دانييل هان وفهميده رياض: ما هي الترجمة الناجحة للأدب؟

ترجمة: آلاء نحلاوي
ليس الترجمة أمرًا سهلًا، لكن على المرء أن يستمر ببذل جهده. يجب أن تكون على توافق تام مع الشاعر، أن تستمر بتمتمة كلماته. وفي المحصلة، الترجمة عمل إبداعي، ولا أحد يستطيع أن يقول بثقة تامة أن عملاً ما كان يمكن أن يترجَم بطريقة أفضل أو بأسلوب مختلف.

ليست الترجمة أمرًا سهلًا، لكن على المرء أن يستمر ببذل جهده. يجب أن تكون على توافق تام مع الشاعر، أن تستمر بتمتمة كلماته. وفي المحصلة، الترجمة عمل إبداعي، ولا أحد يستطيع أن يقول بثقة تامة أن عملاً ما كان يمكن أن يترجَم بطريقة أفضل أو بأسلوب مختلف.

مقابلة أجراها تيد هودكنسون مع المترجم البريطاني دانييل هان ، ومترجمة الأردية فهميده رياض خلال ورشة لتعليم الترجمة الأدبية في كراتشي.

– دانييل هان، هل على الترجمة الجيدة أن تنقل النص الأصلي بأمانة، أم تنتجَ شيئًا متميزًا ذا طابع خاص؟

للأسف، كلاهما صحيح. إذا اعتبرنا أن الأمانةَ التي تطمح لها شيءٌ يتعدى مجرد الولاء لحرفية المعنى، إذًا فكل الطرق لتحقيقها تتطلب إنتاج شيء ينبض بالحياة. يجب أن تملك الترجمةُ الحيويةَ نفسها للنص الأصلي. أما أخذُ نص مليء بالحياة وتحويلُه إلى شيء ممل وجامد بلغة أخرى فذلك أبعد ما يكون عن الإخلاص بالنسبة لي.

–  هل يمكن أن تضيف الترجمة شيئًا للعمل الأصلي؟

طبعًا، ففي الترجمة كل شيء يتغير، كل كلمة وجملة وكل مقطع لفظي، لهذا السبب تكون مختلفة عن الأصل. بالتالي سوف يكون هناك إضافات، فضلًا عن تركيز الانتباه على أشياء معينة من النص الأصلي.

الترجمة عمل تفسيري  وإبداعي في الوقت ذاته. كل مترجم يقرأ النص الأصلي ويحاول أن يستنبط فكرته الأساسية وأهم ما فيه، ثم يستمر باتخاذ قرارات الإبقاء على عناصر معينة وتأكيد أهميتها، والتضحية بأخرى.

يقال إن المعنى ’يضيع’ في الترجمة، لكن الأمر مختلف كليًا بالنسبة لي، الشيء الذي يحدث أن ألاحظ ضياعه باستمرار فعلًا هو الغموض. نحن نأخذ كلمة من النص الأصلي ذات معنيين مترادفين أو ثلاثة، ثم نبحث عن كلمة إنكليزية تقابل معنىً أو اثنين منها فقط، لكن هناك فائدة لهذا التركيز الكبير في المعنى.

كثيرًا ما يُقتبَس عن ماركيز –خطأً- قولُه: “النسخة المترجمة من ’مئة عام من العزلة’ أفضل من الأصلية”. لكنه باعتقادي قال إنها أكثر دقة من الأصلية. الفارق هنا ذو دلالة مهمة برأيي.

– ما هي الخواص اللغوية الأصعب على الترجمة؟

اللغة كلها. الترجمة مستحيلة، ولا أقصد هنا أنها شاقة للغاية، بل هي فعلًا غير ممكنة. لا يوجد كلمة واحدة في أية لغة ترجمت منها ترادف بدقة تامة كلمة في اللغة الإنكليزية. بالتالي فالترجمة عملية تفسيرية، تقريبية وإبداعية. وأي شيء هو في حد ذاته خاصية لغوية يكون تلقائيًا مقتصرًا على لغة معينة، سواءٌ  أكان اصطلاحًا أم التباسًا في المعنى أو سجعًا، فكل لغة تختلف عن الأخرى. هناك بالطبع تشابهات بين بعض اللغات ذات القرابة، لكن هذه الحالات تعتبر أقلية.

ما هي مزايا إقامة ورشة لتعليم الترجمة بحضور الكاتب نفسه؟

هناك مزيتان، الأولى هي الرؤية التي يستطيع الكاتب أن يوفرها للمترجم في قراءته للنص وفهمه له، وبالتالي في القرارات التي سيتخذها من أجل ترجمته على ضوء هذا الفهم. والثانية هي إجراء هذا الحوار نفسه مع الكاتب، والذي يدفع المترجمين لقولبة أفكارهم وصياغتها لفظيًا لتشكيل أسئلة واقتراحات. كل ذلك مفيد بحد ذاته –التعبير بصوت عالٍ عن عملية إبداعية تفسيرية تحدث عادة في اللاوعي بغير لغة معينة منطوقة، بل بين لغات مختلفة، لهو حافز مهم للتعلم، وإن كانت اللحظة التي يحدث فيها التعلم مجهولةً بالنسبة لنا.

–  أنت معروف بدراستك المتأنية للنص و تقييمك الدقيق لكل كلمة اخترتها، ما هو الرقم القياسي الذي حققته في زمن البحث عن كلمة معينة؟ وما هي مزايا اتباع هذا الأسلوب؟

نعم، أنا فخور بقدرتي على عدم تحقيق أي تقدم على الإطلاق. لكنني لست واثقًا كم كان أطول وقت قضيته في البحث  والتدقيق، الآن وقد سألتَ أشعرُ أنني ملزم بخوض التحدي، لذا سأبقي انتباهي على الوقت في المرات القادمة.

بالنسبة للمزايا؛ الترجمة مرحلتان، قراءة يقِظةٌ متعمقة، ثم كتابة دقيقة متأنّية. التركيز على التفاصيل هو المفتاح. إذا استخدم الكاتب كلمة معينة، علينا أن نعرف لم اختار تلك الكلمة بالذات وليس غيرها، ما الذي تعنيه وتمثله في الجملة، وما أهميتها للإيقاع والأسلوب، بعدها علينا أن نجد كلمة تحقق كل ذلك بالإنكليزية بأكبر دقة ممكنة.

الجملة التالية تعطي فكرة عما يدور في ذهن المترجم أثناء عمله: “الخوض في (توضيح/شرح) الأسئلة، و(التعبير عن/صياغة) العملية الفكرية التي (تكونها/تحددها)، يمكن أن يكون ذا نفع عظيم (أو عاملًا مساعدًا -لاحظ تغير الأسلوب) في جعل الناس أكثر وعيًا وحساسيةً (هل نحتاج كلا الكلمتين هنا؟ وهل تداخل معانيهما ضروري؟) لما تقتضيه الإجراءات، وبالتالي تحسين طريقة عملهم بأنفسهم. (ربما لا داعي لتلك الفاصلة الأخيرة؟ أأبقيها؟ أم أحذفها؟)”

– هل تعتبر عصرنا الحالي مناسبًا لأن يمتهن المرء ترجمة الأدب؟

أعتقد أنه وقت ممتاز لتكون مترجمًا إلى اللغة الإنكليزية خاصة في المملكة المتحدة، أو على الأقل أن تعمل مع الناشرين فيها، لكن الأمر نسبي. بعض الأوساط أكثر تقبلًا للترجمة، وبعض دور النشر تعامل المترجمين أفضل من غيرها، تجد في بعض الأماكن حماسًا لهذه المهنة ولهذا القطاع بشكل عام مما يشكل فارقًا كبيرًا (كما هو الأمر في المملكة المتحدة اليوم) –لكن الوضع مبشّر على كل حال، مزيد من الأدب تتم ترجمته باستمرار، لحسن حظنا ولحسن حظ القراء أيضًا.

– فهميده رياض، ما هي برأيك المباهج والتحديات في ترجمة اللغة الأردية؟

لقد قمت بترجمة أعمال شعرية وأدبية من اللغة الفارسية والسندية والإنكليزية. كل نص تترجمه هو نتاج شخصي لفرد بعينه لذا عليك أن تعامله معاملة خاصة. أحاول أن أحافظ على بيئة الثقافة الأصلية كما تتمثل في النص أكثر مما أحاول الحفاظ على اللغة نفسها.

أثناء ترجمة رواية نجيب محفوظ الحائزة على جائزة نوبل ’أفراح القبة’ إلى اللغة الأردية من الترجمة الإنكليزية، أبقيت إلى جانبي الرواية الأصلية باللغة العربية. نملك في باكستان رابطة محيرة ومثيرة للاهتمام مع اللغة العربية، إذ نتعلم جميعاً قراءة القرآن منذ الطفولة، فيمكننا نوعًا ما أن نقرأ العربية، لكننا لا نستطيع فهمها. على الرغم من ذلك، الرجوع إلى الكتاب الأصلي جعلني على دراية بكيفية خطاب الشخصيات لبعضها البعض، في بعض الأحيان كنت أجد كلمة مرادفة في الأردية، لكنني لم أرد لهؤلاء المصريين أن يبدوا كما لو أنهم من أهل كراتشي.

– بم تتميز الأردية عن اللغات الأخرى المحكية في باكستان؟

الأردية لا شكَّ تختلف عن اللغات الأخرى في باكستان، لقد تطورت في المدن و هي بالتالي لغة حضرية ذات تعابير رسمية، ولدت في دلهي و محيطها حيث كان مركز السلطة والثقافة في شبه القارة لمئات السنين. الفرق بينها وبين اللغات الباكستانية الأخرى يمكن مقارنته بالفرق بين اللغة الإنكليزية الفصيحة وتفرعاتها في المملكة المتحدة، كالإيرلندية والسكوتلاندية والويلزية.

– كيف تترجمين الكلماتِ الأرديةَ التي ليس لها مرادف في الإنكليزية، أو المفاهيمَ التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة الباكستانية؟

أحيانًا أصادف كلماتٍ عصيةً على الترجمة بسبب اختلاف الثقافات. مثال على ذلك كلمة “شَرمانا”. السياق المناسب لها هو دنو شاب من فتاة، في موقف كهذا تصبح الفتاة “شرما غايي”. كلمة لا يمكن ترجمتها ببساطة إلى الإنكليزية بكلمات مثل “خجلت” أو “أُحرِجَت”.  رغم أن الفتيات في الغرب قد لا يستجبن بهذه الطريقة، إلا أن ردة الفعل هذه في ثقافتنا تعطي فكرة حسنة عن الفتاة. وما يُعتبر مغازلة في الغرب، يقابله في جنوب آسيا تعبير أنثوي رمزي عن الاهتمام. من الضروري أيضًا أن تكون هذه الاستجابة عفوية وغير مفتعلة. إذًا أفضل ما يمكن فعله هو أن يشرح المترجم للقارئ ما تشعر به الفتاة وما الذي يحدث بالضبط في تلك اللحظة.

– هل تشكل الأبجدية الأردية تحديات أثناء الترجمة؟

الأحرف الصوتية في الأردية مختلفة عن تلك التي في الإنكليزية، لذا قد يشكل ذلك صعوبة في ترجمة بعض أسماء العلم أو الكلمات الأردية الأصلية، كالألقاب الملكية والعسكرية. الـ ’ا’ في الأردية تختلف عنها في الإنكليزية حيث اللفظ أطول، لدينا أيضًا أصوات مختلفة كالدال الرقيقة، والغين التي تشبه الراء الفرنسية، وأصوات أخرى موجودة في اللغة العربية والتركية، كحرف القاف كما في كلمة ’قريشي’. لعل لوحة مفاتيح تحوي الأبجدية الفرنسية تفي بغرض ترجمة أسماء العلم والكلمات الأردية التي يجب الإبقاء على لفظها في النص بعد ترجمته.

– هل تختلف ترجمة الشعر عن النثر؟

ترجمة الشعر تعد تحديًا أكبر. أمامك مهمة نقل المعنى بالإضافة إلى جمال التعابير التي يفهمها قارئ الأردية بسهولة بسبب دلالات هذه التعابير التي تكونت خلال أجيال. مثلًا، المجازات والاستعارات في الأردية قد تستند إلى مبادئ ثقافية وفلسفية شرقية. لدينا هنا ترجمة حرفية لبيت من أبيات الشاعر ’غالب’: “أسمعنا أيها الهلال اسم ذلك الشخص الذي تحييه بخشوع”. على القارئ لهذه الترجمة بالإنكليزية أن يكون مدركًا للفرق بين السلام العابر اليومي، والتحية المقترنة بانحناءة صادقة. عليه أيضًا أن يعرف أن احتفالاتنا ترافق رؤية الهلال حسب التقويم القمري الإسلامي. وأن التحية السابق ذكرها تلقى لشيء أو شخص بالغ الأهمية.

لا شك أن شرح هذه الروابط يستحق العناء. في حالة كهذه ألجأ إلى دراسة أعمال بعض الشعراء الإنكليز الأقدم و آلَفُ أسلوبَهم. لقد قمتُ مؤخرًا بترجمة الكثير من الشعر الصوفي، ووجدت أن دراسةَ أساليب ’جون دون’ و’وليم بليك’ ملهمةٌ بالنسبة لي، فهي تعطي فكرة عن كيفية التعبير عن مبدأ أو شعور مشابه بلغة أخرى، حتى لو كان ذلك قبل مئة عام.

ليس الأمر سهلًا، لكن على المرء أن يستمر ببذل جهده. يجب أن تكون على توافق تام مع الشاعر، أن تستمر بتمتمة كلماته. وفي المحصلة، الترجمة عمل إبداعي، ولا أحد يستطيع أن يقول بثقة تامة أن عملاً ما كان يمكن أن يترجَم بطريقة أفضل أو بأسلوب مختلف.

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *