ماريا بوبوفا: الحرية والمعنى الحقيقي لمكانة الكاتب لدى نادين غورديمر

ترجمة: علي زين

 

إن العملية المتمثلة في كتابة الحقيقة كثيرًا ما ستجلب على الكتاب استياء السياسيين، فلننظر مثلاً إلى قدر شخصية فيرجينيا وولف" أورلاندو"، أو شخصية نابوكوف "لوليتيغيشن" وندمه، أو المحاكاة الساخرة للرقابة على أعمال موريس سينداك، تلك الرقابة المتمثل وجودها كما يقول جورج برنارد شو من أجل "منع الجميع من الطعن في المفاهيم والمؤسسات القائمة" ولكن التقدم ذاته أساسه ذلك الطعن.

إن العملية المتمثلة في كتابة الحقيقة كثيرًا ما ستجلب على الكتاب استياء السياسيين، فلننظر مثلاً إلى قدر شخصية فيرجينيا وولف” أورلاندو”، أو شخصية نابوكوف “لوليتيغيشن” وندمه، أو المحاكاة الساخرة للرقابة على أعمال موريس سينداك، تلك الرقابة المتمثل وجودها كما يقول جورج برنارد شو من أجل “منع الجميع من الطعن في المفاهيم والمؤسسات القائمة” ولكن التقدم ذاته أساسه ذلك الطعن.

“كل كتابة جديرة بالاهتمام…تأتي من رؤية فردية ويكون تحقيقها على نحوٍ شخصي.”

عرف ويندل بيري الحرية بأنها نوع من التلاحم مع الذات، وكانت المغنية الكندية جوني ميتشل ترى أنها ترف إبداعي، أما الممثل الكوميدي بيل هيكس فكان يرى أنها مسألة إعطاء الناس الحق في ” التعبير عن الأفكار التي لا تتفق معها”، ولكن ما هو المعنى الحقيقي للحرية: بالنسبة للكاتب والفنان والإنسان؟

هذا ما تستعرضه الكاتبة الجنوب أفريقية الحاصلة على جائزة نوبل نادين غورديمر (20 نوفمبر 1923 – 13 يوليو 2014) تلك الفكرة التي أدرجتها في عام 1976 في مقال بعنوان “حرية الكاتب” من بحثها الرائع بمعنى الكلمة أوقات معبرة: الكتابة والحياة، 1954 -2008.

تقول غورديمر: “ما هي حرية الكاتب؟

بالنسبة لي هي حقه في التعبير عن وجهة نظر خاصة ومتعمقة وقوية للحالة التي يجد المجتمع عليها وينشرها للعالم، فإذا كان عليه أن يبذل قُصارى جهده يجب أن يتمتع بالحرية وأن يُمنح تلك الحرية في عدم الامتثال للتأويلات السياسية والأخلاق والأذواق.

فكل ما يمكن للكاتب عمله بوصفه كاتبًا هو كتابة الحقيقة التي يراها..

ولكن هذه العملية المتمثلة في كتابة الحقيقة كثيرًا ما ستجلب على الكتاب استياء السياسيين، فلننظر مثلًا إلى قدر شخصية فيرجينيا وولف” أورلاندو“، أو شخصية نابوكوف “لوليتيغيشن” وندمه، أو المحاكاة الساخرة للرقابة على أعمال موريس سينداك، تلك الرقابة المتمثل وجودها كما يقول جورج برنارد شو من أجل “منع الجميع من الطعن في المفاهيم والمؤسسات القائمة” ولكن التقدم ذاته أساسه ذلك الطعن، وتتطرق غورديمر لضرورة تلك المخاطرة المحتملة للكاتب الباحث عن الحقيقة:

“تجسد عمليات الحظر والإبعاد بعضًا من المخاطر الفظيعة و المعروفة التي من المحتم أن يواجهها الكاتب، وقد واجهها الكثيرون، إذا كان الكاتب ينتمي إلى الجانب المتمسك بحرية التعبير من بين حريات أخرى، ولكن في بعض الأحيان يتجمد الإبداع بدلاً من تدميره، لقد ظل توماس مان في المنفى وكتب مسرحيته ” الدكتور فاوستس”، كما قام “باسترناك” بتهريب مسرحية الدكتور جيفاقو بعد صمت دام عشر سنوات، وظهر سولجينيتسين في عالمه الرهيب كما هو في خريطة أرخيبل غولاج…”

تضيف غورديمر معبرةً عن وجهة نظر تذكرنا بذلك التحذير الأبدي من جورج أورويل ضد جُبن الرقابة على الذات:

“خلال كل تلك التقلبات يستمر الكتاب الحقيقيون في كتابة الحقيقة كما يرونها، غير خاضعين على الرقابة على أنفسهم. . . فيمكنك إحراق الكتب ولكن نزاهة الفنان المبدع لا تتجسد على الورق كما أنها لا تتجسد على قماشة الرسم، بل ستعيش وتنمو ما دام أنه لا يمكن إقناع الفنان ذاته أو تملقه أو تخويفه حتى يخون تلك النزاهة.

ورغم صعوبة العيش خلال كل ذلك فإنه يمثل جزءًا من معرفة الكاتب من أجل الحرية التي سيسهل على العالم فهمها.”

إلا أن غورديمر تجادل بأن هناك نوع آخر من الحرية أساسي أيضًا على الأقل لاستقامة الكاتب بل وقد يكون أكثر غموضًا:

“تلك الحرية الأخرى المركبة والأكثر شمولاً ومفارقة: إنها حرية التعبير عن رؤيته الخاصة للحياة، والتي قد يهددها مجرد الوعي بذاته وما هو متوقع منها، وغالبًا ما سيكون المتوقع منه هو الامتثال للمعارضة المتطرقة”.

تضيف غورديمر مرددةً ما قاله الروائي الأمريكي جون شتاينبك عن قناعته بأن الكاتب لا يمكنه “العمل لحساب الآخرين” ولن “يقوم بعمل جيد اذا ما أستخدم أفكارهم”:

“فالبعض سيعدونه المتحدث بلسانهم، وهم أولئك الأشخاص الذين يشاركهم مثلهم العليا بوصفه إنسانًا، والذين يتبنى قضيتهم بوصفه إنسانًا، وقد يكون همّ هؤلاء الأشخاص الذين يعانون مما يعاني هو منه، لتحدث حالة من الصراع الداخلي لديه بسبب التماهي معهم أو إعجابه بهم أو ولائه لهم، وتتطلب استقامته بوصفه إنسانًا بأن يضحي بكل شيء من أجل الصراع الذي يواجهه وهو يؤيد الرجال الأحرار، وتنتفي نزاهته بوصفه كاتبًا في اللحظة التي يبدأ فيها بكتابة ما يؤمر به.

وتشير غورديمر إلى أن تلك الاستقامة ليست فقط مجرد التعبير عن آراء معارضة، لكنها بالأحرى لا تقل ضرورةً عندما يتعلق الأمر باجندة ووجهات النظر التي يتفق معها الكاتب:

“فالواقع هو أنه حتى لو كان هؤلاء الذين يناصرهم الكاتب ملائكة فيجب عليه أن يحتفظ بحقه في قول الحقيقة على النحو الذي يراه وبكلماته هو دون أن يُتهم بأنه خذل قومه وعشيرته.

وعندما يطالب الكاتب بتلك الحريات لنفسه فإنه سيبدأ في فهم الحجم الحقيقي للصراع الذي سيعانيه،

فهذا الصراع يتعلق بالأساس بإدراك وتحديد اتجاهات جديدة للعالم لكي يتحرك فيها، ومن ثم دفعه باتجاه تلك الاتجاهات لأنه كما قال الكاتب الأمريكي إ. ب. وايت قبل عدة سنوات “الكتّاب لا يعبرون فقط عن الحياة ويقومون بتفسيرها بل إنهم يعطونها جوهرها وشكلها.”، وتضيف غورديمر:

،”إن تلك الأعجوبة المبتكرة يجب أن تُستقبل بالصدمة والإثارة، وقد يؤدي تأثيرها  إلى توجيه الناس في اتجاهات جديدة خاصة بهم ولكن نادرًا ــــ أو يمكنني القول مطلقًا  ــــ ما يأتي المبدع التالي من مقلديه: هؤلاء الذين يبتكرون نمطًا شبيهًا له، فليست كل أنواع الكتابة الجديرة بالاهتمام من قبيل التجديد، لكني أرى أنها دائمًا ما تأتي من الرؤية الفردية التي يحاول الكاتب تحقيقها بنفسه، وقد يكون مصدر ذلك أحد التقاليد، ولكن التقاليد تتضمن اختيار التأثير، أما النمط فيجعل تأثير اللحظة هو التأثير الوحيد للجميع الذين يعاصرون تلك اللحظة”.

إذ ترى غورديمر أنه بدون الحرية لا يمكن تحقيق تلك الرؤية:

“يحتاج الكاتب إلى كل تلك الأنواع من الحرية المبنية على الحرية الأساسية وهي أن يكون حرًا من المراقبة، فهو لا يطلب ملاذًا من الحياة ولكن التعرض لها دون إمكانية التهرب، أن يشارك في الحياة بقوة وفق شروطه الخاصة، ويجب أن يُترك ليعيش وفق تلك الشروط إذا كنا نريد أن يأتي الصراع بثماره، فأي حكومة وأي مجتمع وأي رؤية لأي مجتمع مستقبلي يحترم كتّابه يجب أن يحرر هؤلاء الكتاب قدر الإمكان حتى يتمكن كلٌ منهم من الكتابة بطريقته الخاصة، ووفق اختياره للشكل واللغة، ووفق طريقته في اكتشاف الحقيقة.

ليصبح عندها الالتزام والحرية الإبداعية شيئًا واحدًا.”

تعود غورديمر إلى هذا الموضوع بعد عقدين من الزمان في مقال آخر من مجموعتها التي تحمل عنوان “وضع الكاتب في العالم اليوم”، ومن الجدير بالذكر أنه خلال الفترة الانتقالية بين المقالين حظرت حكومة التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا ثلاثة من كتبها، ما يدفعنا إلى إدراك دور الكاتب “بوصفه الممتدح والناقد الاجتماعي”، فتقول:

“ما هي المكانة، بالنسبة لنا معشر [الكتاب]؟ أولاً من الواضح تمامًا أن المكانة الأساسية يجب أن تكون حرية التعبير، فهي بمنزلة الأكسجين للإبداع، فبدونها يصارع العديد من الموهوبين في قارتنا من أجل التنفس، وقد اختنق البعض، وفُقد البعض في تلك الأجواء الأخرى، حيث هواء المنفى الضعيف.

حرية الكتابة، نملك تلك المكانة نحن، وندرك تمامًا أنها ما يجب أن نحذر دائمًا للدفاع عنها, ضد جميع التبريرات والأعذار السياسية التي تهدف إلى تزييف بحثنا عن الحقيقة ليصبح أكثر قبولاً لهؤلاء الذين يقومون بالمساومات من أجل السلطة.

وبعيدًا تمامًا عن القضية العليا للحرية البشرية نجد أن مطالبتنا بحرية الكتابة لها أهمية وفائدة للمجتمع إذ لا يمكن سوى للكتّاب منحه إياها، إن ما نقوم بتأليفه من الكتب ضروري…فتلك الكتب توضح لكلٍ من الكاتب وقرائه وشعبه طبيعتهم الحقيقية“.

وتتأمل غورديمر “دور الكاتب بوصفه مستودعًا لروح الشعب” وأن ذلك الدور هو المقياس الجوهري للمكانة وليس “الشهرة والمجد، والدعوات لتناول العشاء مع الوزراء والسلطة”، فتضيف:

“الحرية ومتعتها والحرية وسخطها ـــــ وهي صياغة أخرى لعبارة فرويد ــــ هما روح الشعب بالنسبة لكتّابه في هذه اللحظة”.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *