بندر الحربي: قد يكون أحدهم سعيدًا الآن، ربما نجحت!

إنَّ المترجِم ناقلٌ للأفكار، وناقلُ الأفكار ليس إلا مُفكِّرًا. كما أنَّ الترجمة عمل تأمليٌّ. يمكن أن تلاحِظ هذه السمة بسهولة. انظر إلى تلك الشخصية المتأملة التي تؤدي طقسًا أقربَ ما يكون من طقوس اليوغا!

إنَّ المترجِم ناقلٌ للأفكار، وناقلُ الأفكار ليس إلا مُفكِّرًا. كما أنَّ الترجمة عمل تأمليٌّ. يمكن أن تلاحِظ هذه السمة بسهولة. انظر إلى تلك الشخصية المتأملة التي تؤدي طقسًا أقربَ ما يكون من طقوس اليوغا!

 

أخطأتُ في تقليد تجربة أحمد أمين، فدفعتُ الثَّمَن! يَحكي هذا الرائدُ الفذُّ في الفكر والثقافة العربية في كتابه “حياتي” عن بداياتِ تجربته في تعلُّم اللغاتِ؛ إذ كانت تعتمِلُ في صدره رغبةٌ عارمة للمعرفة، أوقدَ جذوتَها شوقٌ لمطالعة المؤلفات الفكرية والفلسفية، ودفعته إلى تجاوُز مراحل التعلم والاكتساب، والبدءِ قبل الأوان من المرحلة الأصعب؛ وهي قراءة الكتب. وهنا، وجد نفسَه يُطيل النظر في الصفحة الواحدة لساعاتٍ، بينما يفتِّش في معجمه عن معنى هذه الكلمة والتي تليها.

تقديري لصاحب الفكرة حبّبها إليَّ، واخترتُ البدءَ بتعلُّم اللغة الانجليزية بقراءة كتاب “أبطال من التاريخ” للفيلسوف والمؤرخ الأمريكيِّ ويل ديورانت، هذا الكتاب الذي يَختزلُ أهمَّ ما جاء في سِفره الضّخم “قصة الحضارة” ذي العشرة آلاف صفحة، وأربعة ملايين كلمة. لتمضي الأيامُ، وبعدها الأشهُرُ، وأنا أسيرٌ بين مفرداته الغامضة وقاموسي الكبير. كان الثمنُ هو الوقتُ الطويل الذي لم يُضِف إلى مهاراتي في اللغة كثيرًا. ولكن لا جهدَ يضيع، ولا تَطَلُّعَ يخيب؛ فقد كان الوقت الممتدُّ من جانبٍ آخر، تجربةً ناجحةً، ومِرَانًا في تَعَهُّدِ القراءة المتعمقة طويلة المدى، دفعني- بعد زمنٍ- إلى ممارسة الترجمة الحرة، هذا العمل الذي لم يكن يمثل هدفًا. ولكن هذه هي طبيعة اللغة وأدواتها؛ فهي تستدعي بعضُها بعضًا.

إنَّ ممارسة القراءة بمثابة استمطارٍ للأفكار. زخاتٌ من الخواطر تتساقط وتتسابقُ، لا نعرف أين تهطل! ولكن ما أن تقع فوق بَسِيطَة العقل، فإنها تبقى للأبد. تلك الأفكار التي تتشظّى بين سِحر المعرفة ومتعة الترفيه، تسقي سنواتِ حياتنا بالتجارب، وتخلق لنا فضاءاتٍ واسعة، وتعطينا شعورًا بالانتماء للماضي، فضلًا عن الحاضر.

إنَّ المترجِم ناقلٌ للأفكار، وناقلُ الأفكار ليس إلا مُفكِّرًا. كما أنَّ الترجمة عمل تأمليٌّ. يمكن أن تلاحِظ هذه السمة بسهولة. انظر إلى تلك الشخصية المتأملة التي تؤدي طقسًا أقربَ ما يكون من طقوس اليوغا!

من طقوس الأفكار وسِحرها، أنها تُنقَل عبر أشياءَ بسيطة لا نُلقي لها بالًا، مثل ورقة، وقلم. هذه الأشياء الصغيرة يؤمِنُ بها المترجم، ويعرف أنها تؤدي دورًا أشبه بدور جناح الفراشة المرفرِف، الذي له ما بعده تَبَعًا لفلسفة الفيزياء. كما أنَّ ثمة شيئًا آخر منزويًا في فضاء النصِّ لا يفتأ المترجم يبحث عنه، وهو الظِّلال المُلقَى في سياق العبارات، المُختبئ في جذور الثقافات، وسمات الشخصيات، وأبعاد الإيحاءات.

وهكذا، يظلُّ المترجم دائمًا في ظلال المؤلف متيقظًا بين نصَّين. هذه الحالة البينية يعرفها المترجمون، وأشعر بها أكثرَ وضوحًا هذه الفترة تحديدًا، حيث أترجم كتابًا لأديب إنجليزيٍّ رَفِيع يسردُ فيه مآثرَ أديبٍ فرنسيٍّ عظيم. الأولُ يعيش معنا في القرن الحادي والعشرين، والآخر كان من أبناء القرن التاسع عشر. إنه كتاب “ببغاء فلوبير” لجوليان بارنز. كلُّ ما احتاجه أن أتمتع بسعة البال بين هذه المتقابلات، بين هذين الكبيرين في صناعة الكلام.

دفعتني حالة البَينَ بَين هذه قبل مُدَّة إلى الاستفادة من تجربتي ومحاولة الانفتاح على لغاتٍ وثقافاتٍ أخرى، مستحضِرًا عبارة الفيلسوف عبدالرحمن بدوي: “إنَّ اللغة مفتاح العالَم بأسرِه”، وممسوسًا من أثر كتاب مايكل إيرارد “وداعًا بابل: البحث عن متعلِّمي اللغة الأكثر موهبة في العالم”. هذا الكتاب الذي يبعث في النفس رغبةً- ولو يسيرةً- للسفر عبر عالَم اللغة؛ ولذا بدأتُ تعلُّم اللغة الألمانية فتوقفتُ، ثم الفرنسية وانصرفتُ عنها. إلى أن استقرَّت اللغة التركية ضمن اهتمامي. هذه اللغة ذات البناء المنطقيِّ تكاد قواعدُها تخلو من الاستثناءاتِ. إنها تضمُّ ستين ألف كلمة، منها ستة آلاف مفردة من أصل عربيٍّ. وما هي إلا فترة وجيزة من البدء، حتى أرسل لي أحدُ الأصدقاء المترجمين قصةً من التراث التركيِّ مترجمةً إلى العربية، بنصين متقابلين لأقراها فقط. لم أقرأ النصَّ بقدر ما بدأتُ البحث عن التطابق بينهما، وإن كان لم يطلب ذلك!

يمكن أن تصف هذا نوعًا من الفضول. ولكن المترجم كذلك مُكتشفٌ يحرضه الفضول، ويقوده الشغفُ. إنَّ الترجمة عملٌ يحفّز التيقظ، وإدارة الوقت الفاعلة، يتطلَّبُ الانتباه إلى أبعادٍ أخرى غير العبارات والجُمَل، فالمترجمُ لا يكتب لنفسه، وعبارتهُ ليست عفوَ الخاطر. قد يقوم بهذا شاعرٌ!

إنَّ ما يميّز المترجمَ عن غيره هو الأسلوب. ويتفق الكثير على أنَّ النصوص المترجمة نوعان، في أحدهما تُقطف الكلماتُ من رؤوسها، والأخرى من أصولها؛ الأولى تُصوِّر ما هو مكتوبٌ، والثانية تُنقِّب عن أساس المكتوب وتتتبَّعُه، وهذه الترجمة الطبيعية الودودة الخالية من الكسل و”التحذلق”. وهذا ليس غريبًا؛ فأهل اللغة الأمِّ يعرفون لغتهم من جذورها، ولهذا قيل: “إنَّ أروع الترجماتِ هي ما تجعلُكَ تنسى أنها ترجمة”. وهكذا، اعتدتُ البحثَ في الدول التي أزورها عن نُسخ اللغات الأخرى لترجماتِ الكتب التي نقلتُها إلى العربية، وأجد من خلال البحثِ عنها نوعًا من التواصل مع بائعي الكتب بلغاتهم المتنوعة.

إنَّ التنوع اللغويَّ والثقافيَّ إحدى بديهياتِ الوجود البشريِّ، وأداةُ الناس لمعرفتهم بالترجمة. كما أنَّ التنوع يعلِّم الانتقاء، هذه المهارة الراقية -التي تمثل رمزًا لصانع أحلى مادة في الوجود “الشَّهد”- ترتقي من دوام التعرض للمشاهد المتنوعة، الجميلة، العظيمة. وإن كان انتقاء النصوص فنًّا وعلمًا، أجد في رحابة الفنِّ متعة وسموًّا باللغة والخيال، إلَّا أنَّ فضاء العلمِ جذبني إليه قليلًا أكثر، وبات “للعقل” وأغوار النفس نصيبٌ كبير من النصوص الجاذبة. ولعلَّ للدكتور دارولد تريفيرت وكتابه الثمين “جُزر العبقرية: العقل الخصب للتوحُّد، العبقرية المكتسَبة والمفاجئة”، دورًا في ذلك؛ فهذا الكتاب غيّر نظرتي كثيرًا عن العقل وفكرة العبقرية والاضطراب العقليِّ. ومع هذه الألفة العلمية اقتربتُ إلى الكيمياء الممزوجة بالأدب في كتاب سام كين “الملعقةُ المختفية: وقصصٌ أخرى حقيقية في الجنون، والحبِّ، وتاريخ العالم من الجدول الدوريِّ للعناصر الكيميائية”. هذا الكتاب الذي استهوى تلاميذَ المختبراتِ وروادَها، ولم يعلَم مؤلِّفه أنَّ مُعلمي الكيمياء في بلده بدؤوا يحكون قصصَه في فصولهم، إلَّا بعدما أخبرتُه بهذا.

إنَّ العلاقة مع مؤلِّفي ترجماتي، علاقةُ امتنان مُتبادَل؛ فقد كان الكتابُ وسيلةً جميلة للتواصل، ولايزال. والأهمُّ من ذلك أنه يُمثل وسيلةً للمعرفة تنفع الناس. قبل أن يعرف الدكتور تريفيرت أنَّ كتابه تُرجِم إلى العربية، كان يتساءل عن وتيرة الاتصال المتزايدة التي تأتيه من دول الشرق الأوسط، كما كتبَ في رسالته.

دعني أقول لك شيئًا آخر: ثمة علاقة أخرى، لا تقِلُّ أهمية وعمقًا، كونها تُوجه الجهد، وتُثري التجربة، وهي العلاقةُ مع القراء ومُستخدمي وسائل التواصل الاجتماعيِّ، هذه المنصات التي تُعد ارتقاءً اجتماعيًّا. فمنهم مَن كان مُلهِمًا ومشجعًا؛ ولذا لا أتفق دائمًا مع مَن يصف هذه المنصاتِ بالفضاء الافتراضيِّ البعيد عن الواقع، فهذا الوصف بعيدٌ عن الحقيقة. وفي كتاب الدكتور ديفيد هندي “الضجيج: تاريخ إنسانيٌّ للصوت والإصغاء”، وصفٌ مُسهَب عن كيف أنَّ شيئًا بسيطًا، متبددًا، مُتملصًا، وهو “الصوت” يمثلُ عنصرًا مؤثِّرًا في إعادة تشكيل العلاقاتِ الاجتماعية بين الناس والمجتمعاتِ على مرِّ الزمن.

نعود للأشياء البسيطة. أحب أن أتمثَّل عبارةً جميلة للروائيِّ الأمريكيِّ كورت فونيجت تقول: “اكتُب لتُسعِدَ شخصًا واحدًا فقط؛ لأنكَ إذا فتحتَ النافذة وأردتَ إسعاد العالَم بأسرِه، فسوف تُصاب قصتُكَ بالالتهاب الرئويِّ”. قد يكون أحدُهم سعيدًا الآن. ربما نجحت!

***

بندر الحربي، كاتب ومترجم سعودي، نُشرت له أعمال أدبية وثقافية متنوعة. ومن أعماله الصادرة في مجال الترجمة: كتاب “جزر العبقرية” للدكتور دارولد تريفيرت (2012)، وكتاب “وداعًا بابل” لمايكل إيرارد (2013)، وكتاب “الملعقة المختفية” لسام كين (2014)، وكتاب “الضجيج” للدكتور ديفد هندي (2016).

#الصوت_الآخر

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *