ريتشارد ف. ريفز: الكتابة عن عمر من الأفكار

ترجمة: نهى الرومي
يمكننا بالطبع أن نستعمل الأدوات الفكرية التي تركها لنا المفكرون في معالجة القلاقل المعاصرة، وإلا فُقد المغزى من قراءتها. لكن علينا أن نعلم الأسباب التي استحدثت منها في الأصل، نحتاج إلى تاريخ الفكرة لنستغل الفكرة جيدًا، ويقتضي هذا في كثير من الأحيان تاريخ الشخصية كذلك.

يمكننا بالطبع أن نستعمل الأدوات الفكرية التي تركها لنا المفكرون في معالجة القلاقل المعاصرة، وإلا فُقد المغزى من قراءتها. لكن علينا أن نعلم الأسباب التي استحدثت منها في الأصل، نحتاج إلى تاريخ الفكرة لنستغل الفكرة جيدًا، ويقتضي هذا في كثير من الأحيان تاريخ الشخصية كذلك.

حين يموت مفكر ما، لا ترى كومة من الورد على ضريحه، ولا حدادًا شعبيًا عامًا، النعي الشاذ الحزين سيكتب في صحف نخبوية، والمؤتمرات المنظمة في جامعات الطبقة المخملية، فعلى سبيل المثال يعلم قلة من الأمريكيين أن رونالد دوكن، الرمز العظيم في الفلسفة الأمريكية الليبرالية، توفي العام الماضي.

من ناحية ما قد يعود ذلك إلى أن المفكرين يحتلون ركنًا صغيرًا من مخيلة المجتمع، لا أحد يعرض أبدًا محاضرة لمايكل ساندل في السوبر بول. بالإضافة إلى أن الأفكار تعيش أطول من الأشخاص في كل الأحوال. ينقطع المفكرون عن الكتابة حين يموتون لكنهم لا ينقطعون عن النشر. الأفكار خالدة، بالفعل، المعيار الحقيقي للعظمة الفكرية هو “إنتاج ما بعد الموت”.

يصبح تأريخ حياة المفكر حينها فعلًا عجيبًا بينما نتجول في الأرشيفات. أي مدون لسيرة مفكر يتربص به سؤال ملح: “من يهتم؟”، من يهتم إذا ضاجع جون ستيوارت (الشخص الذي أدون سيرته) هاريت تايلور أم لا؟ من يعنيه أمر سفر جون لوك من هولندا إلى إنجلترا بعد الثورة المجيدة؟ (لم يسافر.) من يهتم إذا ما كان رونالد دوركن وجون راولز شخصين لطيفين؟ (أحدهما لطيف على ما يبدو). عندما تكون شخصية السيرة الذاتية رجلًا سياسيًا عظيمًا، أو قائدًا في الجيش، فالحياة هي التي تصنع القصة: ما فعلوه وما قالوه/ أفعالهم وأقوالهم، لا أفكارهم. شخص حظي بحياة مهمة ومثيرة للاهتمام في فترات مثيرة للاهتمام، يمكنه – بأيد متمرسة- أن يبعث للحياة كالشخصية في رواية جيدة.

فيما يتعلق بالمفكرين، الحياة ثانوية مقارنة بالتفكير، القيمة تكمن في جودة الأفكار وجدواها، لا في صفات وبطولات أصحابها. “on liberty / عن الحرية” و “a theory of justice/ نظرية في العدالة” لا يحتاجان تدعيمًا بالسيرة الذاتية، بل يدعمان نفسيهما، في حالة كهذه تكون جملة مارتن هيدجر عن أرسطو “ولد الرجل، اجتهد، ثم مات” كافية وافية.

إلا أنك لا تستطيع الفصل –بالكلية- بين الأفكار والحياة خلفها، أو على الأقل، هذا ما يجب أن يقوله المؤرخون لأنفسهم.

هناك صميم لا يمكن الوصول إليه في السير الذاتية للمفكرين، بما أن الحكاية هي عن العقل بقدر ما هي عن الجسد، تكون تلك الحكاية الصميمة آسرة بحد ذاتها أحيانًا. حكاية مرض جون ناش العقلي وشفائه المجسدة بعبقرية في “a beautiful mind” لسيلفيا ناسار، مثال على ذلك. لكنها تعد استثناءات نادرة للقاعدة.

أحيانًا يكون للمفكر أدوار في منصات أخرى كذلك، كجون ستيوارت مل على سبيل المثال، إذ كان عضوًا مثيرًا للجدل في البرلمان، وكاتب عمود مهمًا في الحياة السياسية الفكتورية، الأستاذ المعاصر أمارتيا سين يؤثر مباشرة في السياسة الهندية، أنشأ أقسامًا جديدة في الأمم المتحدة، وجامعات جديدة، وقدم استشارات لحكومات عديدة. حين يكون المفكر شخصية شعبية تكون مهمة المدوّن أقل مشقة.

لكن في كثير من الأوقات تكون الحياة اليومية للمفكرين رتيبة في الواقع، وازداد هذا الأمر مع امتهان الفلسفة في القرن العشرين. كان جون راولز المتوفى عام 2002 الرمز الكبير للفلسفة الأمريكية في القرن العشرين، لكنني لا أحسد مؤرخ سيرته: حياة هادئة وزيجة سعيدة وأفكار عظيمة.

الأكاديمي والسياسي الكندي مايكل اجناتيف، الذي كتب بإبهار عن أشعيا برلين، “ماذا عساني أن أقول؟ أحببت الرجل!” يطرح دافعًا مختلفًا، قال لي: “أفكارنا وحيواتنا في تفاعل مستمر، نفكر بحياتنا، ونغير حياتنا أحيانًا بسبب أفكارنا، والعكس صحيح، هذه هي الحالة البشرية”.

“المفكرون أشخاص عاديون، بنفس المآسي ونفس الهشاشة كبقيتنا، لكنهم مفكرون نخبويون، ليقدموا مثالًا لازدهار الأفكار وتشكل محتوى حياة ما”.

يعتقد السيد اجناتيف أن حياة المفكر تقدم طبقًا مخبريًا للتجربة الإنسانية الأممية للتفكير، الوجود والفعل. فكرة لطيفة، لكن المشكلة في أن المفكرين لا يتقنونها أفضل من أي شخص آخر. عادة ما يفكرون أفكارًا عظيمة بينما هم شخصيات كريهة، ربما كان مل وبرلين وجون ديوي شخصيات نبيلة، لكن ماركس كان زير نساء وكان كارل بوبر نرجسيًا متغطرسًا، وهيدجر فاشيًا. مفكرون نخبويون، ربما، لكنهم أناس ساذجون كعامة الناس.

عوضًا عن محاولة تحويل مفكر قدير إلى شخص قدير، هدفنا هو تسليط ضوء مختلف ببساطة على أفكار الشخصيات، على أمل رؤيتهم بوضوح أكبر. يعبَّر عن ليبرالية بيرلين بعبرات بسيطة تكاد تكون واهية، لكنك حين تعلم أنه روسي يهودي هرب من لينين بيتروكارد، وكتب معاديًا كواليس المحرقة، وفي أوج الحرب الباردة، ستقرأه بشكل مختلف، أن تعلم أن مل فقد إيمانه بالنفعية بعمر العشرين، يفسر جزئيًا كيف تكون “النفعية” وفقًا لمقاييسه عملًا رثًا باليًا.

يستطيع المدونون عن طريق تصوير دوافع المفكرين أن يمنعوا سوء الفهم، أو أن يحولوا دون إضافة تحديثات غير ملائمة من وحي القلاقل المعاصرة، على الأفكار القديمة. كُتب “on liberty” كتحذير من مجاراة الفكتورية المجتمعية. لا من وضع السلطة، وهو الاستعمال الذي من أجله يطرح المحافظون المعاصرون الموضوع. يمكننا بالطبع أن نستعمل الأدوات الفكرية التي تركها لنا المفكرون في معالجة القلاقل المعاصرة، وإلا فُقد المغزى من قراءتها. لكن علينا أن نعلم الأسباب التي استحدثت منها في الأصل، نحتاج إلى تاريخ الفكرة لنستغل الفكرة جيدًا، ويقتضي هذا في كثير من الأحيان تاريخ الشخصية كذلك.

حياكة دراما العقل وأحداث الكوكب الحقيقية مهمة حساسة، هناك خطر مستمر من تحويل حدث معيشي إلى تفسير لفكرة ما، وبالتالي إلى خلق لحظة اكتشاف، لحظة “أها!”، “أها! لهذا كره فرويد النساء/تأثر مل بكولريدج/ كان كينيس يخاف  البطالة”.

هذه الروابط مشهية للمؤرخ، بحكم أنها تعطي قيمة لسعينا كله. لكن للأسف، يندر أن يجد ربطك بين الحدث “أ” والفكرة “ب” أية درجة من التشجيع، أقصى ما يمكننا فعله هو الإشارة إلى علاقة محتملة بين تطور فكرة ما، ومسار الحياة اليومية، ثم ترك الحكم للقارئ.

في الجهة المقابلة، قد يقود خوف المؤرخ من خلق روابط مصطنعة إلى أن يعامل الشخصية بانفصال تام عن المفكر، ويسرد ببساطة أحداث حياته العادية، وهذا أمر ممل حتى النخاع أولًا، لا يوجد شخص عاقل يهتم بما تناوله جون لوك على الإفطار في هولندا. ثانيًا وهو الأهم، أن كتابة سيرة ذاتية بأسلوب “ماذا فعل جون بعد ذلك” لا تؤدي المعنى. تهمنا الأفكار، لذا نهتم بالحياة التي تحمل عليها وتضيئها وتحييها.

يقول السيد اجناتيف: “نحن المؤرخين نقدر على إظهار دراما حياة المفكر، وبوسع ذلك أن يمنح الحياة لما يكتبه المفكرون، ويساعد الناس على فهمها بعمق أكبر”.

يعد مؤرخو المفكرين في نهاية المطاف مؤرخي أفكار، أكثر منهم مؤرخي شخصيات. أملنا أن نحمل تلك الأفكار إلى تباين أعلى، من خلال وصف منشئها الإنساني، هي مهمة متواضعة، لكنها كافية.

 

 

 

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *