ماريا بوبوفا: قلم جون شتاينبك

ترجمة: علي زين
popova

تلك العلامات التي نتركها على الورق هي أكثر الآثار الفكرية التي تميزنا بشريةً، فلا يوجد ما يمارس ــــ ويطّهرــــ ذلك التعاون الذي لا يكون سلسًا في كل الأحوال بين العقل والجسم مثل ذلك الخط المباشر الواصل بين سن القلم والفكر، وهكذا فإن التدقيق في اختيار أداة الكتابة يعني التدقيق في الفكر ذاته، فلا يمكن الاستهتار بتلك الأداة المادية لنقل التدفق الإبداعي.

كان إدغار ألان بو يؤمن بأن الكتابة باليد دليل على الشخصية، فهي تكشف عن “ملكاتنا العقلية”، وكانت الكاتبة الأمريكية ماري غوردن ترى في كتابها “اللحم والدم وجوهر القلم والورقة”، تذكيرًا بأنه “مهما فقدنا أنفسنا بالكامل في دوامة ابتكاراتنا فإننا نسكن عالمًا ماديًا”، وبالفعل فإن تلك العلامات التي نتركها على الورق هي أكثر الآثار الفكرية التي تميزنا بشريةً، فلا يوجد ما يمارس ــــ ويطّهرــــ ذلك التعاون الذي لا يكون سلسًا في كل الأحوال بين العقل والجسم مثل ذلك الخط المباشر الواصل بين سن القلم والفكر، وهكذا فإن التدقيق في اختيار أداة الكتابة يعني التدقيق في الفكر ذاته، فلا يمكن الاستهتار بتلك الأداة المادية لنقل التدفق الإبداعي.

يقدم لنا الكاتب الأمريكي جون شتاينبك (27 فبراير 1902 – 20 ديسمبر 1968) وصفًا لذلك الدور الغريب للقلم بوصفه وسيطًا بين العقل والجسم، وذلك عبر سلسة من الملاحظات الساحرة في كتاب أيام العمل: يوميات عناقيد الغضب (المكتبة العامة)، ذلك المجلد المتميز الذي يعطينا لمحة عن كيفية استخدام ذلك الكاتب العظيم لليوميات بوصفها أداة تحقق الانضباط وتقي من فقد الثقة بالنفس عندما شرع في أكثر تجارب الكتابة لديه انفعاليةً في حياته، تلك الرائعة التي فاز بفضلها بجائزة البوليتزر ومهدت الطريق له للفوز بجائزة نوبل.

في منتصف شهر يوليو من عام 1938 بعد ثلاثة أسابيع من البدء في العمل، يكتب شتاينبك ملاحظة تحببنا في رفيقه في الكتابة: تلك القناة الموثوقة التي تنقل الفكر:

“هذا القلم الرائع متين جدًا، أعتقد أنه سيدوم حتى أنتهي من الكتاب”

وفي يوم 25 يوليو يعبّر عن تلك الحميمية المتزايدة التي يشعر بها تجاه أداة الكتابة:

“هذا القلم يكتب بخط رفيع عندما يكون مائلاً بحدة، أرى أنه قلم ممتاز حتى الآن، فلم أحظ بمثل هذا القلم الرائع من قبل.”

وبحلول منتصف أغسطس نجده مفعمًا بالحب:

ياله من قلم رائع، إنه يخدمني بامتياز ولا يزال كذلك، فلم يتوقف عن الكتابة بسلاسة للحظة، ولم يفض منه الحبر ويبقعّ ولو حتى كلمة واحدة.”

ولكن مثل جميع علاقات الحب نجد أن تلك العلاقة تواجه صعوبات عملية في بعض الأحيان، ففي 7 سبتمبر نجد شتاينبك يتحسر على قدره:

“لقد حرقت الأصبع الذي أمسك به القلم بعود كبريت منذ عدة أيام، والبثرة في المكان الذي أمسك به القلم بالضبط، إنها تؤلم بشدة، وبدأ خطي يسوء بشدة بسبب ذلك.”

لكنه حتى في ظل الإغواء للحصول على قلم جديد ولامع نجد أن شتاينبك يتمسك بإخلاصه للقلم، ففي شهر يوليو التالي نجده ملتزمًا بالكامل:

“لا شك أن هذا القلم القديم والرائع أفضل وأكثر نعومة من الأقلام الجديدة، أعتقد أنني سأواصل مع هذا القلم القديم الرائع، لقد كتبت به الكثير من الأعمال، وأتمنى فقط أن يتحمل.”

وفي نهاية المطاف نجد أن علاقة شتاينبك بقلمه تشبه ذلك الوعد في جميع علاقات الحب العظيمة: مصدر للرضا الحسي ولكن فقط في خدمة الإنجاز الروحي الأكبر، ففي 26 يوليو 1940 يُبدي شتاينبك ملاحظة بفضول غير نقدي عن الطبيعة النافعة لتلك العلاقة، تلك الطبيعة غير المنطقية والمفيدة بعمق أيضًا:

“أشعر ببعض اللزوجة في أصابعي أحيانًا في هذا الطقس فأفركها بالكحول حتى يصبح القلم أملسًا في يدي، ويبدو ذلك مهمًا لي، ولا أعرف السبب، لكنه كذلك، فيجب أن يظل ذلك الإحساس الجيد بالقلم، ويجب أن يكون جافًا ومدببًا وأن يكون الورق جيدًا هكذا. فثمة شيء رائع في مثل هذا النوع من العلاقات”

فيضيف عبارة تبدو أنها أكثر التعريفات تحديداً للنجاح في يومياته: النجاح الذي لا يُعرف بلغة الإشادة العامة والمكسب التجاري، فهو يمقت تلك الفكرة بشدة، ولكن النجاح بالمعنى الذي يقصده ثورو وهو الإنجاز الشخصي العميق.. يكتب شتاينبك:

“قلم مثالي، وورقة مثالية، وسأنجز عملاً يسعدني ودون حاجة للنقّاد”

وتدريجيًا تتحول لغته إلى الشعر مع تطور علاقة الحب التي تربطه بالقلم. ففي 29 سبتمبر من عام 1940 يكتب:

“آه! يا إلهي، ياله من ملمس رائع ما يشعر به هذا الورق تحت سن هذا القلم، يمكنني الجلوس هنا والكتابة, بينما تنساب الكلمات مني بسهولة مثل حبات العنب من قشرتها وأشعر بسعادة غامرة بفعل ذلك.”

وعندما يأتي ذلك اليوم الذي سمع فيه أخبارًا أحزنته عن الدمار المستمر الذي تسببه الحروب نجده يصف في إحدى الفقرات الرائعة تلك الخاصية الغامضة تقريبًا للكتابة باليد، تلك الطريقة الغريبة التي يتحول بها القلم إلى إسقاط للنفس لينقل أعمق أحاسيس الاشتياق والوهن داخلها واليد ترسم معنى الحياة ذاتها:

“هنا يحدث شيئ غريب: كأنه سر، تبدأ في كتابة الكلمات في وجود ثلاثة أشياء: أنت والقلم والورقة، وتدريجيًا تبدأ هذه الأشياء الثلاثة في الاندماج حتى تصبح شيئًا واحدًا، وتشعر بأن الصفحة قد أصبحت مثل ذراعك، لكنك تحبها أكثر من ذراعك، في يومٍ من الأيام سأكون وحيدًا: إما ميتًا ووحيدًا، أو حيًا ووحيدًا، وعندها ماذا سأفعل؟ وتلك الأشياء التي أملكها الآن ولا أعرفها ستصبح جُد عزيزة وستتحول إلى مصدر للألم. ولكن ماذا عند ذلك؟ لن توجد طريقة لعلاج تلك الآلام، لا طريقة، ففي ذلك الصقيع لن يأتي شيء، هناك أشياء تتركني الآن لأنها تأتي أسرع من اللازم ــــ الكثير منها ــــ وعندما لن أكون قادرًا على استقبالها ألقيها بعيدًا، ولن تأتي ثانيةً في القريب العاجل، تسمى تلك الطريقة بالحياة أو العيش أو أيًا من تلك الأشياء المماثلة، ما اعنيه هو تلك الكلمات الصامتة: الكلمات التي لا وجود لها على الإطلاق، إنها طيور الوحدة الرمادية التي تقفز هنا وهناك، كنت أعتقد باحتمال وجود زمن مختلف او حالة مختلفة، لكني أعرف الآن أنه لا توجد طريقة أخرى.”

This entry was posted in طقوس الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *