كيريدوِن دوفي: هل يمكن للقراءة أن تجعلك سعيدًا؟

ترجمة: عبدالله التويجري
حتى لو كنت لا توافق على أن قراءة الروايات تجعلنا نعالج الآخرين بشكل أفضل، فإنها وسيلة لعلاج أنفسنا بشكل أفضل. وقد أظهرت النتائج أن القراءة تضع عقولنا في حالة من النشوة الممتعة تشبه التأمل، وأنها تجلب الفوائد الصحية نفسها المصاحبة للاسترخاء العميق والهدوء الداخلي. ينام القراء المتمرسون بشكل أفضل، ولديهم مستويات ضغط أقل، وتقدير ذاتي عال، ومعدلات اكتئاب منخفضة مقارنة بأقرانهم .

حتى لو كنت لا توافق على أن قراءة الروايات تجعلنا نعالج الآخرين بشكل أفضل، فإنها وسيلة لعلاج أنفسنا بشكل أفضل. وقد أظهرت النتائج أن القراءة تضع عقولنا في حالة من النشوة الممتعة تشبه التأمل، وأنها تجلب الفوائد الصحية نفسها المصاحبة للاسترخاء العميق والهدوء الداخلي. ينام القراء المتمرسون بشكل أفضل، ولديهم مستويات ضغط أقل، وتقدير ذاتي عال، ومعدلات اكتئاب منخفضة مقارنة بأقرانهم .

” لكل القراء النهمين الذين يعالجون ذواتهم بقراءة الكتب العظيمة طوال حياتهم. إنه ليس من المستغرب أن تكون القراءة جيدة  بالنسبة لك ”

قبل عدة سنوات أُعطيت هدية لحضور جلسة عن بعد مع معالجة نفسية من خلال القراءة والتي تستقر في لندن والتابعة لكلية الحياة، والتي تقدم دورات مبتكرة لمساعدة الناس في التعامل مع المشاعر والتحديات اليومية للأزمات الوجودية . لا بد لي من الاعتراف بأنني في البداية لم أحب فكرة أن أعطى “وصفة طبية “، لقد كنت أُفضّل طريقة فيرجينا وولف بشكل عام والتي تتلخص بشغفها تجاه الصدفة والتي تجعلني أصل إلى اكتشافات شخصية خاصة بي، ولا تكمن المتعة في الكتب نفسها بقدر الطبيعة العشوائية التي وقعت فيها على الكتب (على الحافلة بعد انفصال، أو في نُزل في دمشق، أوالتصفح بين أكوام الكتب في مكتبة مظلمة أثناء مرحلة الدراسات العليا بدل الدراسة). لطالما كنت حذرة منذ فترة طويلة تجاه الحماس الغريب من بعض القراء عندما يقولون : يجب أن تقرأ هذا الكتاب، ويدفعون الكتب دفعا بين يديك وأعينهم تحمل بريقًا أخاذًا، ويحدث ذلك دون الاستيعاب بأن الكتب ليس لها معنى واحد لدى العديد من الناس – أو عدة أمور مختلفة لنفس الشخص – في مراحل مختلفة في حياتنا .فعلى سبيل المثال كنت أحب قصص جون أبدايك “أوراق القيقب” في العشرينات من عمري، ولكن كرهتها في الثلاثينات من عمري. ولا أعرف لمَ حصل ذلك.

ولكن الدورة كانت هدية، ووجدت نفسي مستمتعة بها بشكل مفاجىء، وخاصة الاستبيان المبدئي بخصوص عاداتي القرائية والذي أرسلته لي المعالجة إيلا بروتود. لم يسألني أحد قط هذه الأسئلة على الرغم من أن قراءة الروايات كانت ولا تزال جزءاً حيويًا من حياتي. أحب الانكباب على الكتب أثناء فترات الراحة الطويلة. قلت لبروتود ستجديني أحزم أعدادًا من الكتب أكثر من ملابسي. وقمت بالاعتراف بسري الصغير لها بأني لا أحب أن أشتري أو أقتني الكتب بل أحب استعارتها من المكتبة (رغم من أنني كاتبة إلا أن هذا الفعل لا يحقق لي حظًا أفضل في رفع مبيعات كتبي). وردًا على سؤال “ما الذي يشغلك هذة اللحظة؟”، قمت بكتابة اعتراف مفاجئ بالنسبة لي. حيث كتبت أنني كنت أخاف الفجيعة المحتومة والمستقبلية في خسارة شخص أحبه وعدم إيجاد القوة والمصادرالروحية الكافية لتخطي الأزمة. أنا لست متدينة ولا رغبة لي في ذلك، ولكن أود أن أقرأ المزيد من تأملات الآخرين وإيمانهم المطلق بقوة أعلى من ذواتهم كوسيلة مناجاة. جعلتني الإجابة على الأسئلة ببساطة أشعر على نحو أفضل، أخف وزنًا.

لقد كان بيننا بعض التبادلات على البريد الإلكتروني بشكل مرضٍ، حيث قامت بروتود بالتعمق أكثر والسؤال عن تاريخي العائلي وخوفي من الموت والحزن. وعندما أرسلت الوصفة النهائية لقائمة القراءة ، كانت مليئة بالكنوز العظيمة، التي لم أقرأها سابقًا. وكان من بين التوصيات كتاب ر.ك . ناريان “المرشد”، حيث كتبت بروتود: “إنها حكاية لطيفة عن رجل يبدأ حياته العملية كمرشد سياحي في محطة قطار في مالغودي في الهند، وتنقل بين مهن متعددة قبل أن يجد مصيره غير المتوقع كمرشد روحي”. قالت إنها اختارت هذا الكتاب لأنها تأمل أن يترك الكتاب أثرًا مستنيرًا لدي بشكل غريب. وكتاب أخر “الإنجيل يرويه المسيح” لخوسيه ساراماغو، على الرغم من أن ساراماغو لم يكشف إيمانه الروحي في هذا الكتاب، ولكنه يصور نسخه حية ومقنعة من القصة التي نعرفها. بالإضافة إلى كتب أخرى مثل “هندرسون ملك الأمطار” لـ سول بيلو و “سيدهارتا” للكاتب هيرمان هسه. بالإضافة إلى أعمال أخرى غير الروايات  مثل “الدفاع من أجل الرب” لكارين أرمسترونغ  و”النتيجة النهائية” لعالم الأعصاب ديفيد إيغلمان، وهو  كتاب قصير ورائع حول إمكانية الحياة بعد الممات .

قمت بقراءة الكتب في القائمة على مدى سنوات عديدة بالوتيرة الخاصة بي، وكان يتخللها الكتب التي أقع عليها بالصدفة. لقد كنت محظوظة بما يكفي للصمود إلى الآن أمام الحزن الفظيع الذي لم أختبره بعد، ولكن بعض الأفكار في هذه الكتب ساعدتني على التغلب على أمر أخر مختلف كليًا. كنت وعلى مدى عدة أشهر أعاني ألمًا جسديًا حادًا . وكانت الأفكار ضبابية وغامضة كما هو الحال عندما نكتسب المعلومات من الأدب، ولكن هنا تكمن القوة. كنت أظن في سن مبكرة بأن قراءة الرويات هي إحدى المسارات القليلة التي يتجلى فيها الفرد. هي الحالة المطلقة التي تتقلص فيها المسافة بين الفرد والكون، فقراءة الأدب تجعلني أفقد كل شعور بالذات ولكني أشعر بنفسي بشكل متفرد في الوقت ذاته. أو كما قالت  فيرجينيا وولف، وهي أكثر القراء حماسةً، حيث قالت: “الكتاب يشطرنا إلى نصفين كلما قرأنا” فحالة القراءة تقضي على الأنا العظمى إذ تعدك بالاتحاد الدائم مع عقل آخر.

المعالجة من خلال القراءة هو مصطلح فضفاض لممارسات قديمة للتشجيع على القراءة. وورد هذا المصطلح لأول مرة في مقال عام 1916 في جريدة مونثلي أتلانتك وأطلق عليها ” العيادة الأدبية”. يذكر كاتب المقال بأنه عثر على “معهد للقراءة ” يديره شخص من معارفه يدعى باغستر في قبو الكنيسة التي يعمل فيها، حيث يقوم بتوزيع توصيات قرائية تحتوي على قيمة شفائية. ذكر باغستر موضحًا بأن “العلاج بالقراءة علم جديد، فالكتاب قد يكون محفزًا أو مهدئًا أو مصدر إزعاج أو مخدرًا. والهدف هو أن يُحدْث  الكتاب أمراً بداخلك، ويجب عليك أن تعرف ما طبيعة هذا الحدث. قد يكون للكتاب طبيعة الشراب المهدئ أو مثل ضمادة الجروح”. فلعميل في منتصف العمر صاحب آراء متحجرة نوعًا ما يقدم باغستر يقدم الوصفة التالية: “يجب أن تقرأ المزيد من الروايات، ليست القصص المسلية التي تجعلك تنسى نفسك. بل ابحث عن  روايات لاذعة،  لها وقع قاسٍ و تغيرك جذريًا”. ( جورج برنارد شو على رأس القائمة ). وفي نهاية الأمر ترك باغس كاتب المقال ليستجيب لنداء أحد المراجعين لأخذه “جرعة مضاعفة  من أدب الحروب “، وجلس كاتب المقال يتفكر في الكتب التي ” تصنع حياة جديدة في دواخلنا، وتقوم بخلق نبض للحياة بقوة ولكن ببطء” .

يأخذ  المصطلح الآن معاني متعددة و أشكالًا مختلفة مثل محاضرات الأدب للسجناء أو حلقات القراءة للمسنين الذين يعانون من الأمراض العقلية. في بعض الأحيان تكون هذه الجلسات فردية أو جماعية لإعادة حب القراءة لقراء سابقين. الصديقة المقربة لبروتود وزميلتها في المعالجة سوزان إلديركن تقوم باستخدام القراءة العاطفية كأسلوب علاجي، وهي من المناصرين لفكرة إعادة بناء الصحة النفسية من خلال قوة قراءة الروايات. التقت الاثنتان قبل أكثر من عشرين عامًا في جامعة كامبردج خلال مرحلة الدراسة الجامعية. وأصبح بينهما رابط قوي من خلال المحتويات المشتركة في أرفف كتبهما. ولا سيما رواية إيتالو كالفينو “لو أن مسافرًا في ليلة شتاء”، الذي هو في حد ذاته حول طبيعة القراءة. ومع تطور صداقتهما، بدأتا بوصف روايات لعلاج  بعضهما البعض مثل علاج القلب المجروح، أو عدم اليقين بالمستقبل الوظيفي . قالت بروتود “عندما كانت سوزان تمر بأزمة حين أرادت أن تكون الكتابة مهنة لها، وكانت تتساءل عما إذا كان باستطاعتها التعامل  مع فكرة الرفض الحتمي، قمت بإعطائها “قصائد آرتشي و مهيتابيل” لدون ماركيز. قالت بروتود “إذا كان الصرصور آرتشي قد كرس جهده لفنه ، وقام بالقفز على مفاتيح الآلة الكاتبة لكتابة قصيدة حرة كل ليلة في مكاتب نيويورك لجريدة “إيفنغ صن”، فإنه من المؤكد أن لديك الاستعداد للمعاناة من أجل فنك. وبعد سنوات عدة، كانت بروتود تعاني من عدم إيجاد توازن بين أن تكون فنانة و أمًا في آن، فقامت إلديركن بإعطاء بروتود كتاب باتريك غيل”ملاحظات من معرض للفنون” الذي يحكي عن فنانة ناجحة ولكن مضطربة. واصلتا في عمل توصيات للروايات لأصدقائهما وأسرهما ولبعضهما. وفي عام 2007 قام الفيلسوف آلن دي بوتون الزميل السابق لهما في كامبردج بالتفكير في إنشاء كلية الحياة، قدمتا له عرض فكرة تشغيل عيادة علاجية بالقراءة. قالت بورتود “على حد علمنا لا يوجد أحد يفعلها بهذه الطريقة وفي هذا الوقت. فالعلاج القرائي إذا وجد يكون داخل سياق طبي مع التركيز في قراءة كتب المساعدة الذاتية لكننا نكرس أنفسنا لقراءة الخيال كعلاج نهائي لأنه يعطي القارئ تجربة تحويلية”.

قامت بورتود و إلديركن بتتبع  أساليب العلاج بالقراءة  حتى وصولهما  إلى طرق الإغريقيين القدامى. قامتا بحفر جملة فوق مدخل مكتبة طيبة وهي بأن “هذا المكان لشفاء الروح”. وبدأت الممارسات تظهر في آواخر القرن التاسع عشر على يد سيغموند فرويد والذي استعمل فيها الأدب خلال جَلسات التحليل النفسي. وبعد الحرب العالمية الأولى، كثيرًا ما كان يوصف للجنود المصابين بالصدمات النفسية بعد عودتهم لديارهم قائمة من الكتب لقراءتها. وقالت إلديركن “لقد دُرب أُمناء المكتبات في الولايات المتحدة على كيفية إعطاء الكتب للجندي العريق، وفي الوقت نفسه توجد قصة لطيفة في استخدام روايات جين أوستن كأداة علاجية في المملكة المتحدة. في وقت لاحق من القرن، تم استخدام العلاج من خلال القراءة  بطرق مختلفة في المستشفيات والمكتبات، وقد تداوله مؤخرًا علماء النفس والعاملون في مجال الرعاية الاجتماعية، ومجال رعاية المسنين والأطباء كطريقة علاجية قابلة للتطوير.

هناك الآن شبكة من الأخصائيين في هذه العلاجات، وقد تم اختيارهم وتدريبهم من قبل بروتود وإلديركن، والمنتسبين إلى كلية الحياة، ويعملون في جميع أنحاء العالم، من نيويورك إلى ملبورن. تقول بروتود بأن أكثر الحالات شيوعًا هي التي يأتي فيها الناس إليهم عندما يواجهون منعطفات أو تحولات في الحياة. يرى المعالجون الكثير من المتقاعدين الذين يعرفون بأن أمامهم عشرين سنة من القراءة ولكن أغلب قراءتهم السابقة كانت لروايات التشويق والجريمة، ولذلك لديهم الرغبة في قراءة أمور أكثر عمقًا. تقول بروتود:  يسعى الكثيرون للحصول على المساعدة في التكيف عندما يصبحون آباء وأمهات. “كان لدي عميل في نيويورك، وهو رجل رُزق بأول طفل له وكان يعاني من قلق المسؤولية عن كائن  صغير”. تقول بروتود إنها أوصته بقراءة “درجة حرارة الغرفة” للكاتب نيكلسون بيكر، الذي يحكي عن رجل يقوم بإرضاع طفله وهو في حال من التأمل في فكرة الأبوة. وبالطبع قمت بتوصية “أن تقتل طائرًا بريئًا” وذلك لأن أتيكس فينش هو صورة الأب المثالي في الأدب .

قامت بروتود وإلديكرن بتأليف كتاب “الرواية العلاجية: الأدوية الأدبية من الألف إلى الياء” المكتوب بطريقة قاموس طبي والمطابقة لأمراض أو أعراض مثل (الفشل، الشعور بأمر وكأنه … ) مع القراءات العلاجية المقترحة مثل “تاريخ السيد بولي” هـ . ج . ويلز. وصدر كتابهما أول مرة في الولايات المتحدة  عام 2013، و نشر في ثمانين دولة. وفي تطور مثير للاهتمام سُمح للمحررين المحليين والمتخصصين في القراءة من كل دولة  في  المشاركة بتوصيات  قرائية وأمراض خاصة بكل دولة  بنسبة 25 بالمائة من محتوى الكتاب، بالإضافة إلى إبراز أسماء الكُتاب المحليين. وكانت هذه المشاركات انعكاس واستكشاف ثقافي ثري. ففي الطبعة الهولندية سُلط الضوء على أحد الأمراض “الأباء والأمهات الذين يعتقدون بأن مستوى أطفالهم لا مثيل له”. وفي النسخة الهندية “التبول العام” و “الهوس بلعبة الكريكيت”. وقدم الإيطاليون موضوع  “العجز الجنسي” و”الخوف من الطرق السريعة” و”الرغبة في التحليق”. و أضاف الألمان “كره العالم” و”أحزاب الكراهية”.  وتعمل  بروتود و إلدركين الآن على إصدار كتاب مخصص لأدب الأطفال، “ملعقة مليئة بالقصص”، المقرر نشره في عام 2016.

لم يكن الأمر مفاجأ لكل القراء المتمرسين الذين يستخدمون القراءة للعلاج الذاتي طوال حياتهم، بأن تكون  القراءة مفيدة لصحتهم النفسية ولعلاقتهم مع الآخرين. ولكن  الأمر أصبح أكثر وضوحًا فيما يتعلق  بالأسباب والكيفية التي تجعل القراءة مفيدة، ويعود الفضل إلى البحوث الجديدة في تأثير القراءة على الدماغ. منذ اكتشاف “الخلايا العصبية المرآتية” في منتصف التسعينات، وهي خاصية تهتم بمدى نشاط الخلايا أثناء  القيام بعمل بأنفسنا  أو مشاهدة عمل يقوم به الآخرون. وقام المتخصصون بعلم الأعصاب بعمل دراسة في 2011 لمعرفة أسباب التعاطف عند القراء. وأظهرت الدراسة التي نشرتفي المجلة السنوية لعلم النفس، استنادًا إلى تحليل مسح للدماغ بالرنين المغناطيسي الوظيفي من المشاركين، بأنه عندما يقرأ الناس عن تجربة ما، فإن المسح يظهر نشاطًا وتحفيزًا في المناطق العصبية نفسها التي تنشط عندما يمر الشخص بالتجربة نفسها التي يقرأ عنها. ونحن نستفيد من من شبكات الدماغ عندما نقرأ القصص بالطريقة نفسها التي نحاول فيها تخمين مشاعر شخص آخر .

وأظهرت دراسات أخرى نُشرت في عامي 2006 و 2009 شيئًا مماثلًا – بأن الناس الذين يقرأون الكثير من الخيال يميلون إلى أن يكونوا أكثر تعاطفًا مع الآخرين (حتى بعد أن وضع الباحثون في الحسبان التحيز المحتمل لبعض المشاركين الذين يفضلون قراءة الروايات ويحملون ميول أكثر عاطفية من غيرهم). وفي عام 2013، نشرت دراسة لها تأثير عالٍ في مجلة العلوم ترى بأن قراءة الأدب الخيالي (بدلًا من الأدب المشهور، أو بدلًا من قراءة الكتب غير الأدبية) حسنت نتائج الإختبارات لدى المشاركين، التي تقيس الإدراك الاجتماعي والعاطفي، والتي تعتبر نتيجة أساسية للنظرية العقلية القائلة إن للعقل القدرة على تخمين ما يشعر به يشعر أو يفكر فيه شخص ما  بشكل دقيق. وتبدأ هذه المهارة في التطور في سن الأربع سنوات .

كيث أواتلي، روائي وأستاذ فخري في علم النفس المعرفي في جامعة تورنتو، يدير لسنوات عديدة مجموعة بحثية مهتمة بعلم النفس الخيالي. قال فيها “لقد بدأنا في إظهار كيف نرتبط بشخصيات خيالية تعكس هويتنا، وكيف يمكن للأدب الفني أن يحسن القدرات الاجتماعية للفرد وكيف يمكن أن يؤثر علينا عاطفيًا، وبذلك يدفعنا للتغيير من أنفسنا”. وكتب في كتابه الصادر عام 2011، “أشياء مثل الأحلام: علم النفس الروائي”. “الرواية هي نوع من المحاكاة، التي لا تعمل على أجهزة الكمبيوتر بل على العقول. هي محاكاة للنفس وتفاعلها مع الآخرين في العالم الاجتماعي. وتستند هذه المحاكاة على الخبرة، وتشمل القدرة على التفكير في مستقبل ممكن”. هذه الفكرة تعزز اعتقادًا طويل الأمد بين كل من الكتاب والقراء أن الكتب هي أفضل أنواع  الأصدقاء. فهي تمنحنا فرصة للتدرب على التفاعل مع الآخرين في العالم، دون القيام بأي ضرر دائم. كتب مارسيل بروست في مقاله “عن القراءة ” عام 1905  بأناقة “لايوجد تواصل اجتماعي قسري مع الكتب، وعندما نقضي الأمسية مع أصدقائنا الكتب، فنحن نريد ذلك. وعندما نتركها فنحن نفعل ذلك على مضض، وعندما نتركها فإننا لا نفسد تلك الصداقة بأفكار من قبيل “ما الذي يعتقدونه عنا؟ هل ارتكبنا خطأ أو قلنا شيئًا من دون لباقة؟ هل كانوا يحبوننا؟ ولا يوجد لدينا قلق بأن ينسانا الكتاب لانتقاله إلى يد أخرى.

جورج إليوت، التي يشاع أنها تغلبت على حزنها بفقدان شريكها من خلال برنامج القراءة الموجهة مع شاب أصبح في ما بعد زوجًا لها، والتي تعتقد بأن “الفن هو أقرب شيء إلى الحياة. بل هو وسيلة لتضخيم الخبرات وتوسيع اتصالنا مع زملائنا البشر خارج حدودنا الشخصية”. ولكن لا يتفق الجميع مع هذا الوصف في قراءة الروايات وقدرة القراءة على جعلنا نتصرف بشكل أفضل في الحياة الحقيقية. في كتابها بعنوان “التعاطف والرواية” لعام 2007، تطرح سوزان كين مسألة “فرضية التعاطف – الإيثار”، وهي تشكك فيما إذا كانت الروابط التعاطفية التي تتم أثناء قراءة الخيال تترجم فعلا إلى سلوك اجتماعي في العالم. كما تشير إلى مدى صعوبة إثبات مثل هذه الفرضية. تقول كينت إن ” الكتب لا تحدث التغير بحد ذاتها، وليس الجميع يحمل الاعتقاد بأنها يجب أن تفعل ذلك” وأي دودة كتب يعرف بأن القراء قد يظهرون بشكل غير اجتماعي وبعيد عن أي نشاط. فقراءة الروايات ليست رياضة جماعية “بدلًا عن ذلك تقول إن علينا الاستمتاع بما تقدمه الكتب لنا وهو الخلاص من الالتزام الأخلاقي  في الشعور تجاه شخصيات غير حقيقية كما يجب علينا فعله في الحياة الواقعية تجاه إنسان يعاني ويتألم. والتي تعني بشكل متناقض بأن القراء أحيانًا يستجيبون بتعاطف أكبر مع شخصيات خيالية في وضع غير واقعي بسبب شعور الحماية ضد الوضع الخيالي.  وهي تؤيد بكل إخلاص الفوائد الصحية الشخصية  للغرق في تجربة غامرة مثل القراءة، التي “تسمح بالهروب المنعش من الضغوط اليومية العادية”.

لذلك حتى لو كنت لا توافق على أن قراءة الروايات تجعلنا نعالج الآخرين بشكل أفضل، فإنها وسيلة لعلاج أنفسنا بشكل أفضل. وقد أظهرت النتائج أن القراءة تضع عقولنا في حالة من النشوة الممتعة تشبه التأمل، وأنها تجلب الفوائد الصحية نفسها المصاحبة  للاسترخاء العميق والهدوء الداخلي. ينام القراء المتمرسون بشكل أفضل، ولديهم مستويات ضغط أقل، وتقدير ذاتي عال، ومعدلات اكتئاب منخفضة مقارنة بأقرانهم . تقول الكاتبة جانيت وينتيرسون:”الرواية والشعر جرعات من الأدوية، إنهما يشفيان الواقع الممزق الحاصل في تخيلاتنا” .

ووصفت لي إحدى زبائن بروتود  كيف ساعدتها الجلسات الفردية والجماعية التي عقدتها مع بروتود على مواجهة تداعيات سلسلة من المصائب، بما في ذلك فقدان زوجها، ونهاية خطبتها التي امتدت لخمس سنوات، وأزمة قلبية. حيث تقول: “شعرت بحياتي دون هدف. وشعرت بالفشل كامرأة “.  من بين الكتب التي وصفتها بروتود في البداية رواية جون إيرفينج “فندق نيو هامبشاير”. وكان الكاتب المفضل لدى زوجي، والذي وجدت صعوبة في قراءته لأسباب عاطفية معروفة”.  كانت تقرأ الكتاب بدهشة وبمشاعر متقلبة، على الرغم من أنها تجنبت قراءة كتب زوجها حتى ذلك الحين. وقالت إنها وجدت التجربة عاطفية جدًا ولكن مجدية، سواء في قراءتها للأدب نفسه أم التخلص من أسوأ مخاوفها”. وكانت تقدر توجيهات بروتود خاصة عندما عرضت لها رواية  توم روبنز”عطر جيتربوغ”،حيث قالت “إن الكتاب قدم لها منحنى تعليميًا حقيقيًا عن التحيز والتجارب العلمية”.

واحدة من الأعراض المذكورة في كتاب ” الرواية العلاجية ” هي المشاعر الطاغية تجاه فكرة عدد الكتب الموجودة في العالم، وأعترف أني أعاني من هذا الشعور مرارًا وتكرارًا . تقول إلدركين إن هذا هو واحد من أكثر المشاكل شيوعاً للقراء الحديثين، وإنه لا يزال دافعًا كبيرًا لها  ولبروتود للعمل كمعالجتين بالقراءة. نحن نشعر أنه على الرغم من أن المزيد من الكتب تنشر أكثر من أي وقت مضى. وفي الواقع يقوم الناس باختيار الكتب بين مجموعة صغيرة فأصغرمن الخيارات. انظرإلى قوائم القراءة لمعظم نوادي الكتب، وسترى أن كل الكتب هي نفسها، تلك التي أعلن عنها في الصحافة. إذا قمت بحساب عدد الكتب التي تقرأها في السنة، وكم  ستقرأ على الأرجح قبل أن تموت، ستدرك أن عليك أن تكون انتقائيًا للغاية من أجل  الحصول على الاستفادة القصوى من القراءة التي تخصك وحدك”، وأفضل طريقة للقيام بذلك هو الاستجابة لدعوة معالج بالقراءة. وأقوم باقتباس أسطر من  مسرحية شكسبير “تيتوس أندرونيكوس”: “تعال وخذ كل مالدي في مكتبتي / فيها أفراحي وأحزاني” .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

.

 

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *