كريستينا هنريكيز: تركيز القصة يكسبها قوة؛ مثل إزالة الجلد واللحم لإبراز قوة العظام وحدّتها!

ترجمة: آلاء نحلاوي
لم أتخيل يومًا مستقبلًا لشخصياتي أبعد من الكلمة الأخيرة. في نهاية القصة أسدل الستارة، وإن رغب القارئ يلتقط طرف الخيط ويَصِلُه بمستقبلٍ يتخيله بنفسه، هذا التبادل لطاقة التخيل من أكثر الأمور السّحرية في الكتابة بالنسبة لي.

لم أتخيل يومًا مستقبلًا لشخصياتي أبعد من الكلمة الأخيرة. في نهاية القصة أسدل الستارة، وإن رغب القارئ يلتقط طرف الخيط ويَصِلُه بمستقبلٍ يتخيله بنفسه، هذا التبادل لطاقة التخيل من أكثر الأمور السّحرية في الكتابة بالنسبة لي.

 

حاورتها كريسيدا ليشون

تبدأ قصتك”كل شيء بعيد عن هنا”، بتخطي امرأةٍ للحدود الجنوبية للولايات المتحدة الأمريكية بعد المشي لثلاثة أسابيع، كان الارتياح أول شعور راودها آنذاك. متى خطرت لك هذه البداية للمرة الأولى؟

منذ سنة تقريبًا واجهتُ صعوبة في كتابة رواية جديدة، كنت كل يوم أجلس أمام الحاسوب مصممة على إنجاز شيءٍ ما فأجد نفسي أمام نهاية مسدودة، ثم بدأت أكتب بيدي لأنني وجدتها الطريقةَ الوحيدة التي ستمكنني من إنتاج أي شيء ولو بشكل متقطع، كان ذلك خدعة نفسية لأن الكتابة على الورق بدت لي أقل رسمية بحيث أدون أية فكرة تخطر لي بشكل عفوي.

أذكر أنني في إحدى الليالي كنت أجلس وحدي بعد العشاء إذ فتحت صفحة فارغة وكتبت: “في اليوم الأول تشعر بالارتياح..” لا أعرف من أين انبثقت تلك الجملة، ولن أعرف أبدًا، لكنها أعطتني أملًا بالاستمرار فسألت نفسي: ما الذي يحصل أيضًا في اليوم الأول؟ ولم الشعور بالارتياح؟ ما الذي عانته تلك الشخصية؟ وما الذي سيحصل تلك الليلة؟ وفي اليوم التالي؟ بهذه الطريقة تكونت قصة عن الحركة التدريجية عبر الزمن.

لقد أبعدت تلك المرأة عن ابنها في الطريق، حيث فصل المهرِّبون المسؤولون النساءَ عن الرجالِ والصبيان. هل كنت تعرفين منذ البداية أن شيئًا كهذا سوف يحصل؟

أثناء كتابة المسودة الأولى للرواية أفكر بجملةٍ أو اثنتين بعد الجملة الحالية، كأنني أمشي على طريق وعيناي مثبتتان على موطئ قدمي، لا أرى إلا الحجر الذي أقف عليه والذي سأخطو إليه تاليًا، دون أن أرى المسار كاملًا أو حتى امتداده القريب. حين بدأت القصة كنت أعرف أن لديّ هذه الشخصية –والتي أنبأني حدسي أنها امرأة- وأنها في خضمّ رحلةٍ مضنية، ولم أقرر أن لها ابنًا إلا بعد فقرة أو اثنتين، ثم عرفت أنها تفرقت عنه. هذه الأمور تأخذ شكلًا حسب التقلبات الآنية للحدس أثناء الكتابة.

كل ما نعرفه عن المرأة أنها تتكلم الاسبانية وأنها أجبِرت على مغادرة منزلها بسبب تلقيها تهديداتٍ بإلحاق الأذى بها، لكننا لا نعرف اسمها أو من أي بلد أتت. لماذا اخترتِ ترك تلك التفاصيل مجهولة؟

اسمُ المرء وجنسيتُه عاملان تعريفيان قويان. يحيرني أننا حين نتحدث عن المهاجرين واللاجئين نسأل أولًا، وربما فقط، عن جنسيتهم، كأن ذلك يخبرنا بكل ما تلزمنا معرفته عنهم، وذلك خطأ بلا شك، فقيمة الإنسان لا تعتمد على جنسيته. أما بخصوص عدم ذكر الاسم، فقد فكرت بكل أولئك الذين يخوضون تلك الرحلة، الذين يغرقون في البحر، الذين يُعثَر على بقاياهم في الصحراء والذين لا نعرف أسماءهم أبدًا، لكن لكل منهم حكايته، تجربته المؤلمة والحالمة، العادية وغير العادية، للوجود في هذا العالم. معرفة اسم شخص ما يجعله حقيقيًا أكثر بالنسبة لنا، لكنني أردت أن أختبر قدرتنا على الإحساس بهؤلاء الأشخاص وإن جهِلنا أسماءَهم. البشر بشر، يسكنون واقعهم بكامل كيانهم بغض النظر كم يعرف الآخرون عنهم.

سردكِ للقصة مُقتضَبٌ أيضًا، فأنت تستخدمين مشاهدَ قصيرةً باختصار الوصف إلى الحد الأدنى. لم اخترت هذه البُنية وهذه الطريقة في السرد؟

أحب التركيز، وأحب استحضار الذكريات، كلاهما سبب حبي لأدب القصة القصيرة. فتركيز عوامل القصة إلى هذا الحد يُكسبُها قوة، مثل إزالة الجلد واللحم لإبراز حدة وقوة العظام.

المرأة محتجَزة في مركز توقيف، ويمرّ الوقت بطيئًا حيث تنتظر بأملٍ وصول ابنها. المركز آمن بشكل عام، لكن هناك انطباع أن لا أحد يهتم حقًا بحياة الموقوفين أو تجاربهم. كم كانت أهمية وصف ذلك بالنسبة لك؟

هذا هو الجزء الأصعب. من ناحية، هناك أشخاص يصلون إلى مركز الاحتجاز في حاجة ماسة للمساعدة وقد خاطر أغلبهم بحياته للوصول إلى هناك. ومن ناحية أخرى، يصبح من الواضح حين يَصِلون أنهم جزء من المعمعة، وأن عدم التعاطف معهم لا يقتصر على الموظفين في الداخل والمتظاهرين في الخارج، بل يمتد ليسيطر على المحتجَزين الآخرين أيضًا، تشعر أنهم أنفسهم متعَبون أو محبَطون أو أنانيون لدرجة أنهم بالكاد يشعرون بأي تعاطف حتى مع بعضهم البعض. في أسوأ أيامي أشعر أن هذا الشيء مسيطر في الحياة، أن هناك كمًا هائلًا من المعاناة في حياة الكثير منا، مع ذلك ولأسباب متنوعة، ليس هناك كمية معادلة من التعاطف. في الأيام الأفضل أشعر أن لا يزال هناك خير في العالم. الحقيقة الثابتة هي أن كل ذلك موجود في الوقت ذاته.

لقد نشرتِ رواية في عام 2014 بعنوان “كتاب عن الأميركيين المجهولين” يتحدث عن عائلة مكسيكية انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية بهدف مساعدة ابنتهم المراهقة التي تعرضت لحادث. قصة العائلة موشّاةٌ بشهادات من مهاجرين آخرين قدموا إلى الولايات المتحدة بحثاً عن حياة أفضل. هل تغيرَت نظرتك إلى الرواية منذ تغير الحكومة مطلعَ العام؟

نوعًا ما، أشعر أن الكتاب أصبح ضروريًا أكثر الآن، على الأقل كمضاد للجو المسموم الذي نعيشه، لكن الموضوعات التي في الكتاب –حياة المهاجرين وحس الانتماء- لم تكن أقلّ أهميةً بالنسبة لي حين كتبتها مما هي عليه الآن.

عرّضت الحكومة الجديدة كثيرًا من معتقداتي للخطر، وفي قضايا الهجرة كانت كارثية. أرى أنهم يعملون من منطلق الخوف ويبذلون جهدهم لنشره كوَباء إلى العامة، المرعب في الأمر أنهم ينجحون في ذلك! يكفي سوءًا أن يخرج شخص واحد ويذمّ فئة معينة من الناس، لكن الأسوأ أن تقتنع شريحة كبيرة من الناخبين بكلامه، وأن يقتنع الكثيرون أن كلمة “مهاجر” مرادفة لكلمة “مجرم”، أن يعتقدوا بسذاجة أن المهاجرين يستهدفونهم. كل ذلك يسبب كآبة قاتلة، لكنه أيضًا يثبت لنا قوة الحكاية، فإن كان أصحاب النفوذ قادرين على قلب الأحداث بطريقتهم في سردها، فعلى من يخالفهم الرأي أن يرفع صوته عاليًا.

تنتهي القصة والمرأة ما تزال في مركز الاحتجاز. هل تخيلتِ مستقبلًا لها؟

لم أتخيل يومًا مستقبلًا لشخصياتي أبعد من الكلمة الأخيرة. في نهاية القصة أسدل الستارة، وإن رغب القارئ يلتقط طرف الخيط ويَصِلُه بمستقبلٍ يتخيله بنفسه، هذا التبادل لطاقة التخيل من أكثر الأمور السّحرية في الكتابة بالنسبة لي.

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *