوم بمراجعة الحبكة من منظور عام. وأراجع كذلك كل مشهد غير مكتمل كنت قد توقفت عنده البارحة. بعد ذلك أتابع الكتابة. لا يقل ما أكتبه في اليوم الواحد عن خمس صفحات وهو ما يشكل تحديًا في بعض الأحيان. ولكن في بعض الأوقات يكون سهلًا  للغاية. لكني لا أتوقف عن الكتابة، سواء كنت في البيت أو على الطريق. وعندما يأتي فصل التزلج على الجليد وأنا في خضم تأليف رواية، أصحو باكرًا وأنتهي من كتابة صفحاتي الخمس ثم أذهب للتزلج. وحينما أكون في جولة للتوقيع على إصدار جديد، أخبر مروجي الأدبي بأن يحرص أن لا يبدأ يومي قبل الساعة العاشرة صباحًا حتى أتمكن من كتابة حصتي اليومية من الرواية.  قد يبدو هذا الأمر كأنه وسواس قهري (كما هي العادة معي)، لكنه يتيح لي ألا أنفصل عن الرواية. وهكذا لا أضطر إلى استعادة الانسيابية الشعورية الخاصة بي في الرواية. وذلك لأن رواياتي هائلة الحجم وطويلة ومعقدة، والمحافظة على سير الأحداث فيها والوجهة التي تتجه نحوها الرواية هو أمر مهم للغاية.

كنت في بعض المرات أنتهي من كتابة الخمس صفحات عند الساعة الحادية عشر صباحًا. وهو أمر جيد جدًا  لأنه بذلك تكون لدي الحرية لأن أكتب أكثر أو أرفه عن نفسي. أحيانًا أخطط للذهاب لتناول الغداء مع صديق أو أضع بعض القصاصات في دفتر (وهي إحدى هواياتي) أو أخرج مع كلبي إلى المتنزه. في بعض الأوقات أزور أخي، وفي أحيان أخرى أعتني بحديقة منزلي. وعادة ما يكون لدي اجتماعات ولقاءات، وهي أيضًا تدخل ضمن النشاطات التي أقوم بها في أوقات فراغي.

ليس لدي أية مشكلة مع وضع جداول للأعمال التي أقوم بها. أخبرتني زوجة أخي ذات مرة أنها لا تطيق هذه الجداول لأنها تحب العفوية. لذلك لا يوجد لديها موعد محدد لتناول العشاء. وهكذا تعودت أن أحمل معي صندوق طعامي حين أزورها، لأنني قد لا أجد ما آكله في وقت زيارتي. لقد دعتني أنا وخطيبي في إحدى المرات بالإضافة إلى ابنة عمي سو إلى تناول طعام الغداء في يوم عيد الشكر، وفي نهاية المطاف قُدم لنا الغداء في الساعة الخامسة والنصف مساءً.

لكني عكس ذلك تمامًا.  فأنا على النقيض من زوجة أخي. لقد عملت معلمة في المرحلة الثانوية لثلاثة عشر عامًا ونصف، ولا يوجد أكثر تنظيمًا من حياة المعلم، إلا حياة المجند في الجيش ربما. ويخدمني هذا كثيرًا ككاتبة، لأن الطريقة الوحيدة للنجاح في عالم الكتابة هي القدرة على العيش وفقًا للمواعيد المسبقة التي تتضمن تخصيص وقت للكتابة. وعندما أخبرتني جليندا (وهو اسم زوجة أخي) بأنها لا تطيق العيش وفق تخطيط مسبق، أجبتها بأنني سأفقد عقلي إن لم تكن أعمالي منظمة مسبقًا. ولكن هذا لا يعني أن العفوية غائبة عن حياتي. هي تحدث أثناء القيام بنشاط ما ضمن ذلك الجدول.

يسألني الناس أيضًا عن الكتاب المفضلين لدي ودائمًا أعطيهم الجواب نفسه: ليس لدي كتاب مفضلون. أبحث عن الذين تعجبني أعمالهم واقرأها. أهرع دائمًا لشراء أعمال لكتاب بعينهم عندما يصدر لهم كتاب جديد مثل الكاتب جون لوكاري. ومن بين الذين أقرأ لهم أيضًا إيان مكوين وجراهام سويفت وجون إيرفنج ومارجريت أتوود وب. د. جايمس وباربرا كنجسولفر و جاي ويليس مارتن وجابرييل جارسيا ماركيز وت. جيفرسون باركر وروبرت كرايس. ولكن الكاتب الذي كان له عظيم الأثر علي كقارئة وكاتبة هو الكاتب الفذ جون فولز. وبأعماله العديدة مثل (المجوسي)  و(المحصل) و(الضابط الفرنسي) وغيرها،  استطاع جون فولز أن يثبت وجوده في الساحة الأدبية، وهو من الثراء الإبداعي بحيث لا يكتب الكتاب نفسه مرتين. لا يخشى خوض غمار المجهول. أحيانًا تنجح هذه المقامرة وتؤتي أكلها وأحيانًا لا يحالفها النجاح. ولكن حقيقة  أنه على استعداد لأن يضع نفسه من خلال عمله في موضع مكشوف للنقد، تجعلني أعجب به بشدة. تَمَكنه المذهل من اللغة هو أمر لم يسبق لي رؤيته من قبل.

ولكن كتابي المفضل على الاطلاق هي رواية (أن تقتل طائرًا بريئًا) لهاربر لي. وربما يرجع السبب لذلك هو كونها أول رواية جادة أقرأها. كان عمري ١١ سنة عندما نشرت لأول مرة وقد أهداها جارنا لأبي على سبيل الدعابة ، لأن طائرًا كان قد اتخذ عشًا له على شجرة بقرب غرفة نوم والدي وقد منع الطائر أبي من النوم لأسابيع. ظن جارنا أنها ستكون دعابة مسلية أن يعطي أبي كتابا يتحدث عن التخلص من طائر. أما أنا فقرأت الرواية ما أن وقعت بين يدي.

ومنذ تلك الواقعة قرأت رواية (أن تقتل طائرًا بريئًا) عشر مرات على الأقل. وفي كل مرة تنجح في تحريك مشاعري، وأعتبرها رواية مثالية، وانتصارًا عظيمًا لصوت السارد. وفي كل مرة أقرأها اكتشف شيئًا جديدًا. ربما عندما تتوقف الرواية عن منحي شيئًا جديدًا، سأتوقف حينها عن قراءتها. لكني لا أظن أن ذلك سيحدث يومًا.

السؤال الآخر الذي يطرحه الناس علي يتعلق بالوكيل الأدبي. كيف تمكنت من الحصول على وكيلي الأدبي الأول؟  وجوابي أنني حصلت عليه بالطريقة التقليدية. بحثت عن الوكلاء الذين يمثلون كتاب الجريمة. أظن أنني تقصيت عن ثلاثين اسمًا قبل أن أرسو على التمثيل المناسب. التمثيل الأول الذي حصلت عليه كان من وكالة لوسي كرول، حيث حاولت امرأة تدعى كاثي تلينجاتور  ولمدة عشرة أشهر إيجاد ناشر لروايتي (الانتقام المناسب). وقد حاولت أيضًا مع روايتي الأخرى (الإنجاز المتقن) ولكنا افترقنا لأن الرواية رفضت من قبل سوزان كيرك التي تعمل محررة في دار تشارلز سكربنر وأولاده للنشر. ثم انتقلت للتعامل مع وكيلة أخرى كنت قد استعلمت عنها وتدعى ديبورا شنايدر، كانت تعمل في مؤسسة تسمى جون فاركرسون المحدودة كانت جزءًا من وكالة أدبية في لندن، وهي معلومة عرفتها لاحقًا. أخذت ديبورا على عاتقها بيع كل من الروايتين المذكورتين، وقد نجحت في نشر (الإنجاز المتقن) على الفور. واستمرت ديبورا في تمثيلي لثماني روايات بعد ذلك قبل أن أنتقل للعمل مع وكالة ويليام موريس، حيث قام روبرت جوتليب بتمثيلي.  وعندما أنشأ روبرت وكالته الخاصة انتقلت معه إلى مؤسسته التي أسماها الرمح الثلاثي للإعلام حيث بقيت إلى يومنا هذا.

ويسألني الناس أيضًا لماذا أكتب روايات بريطانية، والجواب بكل بساطة هو لأنني أحب بريطانيا، ولطالما أحببتها وسأظل أحبها. أحب طبيعتها وأراضيها الخلابة. ويعجبني تنوع تلك الطبيعة عندما أنتقل من منطقة إلى أخرى. لنكشاير لا تشبه شروبشير في شيء. كينت وكورنويل مختلفتان تمامًا. النمط المعماري يتغير وطبيعة المباني تختلف، وكذلك الجدران والأسوار والتنوع البيئي للأشجار والنباتات. ومع ذلك فإننا نتحدث عن بلدان صغيرة: إنجلترا واسكوتلندا وويلز. ورغم أن مساحة تلك البلدان لا تتجاوز مساحة ولاية كاليفورنيا، إلا أنها مغايرة بشكل كامل.

وأعشق كذلك تاريخ بريطانيا العظمى. أحب تقاليدها وأدبها وحسها الرسمي في القيام بالأمور. لكني أكره النظام الطبقي فيها والغطرسة، مع أن ذلك لا يمثل أي مشكلة لأنني أستطيع الكتابة عنها وانتقادها في الوقت نفسه بكل أريحية. تعجبني الأشياء التي تغيرت في البلد كما تعجبني الأشياء التي لم تتغير. أحب فكرة أن أقود سيارتي إلى منطقة بوزورث فيلد وزيارة قبر الملك ريتشارد الثالث الذي توفي منذ خمسمئة عام. لا توجد محلات عصرية هنا (الملحقة إجباريًا بمطعم بيتزا هت) كبيرة كانت أم صغيرة. ولا توجد مصبغة للغسيل الجاف ولا مطاعم الدونت ولا مطعم كنتاكي ولا مقهى ستاربكس. بإمكاني الذهاب إلى آلانويك كاسل والتمشي هناك وكلي يقين بأن هاري هوتسبير، أحد  شخصيات شكسبير المبني على شخصية حقيقية، قد مشى في المكان نفسه قبل ستمئة عام.  ولكن السؤال بالنسبة لي هو ليس لماذا أكتب أنا عن بريطانيا العظمى بل لماذا لا يكتب الجميع عنها.

يود بعض القراء معرفة رأيي عن مجموعات القراءة النقدية. سبق لي أن التحقت بإحدى تلك المجموعات لفترة وجيزة، لكني لم أستفد منها كثيرًا. شخصيًا عندما أنتهي من عمل ما أفضل الاستعانة بقارئ أمنحه كل الوقت كي يعطيني رأيه وانطباعه عن العمل. ونصيحتي إلى كل من يلجأ لهذه المجموعات القرائية لتقييم عمله، أن يختار المجموعة بعناية. فإذا كانت المجموعة لا تميل إلى إعطاء حلول حقيقية  وتكتفي بإسداء ملاحظات عامة من قبيل (لدي مشكلة مع الشخصية الفلانية أو مع الحبكة أو المشهد الفلاني .. إلخ) من دون اقتراح حل لتلك المشكلة أو طريقة للوصول إلى حل، أقول؛ تخلَ عن تلك المجموعة. إذا كان حدسك ينبئك بأن هنالك خطبًا ما في طريقة عمل المجموعة، ثق بنفسك ولا تشترك فيها.

تخلص  في حياتك من الأشياء التي تعيقك عن الكتابة بحق. إذا كنت من محبي حضور المؤتمرات المتعلقة بالكتابة بحكم العادة، راجع تلك العادة. كن صادقًا مع نفسك، هل تحضر لأنك تعتقد أن هنالك المزيد لتتعلمه؟ أم تذهب لاعتقادك بضرورة خلق رابطة سحرية مع الكتابة؟ هل تذهب لكي تتفادى الكتابة برمتها؟ هل هذه المؤتمرات تساعدك بالفعل؟ لا أعرف الاجابة عن تلك الأسئلة، أنت وحدك تعرف الاجابة. أما بالنسبة لي، فإني لا أذهب مطلقًا إلى تلك المؤتمرات إلا عندما أحصل على عقد لنشر كتاب، لأنني لا أعلم حتى بوجودها. أكتفي فقط بالجلوس في البيت والكتابة. يُكتشف بعض الكتاب في مثل هذه المؤتمرات من أمثال بيلي ليتس صاحب رواية (حيث ينتمي القلب) وآيمي تان مؤلفة رواية (نادي متعة الحظ). كل ما أنصح به هو أن تكون نيتك حقيقية في حضور هذه الفعاليات. و إذا شعرت بأن هذا الأمر يأخذ الكثير من وقت كتابتك، فاعلم أن عليك الاستدارة والرجوع إلى كرسي الكتابة.

وأخيرًا، يود الناس معرفة ماذا حصل لمحاولتي الأولى لكتابة رواية جريمة بريطانية، الرواية التي لم يحالفها الحظ في النشر. وجوابي هو أن الرواية ظلت على حالها ولم تنشر. لذلك انتقلت إلى كتابة رواية أخرى، مستفيدة من الخبرة التي اكتسبتها في محاولتي الأولى لكتابة رواية للبالغين. لا أسعى لإعادة كتابة الرواية التي ترفض على أمل أن أجعلها مقبولة للنشر. بل أخلق مجموعة  من الشخصيات المثيرة للاهتمام لأرى ما الذي يمكن أن يحدث لها. وهنالك طريقة واحدة لمعرفة ذلك، وهي الاستمرار في الكتابة.

وأنت أيضا عليك فعل نفس الشيء. تعلّم كل ما يمكن معرفته عن حرفة الكتابة. انغمس في هذا الفن ثم اكتب. اكتب بكل سذاجة. اكتب بغضب. اكتب باندفاع أعمى. وثق في الحماسة التي تنبع من داخلك عندما تواتيك فكرة جيدة وترى الحروف تورق تحت اصابعك كزهور الربيع. نعم، بإمكانك فعل ذلك. الشعوربألم وقسوة الكتابة هو نفسه الشعور بالبهجة والنشوة المصاحبة لها.

لكن عليك أن تكتب.

This entry was posted in روتين الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *