نجيب محفوظ: أتخلص من المسودات والملاحظات الورقية حتى لا يفيض منزلي بها!

ترجمة: آية عدنان آغا
أقوم بمراجعات متكررة، أحذف الكثير من الجمل، وأكتب على كافة أنحاء الورقة حتى الجزء الخلفي منها. غالبًا، أقوم بمراجعات أساسية وجذرية. وبعد أن أنتهي منها، أعيد الكتابة وأرسلها للناشر. ثم أمزق جميع المسودات القديمة وأتخلص منها.

أقوم بمراجعات متكررة، أحذف الكثير من الجمل، وأكتب على كافة أنحاء الورقة حتى الجزء الخلفي منها. غالبًا، أقوم بمراجعات أساسية وجذرية. وبعد أن أنتهي منها، أعيد الكتابة وأرسلها للناشر. ثم أمزق جميع المسودات القديمة وأتخلص منها.

“ان قابلت نجيب محفوظ ستجده شخصًا محافظًا، ولكنه صريح ومباشر.يرتدي بدلة قديمة الطراز، ذات لون أزرق داكن، يغلقها حتى الزر العلوي. يدخن، ويحب أن يشرب قهوته خالية من السكر.”

  • الصحفية:متى بدأت بعملية الكتابة؟

محفوظ: بدأت عام 1929، رفضت جميع القصص التي كتبتها. سلامة موسى- محرر المجلة الجديدة- كان يقول لي :”أنت تمتلك الموهبة، ولكنك لا تتقن الكتابة، بعد”. في أيلول من عام 1939-وأذكر هذا التاريخ جيدًا لأنه كان بداية الحرب العالمية الثانية- نشرت (عبث الأقدار) كنوع من هدية مفاجئة من المحررين في (المجلة الجديدة)، كان هذا حدثًا مهمًا للغاية في حياتي.

  • الصحفية:هل تكتب وفق جدول منتظم؟

نجيب محفوظ: دائمًا ما كنت مضطرًا للعمل وفق جدول منتظم.من الثامنة صباحًا حتى الثانية ظهرًا أكون في العمل، ومن الرابعة حتى السابعة أمارس الكتابة، أما من السابعة حتى العاشرة فأقرأ. هكذا كان جدولي اليومي باستثناء يوم الجمعة. لم أحظ بالوقت الكافي لأمارس الكتابة، ومع ذلك توقفت عن الكتابة قبل ثلاث سنوات تقريبًا.

  • الصحفية:كيف تأتي بالشخوص والأفكار في حكاياتك؟

نجيب محفوظ: سوف أوضح الأمر بهذه الطريقة؛ عندما تقضي الوقت برفقة الأصدقاء، ما الذي تتحدثون عنه؟ هذه الأشياء التي تترك انطباعًا في نفسك لذلك اليوم أو الأسبوع…أنا أكتب بهذه الطريقة. الأحداث التي تحصل في البيت، المدرسة، العمل أوالشارع، هي الأساس الذي تقوم عليه الحكايات. بعض التجارب تترك أثرًا عميقًا في داخلي، مما يدفعني لتحويلها إلى رواية بدلًا من الحديث عنها في النادي أو مع الأصدقاء.

على سبيل المثال، قضية المجرم الذي قتل ثلاثة أشخاص،هنا في مصر.سأبدأ مع هذا الحدث البسيط وأفكر انطلاقًا منه بعدة خيارات لكيفية كتابة هذه القصة. قد أفكر-مثلًا- في رواية الأحداث من وجهة نظر الزوج، الزوجة، الخادم أو المجرم نفسه. وربما، سأتعاطف مع المجرم أيضًا. هذه الخيارات هي التي تجعل كل قصة مختلفة عن الأخرى.

  • الصحفية: عندما تبدأ بالكتابة، هل تسمح للكلمات بالتدفق أم تضع الملاحظات أولًا؟ وهل تفكر بالموضوع قبل البدء بالكتابة؟

نجيب محفوظ: بالنسبة للقصص القصيرة التي أكتبها، فإنها تأتي من القلب مباشرة. أما باقي الأنواع الأدبية، فتحتاج للبحث أولًا. مثلًا قبل أن أبدأ بكتابة (ثلاثية القاهرة)، أجريت بحثًا مكثفًا وأنشأت ملفًا خاصًا بكل شخصية. من دون ذلك كنت سأضيع تمامًا وأنسى شيئًا ما يتعلق بالشخصية. في بعض الأحيان، يظهر الموضوع بشكل طبيعي من خلال الأحداث في الحكاية، وأحيانًا أختار الموضوع قبل البدء بالكتابة.

  • الصحفية:كم مرة تراجع وتعيد الكتابة حتى تكتمل القصة من وجهة نظرك؟

نجيب محفوظ: أقوم بمراجعات متكررة، أحذف الكثير من الجمل، وأكتب على كافة أنحاء الورقة حتى الجزء الخلفي منها. غالبًا، أقوم بمراجعات أساسية وجذرية. وبعد أن أنتهي منها، أعيد الكتابة وأرسلها للناشر. ثم أمزق جميع المسودات القديمة وأتخلص منها.

  • الصحفية: ألا تحتفظ بأي من المسودات؟ يحتفظ الكثير من الكتاب بكل كلمة! ألا تعتقد بأنه من المثير للاهتمام دراسة أسلوب الكاتب من خلال الاطلاع على المسودات التي يتركها؟

نجيب محفوظ: قد يكون الأمر كذلك، ولكنه ببساطة ليس جزءًا من ثقافتي، لم أسمع بكاتب احتفظ بمسودات أعماله. كما أنه يجب التخلص من هذه المسودات والملاحظات الورقية حتى لا يفيض منزلي بها! الى جانب ذلك، خطي رديء جدًا.

  • الصحفية: ليس للقصة القصيرة أو الرواية جذور في تراث الأدب العربي. كيف تفسر النجاح الذي وصلت إليه في هذه الأنواع الأدبية؟

نجيب محفوظ: لقد قام الأدباء العرب باستعارة المفهوم الحديث للقصة القصيرة والرواية من الغرب، ولكنها أصبحت الآن جزءًا من الأدب الخاص بنا. وصلت إلينا الكثير من الترجمات في الأربعينيات والخمسينيات؛ وقمنا باستخدام الأسلوب الموجود فيها للكتابة.استخدمنا الأسلوب الغربي للتعبير عن القضايا والحكايات الخاصة بنا. ولكن تراثنا يتضمن أعمالًا مثل: (أيام العرب) والتي تضم العديد من القصص، من بينها، قصة (عنتر وعبلة) وقصة (قيس وليلى) وبالطبع حكاية (ألف ليلة وليلة).

  • الصحفية: ما هو الموضوع الأقرب الى قلبك والذي تهوى الكتابة عنه؟

نجيب محفوظ: الحرية. الحرية من الاستعمار، الحرية من الحكم المطلق للملكية، والحريات الأساسية في السياق الاجتماعي والأسري.هذه الأنواع من الحريات مرتبطة ببعضها ويؤدي كل منها إلى الآخر. في الثلاثية -على سبيل المثال- بعد أن قدمت الثورة الحرية السياسية، أصبحت أسرة (عبد الجواد) تطالبه بالمزيد من الحرية في السياق الاجتماعي.

  • الصحفية: ماذا عن مفهوم (البطل)؟ لا وجود للأبطال في حكاياتك أو في حكايات أي من كتاب جيلك ؟

نجيب محفوظ: هذا صحيح، لا وجود للأبطال في الحكايات التي أكتبها، فقط شخصيات متعددة. لماذا؟ لأنني أنظر الى المجتمع بعين ناقدة ولا أرى أي شيء استثنائي في الأشخاص من حولي. تأثر جيل الكتاب الذي سبقني باندلاع ثورة 1919 ، لقد شاهدوا أعمالًا بطولية، أشخاص بسطاء استطاعوا التغلب على عقبات غير اعتيادية.

قام كتاب آخرون بالكتابة عن الشخصيات البطولية، مثل توفيق الحكيم، محمد حسين هيكل، إبراهيم عبد القادر المازني. ولكن بشكل عام، جيلنا لامبالي، ومفهوم (البطل) أصبح نادر الوجود؛ لا يمكنك أن تضع بطلًا في رواية إلا إن كانت عملًا خياليًا.

مقتطفات من حوار نشر في صيف 1992 في مجلة (باريس ريفيو)

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *