ريتشارد هوغو: إقرارات بالإيمان

ترجمة: نورة العميد
تواجهُ المخيّلة مع الخسارات المتراكمة للأشياء المألوفة مشكلة الاحتفاظ بصورة للعالم من خلال التعوّد، ثم إبقاء ذلك العالم ثابتًا بصرامة لمدة تكفي لخلق الأشياء غير المألوفة في القصيدة. (تحدث ريلكه عن هذا الأمر.) اليوم، يلزم الذاكرة أن تصبح حليفة الفكرة. على الرغم من أن العملية ستصبح أكثر تعقيدًا وتحديًا، إنني أعتقد أن الخسارة المتسارعة للمألوفات تُفسّر العدد المتزايد للناس الذين يكتبون القصائد.

تواجهُ المخيّلة مع الخسارات المتراكمة للأشياء المألوفة مشكلة الاحتفاظ بصورة للعالم من خلال التعوّد، ثم إبقاء ذلك العالم ثابتًا بصرامة لمدة تكفي لخلق الأشياء غير المألوفة في القصيدة. (تحدث ريلكه عن هذا الأمر.) اليوم، يلزم الذاكرة أن تصبح حليفة الفكرة. على الرغم من أن العملية ستصبح أكثر تعقيدًا وتحديًا، إنني أعتقد أن الخسارة المتسارعة للمألوفات تُفسّر العدد المتزايد للناس الذين يكتبون القصائد.

وراء عدة نظريات لما يحدث للشاعر أثناء كتابة قصيدة، مثل: هروب إليوت من الشخصية، فكرة كيتس عن الإخبار وملء جسم آخر، نظرية القناع لييتس، مفهوم أودين عن صيرورة الشاعر إلى شخص آخر أثناء القصيدة، وفكرة فاليري عن نفسٍ أعلى مكانة من النفس، يكمُن هنالك افتراض مُضمر أن النفس كما هي، هزيلة وليست مثالية.

قد يكون شعورك تجاه نفسك أهم شعور لديك. إنه يلون كل المشاعر الأخرى، ولو كنت شاعرًا، فإنه سيلوّن كتاباتك. وقد يفسرها.

اعتقدَ السيد أودين أن الخوف من الفشل هو لعنة الكتاب الأمريكيين، فهو يقول إننا متنافسون جدًا، حتى أننا نريد أن نُحطم كل الكتاب الآخرين، نريد أن نكتب الكتاب الفريد الذي سيمحو بعظمته كل المنافسين إلى الأبد. ولأن المُخيلة لا يمكنها أن تتصور مثل هذه المهمة، فستكون النتيجة عجزًا خلّاقًا. يقول إن ذلك هو السبب في أن كثيرًا من الكتاب الأمريكيين يكتبون كتابًا واحدًا واعدًا معتبرًا وبعد ذلك لا يكتبون شيئًا آخر.

ربما وجد أودين هذه الفكرة راسخة من خلال علاقته برويثكي. لو كنت منتصرًا على رويثكي في لعبة في كرة السلة، فسيشتكي طوال اللعبة أنه قد رمى كتفه الأيمن منذ سنوات ولم ترجع له أبدًا. ليس عليك أن تكون جيري ويست كي تهزم رويثكي في لعبة السلة تلك، ولكن تلميحه كان واضحًا. لو كان كتفه على ما يرام، أنت، أو جيري ويست، ليس لديكما فرصة لهزيمته. سوف يمحوك، أيها المغفل.

على الرغم من مغالاة رويثكي بعضلاته المحببة وغير المُقنِعة، فإنه وجد كشاعر أن الفشل لم يطارده أكثر من مطاردة النجاح له. قد يخشى أن تُحبط القصيدة مثلًا أعلى في نفسه، ولكن هتافًا من الخارج مطالبًا بتعديلات مُخيفة هو ما يسوء حقًا.

يشعر الكثير من الشعراء الأمريكيين بانعدام القيمة الشخصية إن لم يكتبوا. من السهل على المرء تصور ذلك، بناءً على الحالات العقلية، إن المشاعر بانعدام القيمة قد تصبح غير مميزة عن الرغبة بالكتابة.

عندما يخبر الناس شاعرًا شابًا أنه جيد، فإنهم قد يؤذونه بذلك. إنهم يخبرونه أنه ليس عديم القيمة وهم بذلك يُحجّمون من غير قصد ما كان يبدو له أنه بحاجة للكتابة من أجله. إنني لا أقترح بذلك أن نهرع للشعراء الشباب ونخبرهم إلى أي درجة هم سيئون لنتأكد من مداومتهم على الكتابة. سيخبرون أنفسهم بذلك بما فيه الكفاية من دون مساعدتنا.

لقد عرفت حالاتٍ كان فيها سلوك الشاعر متأثرًا سلبيًا بـ “النجاح”، وهو الهتاف والتصفيق. نعم، إنني عظيم وكل شيء أكتبه عظيم ولذا ليس عليّ العمل بجد بعد اليوم. نعم، إنني عظيم ولذا فلدي تصريح لأفعل أي شيء بالآخرين. لا، إنني لست عظيمًا. إنني لا أستحق كل هذا المديح وحالما يرى الآخرون كم أنا فظيع حقًا فسيستخفّون بي وسيمكنني العودة للكتابة. أنا عظيم وسأكون جزءًا من الأدب. ولذا، يلزمني أن أنمو باستمرار من خلال تغيّر الأساليب لتأكيد قيمتي كفنان ذي منزلة رفيعة.

سيكون أمرًا مثاليًّا لو طُوِرت أداة يمكنها أن تقيس قدرة الكاتب على النجاح وبعد ذلك يُوزّعُ ما يكفي فقط من التصفيق، والمال، والمديح ليواصل الكاتب عمله.

هناك قصتان قصيرتان من الكلاسيكيات الأمريكية: “مسكنُ اللّحام” لهيمنجواي و “إحراق الحظيرة” لفوكنر. في قصة هيمنجواي، البطل ويدعي كريبز، كان وطنيًّا وذلك بسبب نشأته وظروفه، وكنتيجة لخبرته في الحرب وحساسيته، فهو يشعر بأنه مغترب وخارجيّ. في قصة فوكنر، فإن البطل سنوبز، وهو فتى صغير، أجنبي بسبب نشأته وظروفه ويريد أن يكون مواطنًا باستماتة. إنه يريد أن يكون جزءًا مما يبدو له، من مكانته المؤذية، الحياة المرغوبة. إن والده مجنون بشكل إجرامي ويمكنه بعقله الخاص أن يسوّغ أي شيء يفعله. إن سنوبز مُشتتٌ ما بين ولاءه لوالده وما بين الرغبة في حماية الناس “المحترمين” من شرّ والده. في النهاية، فإنه يُبلّغ عن والده وكنتيجة لذلك يُقتل والده بينما يشرع بجريمة.

رؤية كثير من الشعراء الأمريكيين لأنفسهم، ليس بسبب النشأة والظروف، وإنما وِفق شعورهم تجاه أنفسهم وعلاقتهم بالعالم، كما هو ظاهر في أشعارهم، كما يرون شخصية كريبز أو سنوبز أو هم تلك الشخصيات فعلًا.

فمثل كريبز، الشعراء: ويليام كارلوس ويليامز، إزرا باوند، ريتشارد ويلبور، إي. إي. كومينز، والاس ستيفينز، آلن جينزبرغ.

ومثل سنوبز: تي. إس. إليوت، ثيودور رويثكي، روبيرت لويل، ويليام ستافورد، لويز بوغان، جيمس رايت، غالوي كينيل، أي. آر. آمونز.

من بين الاثنين، فإن الشعراء الـسنوبز قد يصعب عليهم التعامل مع النجاح أكثر، حيث أن الشعراء الـكريبز يمكنهم أن ينجحوا من غير أن يشعروا أنهم قد دنسوا إرثهم. سيعتبر الشعراء الـسنوبز أن إرثهم لديه نوع من الأحقية العاطفية لولاءاتهم. يمكن للشعراء الكريبز أن يكتبوا أحسن قصائدهم من دون أن يشيروا لآبائهم بالبنان. عندما يكون هناك شيء خطأٌ في علاقات الشعراء الكريبز بالعالم، فسيعتبرون أن الخطأ ليس كله على عاتقهم.

كلا النوعين سيجد من الصعب عليه أن يعتاد النجاح. إن نجاح الشاعر يعني للكريبز قبول قِيمٍ يعرف أنها مزيفة. وبالنسبة للسنوبز، فالنجاح قد يعني أنه قد أزاح جانبًا كل الناس (بما فيهم هو) الذين يعتقد أن الفشل مُقدّر لهم ولكنه ما زال يحبهم. في كلا الحالتين قد تكون النتيجة كراهية الذات والعجز الخلّاق.

قد تقود أحاسيس معينة إلى وقفات معيّنة في القصيدة. ولو كانت الأحاسيس قوية كفاية فستصبح الوقفات وقفاتٍ مطولة، أو انقطاعات.

قد ينتج هذا بسبب أحاسيس عنيفة بالعار والخزي (مثل رويثكي) أو كراهية شديدة للنفس (مثل ديلان توماس). إنني أجد أن شعراء مثل هؤلاء تحديدًا معطاؤون لأنهم يخاطرون ليبدوا سخفاء بتهيؤاتهم. ربما من أجل ذلك يروقون للبقية مِنّا.

إن العقل، وإن بدا انطوائيًا، فهو يعلّق أهمية مفرطة على أشياء يعتبرها الآخرون غير مهمة أو تافهة. يعترف بذلك الشعراء الذين يتوقفون مطولًا. عندما أقرأ تعريف إليوت للمعادل الموضوعي، فستجتاحني أحيانًا رغبة إلى أن أضيف في نهاية الكلام “في الأوساط الراقية” نظرًا لتفاهته.

أن تُحس بأنك شيء خطأ في عالم صحيح هو أمر يجب أن يقود شاعرًا لأن يكون ناقدًا شديدًا للنفس في فِعل الكتابة. فقط لأنه يلزمك الظن أن كل شيء تكتبه ينتمي إليك لأنك كتبته هناك (لمجرد أن تتخلص منه فحسب) عليك أن تظن أيضًا أنه بسبب كتابتك له لابد أنه خطأ ويلزم اختباره. ليست عملية صحيّة على ما أظن! ولكن أليس من الأفضل أن تستخدم عدم قدرتك على تقبل نفسك لمنفعة إبداعية؟ مشاعر انعدام القيمة قد تولّد الناقد الداخلي الأقسى والأكثر قبولًا.

غالباً ما يكون الشعراء الذين فشلوا (وأعني بالفشل أن يُفشلوا أنفسهم ولا يكتبوا قصيدة جيدة أبدًا مثلما يستطيعون) هم شعراء فشلوا بتقبل مشاعر انعدام القيمة الذاتية. إنهم يفتقدون إلى النقد الذاتي اللازم لإتقان القصيدة. إنهم يقاومون دور الشيء الخطأ في العالم الصحيح ويدّعون أنهم الشيء الصحيح في العالم الخطأ (وليس هو نفس الشيء عند كريبز إن كان هذا ما تفكر به، إلا أن كريبز لا يأبه كثيرًا بالعالم أو بنفسه). إنهم ليسوا صريحين إلى حدٍ ما ويفتقدون الدافع (أو يحاربون الدافع) إلى المراجعة والإتقان.

إن لدي آراء قوية في هذه الأمور إلى درجة التشاؤم. لا أعرف كم من الشباب سمعتهم (غالبًا رجال) يدعون أنفسهم فنانين عِظام ثم يختفون بسرعة. أعتقد أن اللحظة التي تعلن فيها نفسك عظيمًا هي اللحظة التي تضع فيها لعنة على نفسك. يمكنك أن تتخلص منها في البيسبول (مثل جوني بينش) أو الملاكمة (مثل محمد علي) لو كان لديك المواهب الجسدية لتساعدك. لكن الشاعر الذي يقول “أنا الأعظم” قد لعن نفسه للأبد.

أن يغار الشاعر فهذا أمر مستحيل، لأنه قد كتب كل قصيدة يحبها. من بين القصائد الجميلة التي كتبت “ليدا والبجعة،” ذكريات ويست ستريت وليبكي،” “المزرعة على التلال العظيمة،” “دليل لِسان (دونجينيس) الساحلي،” وربما غيرها مئات.

عندما أقابل شاعرًا يغار من قصائد آخرين (الغيرة من السمعة أمرٌ آخر)، فأنا متأكد أن ذلك الشاعر لم يكتب بعد قصيدة يرضى عنها كما يعتقد أن بمقدوره ذلك. عندما تقوم بعملك على أحسن وجه، لا يهم كم هو جيد. إن هذا راجع للآخرين ليقرروه.

لو لزِمَك تقبّل حياتك بكل سخطها وعداوتها لعالم لا تريده أنت(كريبز)، أو بكل ندمها ووحدتها في عالم لا يريدك (سنوبز)، فإن التقبُّل ينتظر بداخلك ليجد نفسه في كلمات مكتوبة على أكثر الأوراق اعتيادية.

يوجد طرق كثيرة للإحساس بالنفس مثل كثرة البشر. ما أتكلم عنه ليس محصورًا بالشعراء. إن هذه الطرق في غير الشعراء أكثر حزنًا وتدميرًا على نحو خطير.

كيفما أحس الشاعر بنفسه، فإنه يشعر بها بطريقة يكون باستطاعته في بعض الأحيان أن يتلاعب بالشعور.

صدّقت مرة مقولة مالارميه أن بداخله ما يعدُّ الأزرار على صدرية الجلّاد، هو ادعاءٌ لموضوعية ذات دم بارد. والآن أنا أصدّق أنه تقبّلٌ لعالم يمكن فيه للتافه والحتمي أن يتنافس على جذب الاهتمام مع ما يقهر عاطفيّا.

هل تختلف فكرة مالارميه كثيرًا عن رجل، بعدما نجا من حادثة سيارة مروعة وزوجته دامية ملقاة في السيارة، يخرج من السيارة ويبدأ بالتقاط كِسر صغيرة من الزجاج؟ هل الكلمات كِسرُ زجاج؟ أزرار على صدرية جلّاد؟ على ثياب المحبوب؟

هل يجب عليك رفض نفسك لأنك تعُدّ الأزرار وتلتقط الزجاج بينما الشعب كله يقول لك: رجاءً، هذا ليس الوقت المناسب بتاتًا؟

إن فعل التخيُّل هو فعل من أفعال تقبُّل الذات.

ربما يكون أحد الأسباب التي تدعو كثيرًا من الشعراء لمعاقرة الخمر هو أنهم مذعورون من وجود نفسٍ لا يمكنهم رفضها. لو كانت النفس كما هي معطاة تهدد أن تصبح مقبولة، كما تفعل كثيرًا بعد سنوات من الكتابة، فيتوجب مقاومتها، وإلا فإمكانية ألا يكتب الشاعر مرة أخرى ستصبح مهددة بشدة.

عندما أجاب فوكنر على السؤال، “لماذا تعاقر الخمر؟” قال، “من أجل الألم،” فهو ربما لم يكن يقصد لمعالجة الألم. بل ربما كان يقصد لإبقاء الألم حيّا.

إن الكتابة هي طريقة لتقول إنك والعالم لديكما فرصة. الفن كله فَشَل.

منذ وقت طويل، ربما منذ خمسة وعشرين عامًا، سَخِر مُراجعٌ (كان هدسون ريفيو، على ما أظن) من ويليام كارلوس ويليامز لأنه قال إن أحد الأسباب التي تجعل الشاعر يكتب هو ليصبح شخصًا أفضل.  لقد كنت خريجًا حديثًا من الجامعة، أو ربما ما زلت أدرس، وكنت مفعمًا بالنقد الحديث، وانحزت بسهولة إلى طرف المُراجع. ولكنني أرى الآن أن ويليامز كان على صواب. لا أعتقد أن ويليامز كان يدافع عن فكرة الكتابة كعلاج، ولا عن الفكرة الساذجة التي تقول إنه  بعد كتابة القصيدة سيصبح المرء أقل لؤمًا. أعتقد أن ويليامز اكتشف أن حياة من الكتابة كانت طريقة بطيئة، وتراكمية من تقبل حياة المرء كحياة صالحة. يا له من أمر سخيف نفعله. إننا نتصبّر قصيدة بعد قصيدة لندرك ما تعرفه الحيوانات الغبية بالفطرة وتظهره بسلوكها: حياتي هي كل ما لدي. سيكون من المُريح لنا أن نعرف ذلك بأنفسنا، حتى لو كانت طريقتنا في التعلم ملتفّة بشكل مؤلم.

عندما تكتب فإنك تخبر العالم وتخبر نفسك آنيًّا ألّا أحد منكما يبحث عن سببٍ لأن تكونا أي أحد غير نفسيكما. أعتقد أن السبب الذي دعا رويثكي لأن يختار مصاحبة الأغنياء في آخر حياته هو أنه أتى قريبًا من تقبّل نفسٍ كان قد رفضها بكل غيظ فيما مضى. ولكنه لم يستطع أن يصدق ذلك وأراد دليلًا على أن النفس التي بدأ بتقبلها كانت ذات قيمة حقًا. في تفكيره، لا يمكن أن يؤكد هذا إلا الصالحون و”المختارون بعناية” (الأغنياء).

أعتقد أن المُحافِظية السياسية لكثير من الشعراء في هذه الثقافة هي محافظيّة شخصية فهمت خطأ على أنها مناسبة للسياسة، حيث لا تنتمي البتة. لو كنتَ شيئًا خطأ في عالم صحيح، إذن يجب عليك أن تتغير ويبقى العالم على ما هو عليه. الأكثر أهمية هو رغبة المُخيلة في خلق أشياء غير مألوفة من أشياء مألوفة (أشكر ماديلين ديفيريس على هذه الفكرة). لو استمر التغير بالأشياء المألوفة، فإن عملية خلق أشياء غير مألوفة مهددة باستمرار لأن قاعدة العمليات ليست ثابتة. إنه من الطبيعي للشعراء، وليس أمرا صحيًّا بالضرورة، أن يفضّلوا عالمًا متروكًا وشأنه كي يبقى كما هو فحسب للأبد.

من الواضح أن يجد الشاعر السنوبز المحافظِية أمرًا طبيعيًّا. لو كبِرَ سنوبز وأصبح سياسيًّا متطرفا (تطور يمكن تفهّمه وربما هو تطور يستحق الإطراء)، فإن من المشكوك به أنه سيصبح شاعرًا. على الرغم من ذلك فإنه من الممكن أن يسمي نفسه شاعرًا.

إحدى مشاكل الشعراء المحدثين هي التغيرات بالجملة فيما نرى (هدم المباني، تطوير المنازل الجديدة، المعدل المتسارع لخسارة كل الأشياء التي يمكن لها أن تستخدم لتصبح نقاط تفتيش مرئية ومصادر للاستقرار). هناك ما هو أكثر من مجرد ارتباط مؤقت ما بين تهدم مباني لويس سوليفان في شيكاغو وجرائم قتل شارون تيت في لوس أنجلس.

تواجهُ المخيّلة مع الخسارات المتراكمة للأشياء المألوفة مشكلة الاحتفاظ بصورة للعالم من خلال التعوّد، ثم إبقاء ذلك العالم ثابتًا بصرامة لمدة تكفي لخلق الأشياء غير المألوفة في القصيدة. (تحدث ريلكه عن هذا الأمر.) اليوم، يلزم الذاكرة أن تصبح حليفة الفكرة. على الرغم من أن العملية ستصبح أكثر تعقيدًا وتحديًا، إنني أعتقد أن الخسارة المتسارعة للمألوفات تُفسّر العدد المتزايد للناس الذين يكتبون القصائد.

النفس كما هي، هزيلة وليست مثالية. أتذكر أنني كنت غير مرتاح من أن كلًا من إليوت ورويثكي في نهاية مهنتيهما أعلنا عن كونهما سعداء. ولكنهما كانا صريحين. كل قصيدة يكتبها الشاعر هي تقدمٌ يسيرٌ للنفس وتعديل طفيف للقناع، المرء الذي تريد أن تكونه. مع كل قصيدة تصبح النفس أكثر استحقاقًا للقناع. يصبح القناع أكثر مطابقة للوجه. بعد ما يكفي من القصائد، ستصبح قريبًا من الشخص الذي تريد أن تكونه، والشخص الذي تريد أن يشابهك إلى حد بعيد. السعادة التي تحدث عنها إليوت ورويثكي هي سعادة لا يمكن أن يلاحظها الآخرون لأنها مجرد طريقة مختلفة يشعر فيها المرء تجاه نفسه. “تقريبًا” و “إلى حد بعيد” وليس “بالضبط” و”تمامًا.” إنهم يأملون بعناد ولا يصلون إلى النجاح دائمًا.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *