كلمة بثينة العيسى بمناسبة سنوية تكوين الأولى

حقّ الفرد في الولادة الجديدة، في الفرصة الثانية، في النمو والتجاوز، هذا هو ما توفّره المكتبة لزائرها في كل يوم، في كل لحظة.

حقّ الفرد في الولادة الجديدة، في الفرصة الثانية، في النمو والتجاوز، هذا هو ما توفّره المكتبة لزائرها في كل يوم، في كل لحظة.

ما الذي تملكه الإنسانية من أدوات الحضارة، ولم يُدجَّن بعد؟

يخيّل إليّ أحيانًا بأنَّ هذا العالم مصمّم من أن نكون مستهلِكين، ومُستَهلكين.

تبدو حيواتنا مثل سلسلةٍ من محاولات التكيّف مع الأشكال؛ أشكالٌ تخبرنا كل يوم؛ ما هي السعادة، وما هو الحُب. ما هو الوطن، وما هي الفضيلة.

معلّبات أجوبة، مرصوصة على الأرفف، مجانية وجاهزة، في انتظار أن تستخدمها.

في اللحظة التي تمدُّ فيها يدك باتجاهِ جوابٍ ما، تتوهّم أنّك تفكّر. وبفضل هذا الوهم، تتوهّم أنك حُر.

إلى أي حدٍ يعوّل النظامُ على أوهامنا؟

وما الذي تمثله المكتبة.. في عالمٍ مثل هذا؟

ليس لغزًا أن المكتبات كانت تحرق وتحاربُ على مرِّ العصور. إذ يصعبُ استيعاب هذا التعدد الصوتيّ الذي تضمنهُ لنا المكتبة. ورغم أن العالم يجنحُ في كل يومٍ إلى الشكل الواحد، والرأي الواحد، فإنَّ المكتبة تنمو وتتّسع بتعدد الأصوات التي تحتويها.

 وفي حين يبدو النظام العالمي مهووسًا بتحويلنا إلى تكرارات أبدية، فإنَّ المكتبة، ببساطة، تفنّد هذه الفكرة واقعيًا، عندما نضع على الرّف كتابًا إلى جانبِ كتاب، ويصبح الاختلاف ممكنًا، ومستوجبًا.

يقول أورهان باموق: “قرأتُ كتابًا ذات يوم وتغيّرت حياتي كليًا”.

أنا أيضًا مثله، قرأتُ كتابًا، ثمَّ أصبحت شخصًا آخر. وبتُّ أعتقدُ بأن الجزء الأهم من وجود المكتبة هو هذا، أن تكون في المكان الذي يمكن أن تتغيّر فيه حياتك إلى الأبد. حقّ الفرد في الولادة الجديدة، في الفرصة الثانية، في النمو والتجاوز، هذا هو ما توفّره المكتبة لزائرها في كل يوم، في كل لحظة.

قبل سنة، كنتُ أقف أمامكم أيضًا وأتساءل؛ ما معنى أن تولد في العالم مكتبة؟ وكيف يمكن للمكتبة أن تكون مكان كلِّ الأمكنة، ومصبَّ كل الأزمنة. كيف يمكن للمكتبة أن تكون المتاهةَ والوصول، المرآةَ والآخر، الصوتَ والصّمت.

ما الذي يعنيه أن نكون هنا، في هذه المصفوفة المؤلفة من ملايين العوالم المتوازية، نحتفل بكل ما نعرف، وما لا نعرف.

في تلك الأيام، بدت المكتبة مثل شيءٍ منفصلٍ عن الواقع، يوتوبيا أرضية، بلاد عجائب، أو جزيرة كنز. كانت المكان الذي يوجدُ خارج المكان، الذي نحقّق فيه انفصالنا عن عالمٍ يحوّلنا كل يوم إلى مستهلِكين، ومستهلَكين.

في تلك الأيام، كنا نرى المكتبة بشكلٍ مجرّد. كانت المكتبة مجرد فكرة.

اليوم، بعد مرور سنةٍ، صارت المكتبة واقعًا، وصرنا نراها بشكلٍ أوضح، مثل مشروع مقاومة، يتصدّى لفاشية التشابه، وتسطيح الحقائق.

أشياء كثيرة تغيّرت خلال سنة واحدة..

قبل سنة، كنا نعتقدُ بأن وظيفة المكتبة هي توفير الكتب للقارئ. الآن، نحن نؤمن بأن دور المكتبة هو صناعة القارئ.

للقارئ طبيعة مطاردي الكنوز. سوف يصل القارئ إلى الكتاب الذي يريدهُ، حتى كان نصًا محرمًا أو رواية ممنوعة أو مخطوطة نادرة. ليست هناك بطولة حقيقية في توفير الكتاب للقارئ. البطولة، هي في صناعة القارئ ذاته.

أن نقنع إنسانًا لا يقرأ، بضرورة أن يقرأ.

قبل سنة، كان هناك خطٌ رفيعٌ يفصلُ بين العمل الثقافي والعمل المجتمعي. الآن، أصبح من الصعب أن نفصل بين الاثنين. بدا لنا، طوال السنة الماضية، أن الخطاب الثقافي سيبقى دائمًا خطابًا نخبويًا، وترفيًا، ما لم نمتلك الجرأة على طرح قضايا حرية التعبير، وأدلجة التعليم، وغسيل الأدمغة، وزيف الإعلام، ومحاربة العقل، وحقوق المرأة والأقليات، ومفهوم الأخلاق، وغيرها من القضايا التي، لسببٍ نجهله، يندر تناولُها في التجمعات الثقافية وأندية القراءة.

خلال السنة الماضية، قررنا أن نصمّم برنامجنا الثقافي دائمًا على مقاس الخوف الذي نحمله، وأن تكون المكتبة هي المكان الذي نشير فيه إلى الجُرح. لأننا لا نفهم معنى العمل الثقافي إن لم يستهدف البيت، والشارع، والمدرسة، والجامِع.

رؤى كثيرة تغيّرت، أو نضجت، خلال سنة واحدة. ولكنَّ أمرًا واحدًا لم يتغيّر حتى الآن. إصرارنا على استقلالية العمل الثقافي، ماديًا وإعلاميًا. لأن أسوأ ما يمكن أن يلحق بالعمل الثقافي هو أن يفقد صوته، أن يفقد حقه في النقد والمساءلة.

أتمّت مكتبة تكوين عامَها الأول. وخلال هذا العام بدونا دائمًا وكأننا نطارد هذه الفكرة التي تكبر بشكلٍ أسرع من قدرتنا على المواكبة. كانت المكتبة كائنًا حيًا، يتمتع بوعيه الخاص، المستقل عن وعي القائمين على إدارته. كائن قرّر أن يكبر في طريقٍ لم نخطّط له ولم نحسب حسابه. رسم ملامحهُ ذاتيًا، وقرّر أن يتحوّل إلى منصة للأفكار، ومختبر دائم للكتابة، ومشروعٍ للتعليم البديل، ومصنعًا للأسئلة.

لم نحسب حسابَ شيءٍ من ذلك.. ففي بداية الأمر، ما أراده كل واحدٍ منا، حقيقة، هو أن يحقّق حلم طفولته، ليصير بائع كتب.

من تخيّل أن المغامرة ستكون مجنونة هكذا؟

المكتبة..

وحدها المكتبة كانت تعرف.

شكرًا لكم.

18/3/2017

This entry was posted in عن الكتابة, لماذا تكتب؟. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *