أحمد العساف: ترويض الخيال

درس الكاتب الهندي سواراب التاريخ في الجامعة وليس القانون كأسلافه؛ لأن أمه ضاقت ذرعًا بالمحامين حولها، وأقسمت أنها سترمي ولدها في الخارج إذا اختار المحاماة مهنة له! وفي المقابل ورثت الكاتبة الباكستانية كميلة شمسي مهنة الكتابة، عن ثلاثة أجيال سبقتها من النساء.

درس الكاتب الهندي سواراب التاريخ في الجامعة وليس القانون كأسلافه؛ لأن أمه ضاقت ذرعًا بالمحامين حولها، وأقسمت أنها سترمي ولدها في الخارج إذا اختار المحاماة مهنة له! وفي المقابل ورثت الكاتبة الباكستانية كميلة شمسي مهنة الكتابة، عن ثلاثة أجيال سبقتها من النساء.

قرأت كتبًا عديدة حول الكتابة وفنونها، ومن ضمنها جملة لا بأس بها من الحوارات المترجمة مع كتّاب كبار حول العالم، ولم أجد فيما قرأت من حوارات ألذ من هذا الكتاب، ولا أظن أن السبب يعود إلى أسماء كتّابه مع شهرة أكثرهم، بل لجهود مترجمه الموفقة في حسن الفهم، وجمال العرض.

عنوان الكتاب اللذيذ: ترويض الخيال: حوارات مع 15 كاتبًا وكاتبة من العالم، وهو من ترجمة وإعداد علي عبد الأمير صالح، صدرت طبعته الأولى عام (1438=2017 م) عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، ويقع في (319) صفحة من القطع المتوسط على ورق نباتي، ويتكون من تمهيد، ثم الحوارات، فالفهرس.

والمترجم طبيب أسنان من العراق العزيز، ولد عام (1955م)، وحصل على جوائز محلية، وهو جدير بما يتجاوز المحلية، وله أعمال متنوعة ما بين ترجمة وتأليف. ومن أعماله السابقة كما ذكر في التمهيد كتاب شبيه بكتابنا عنوانه “نساء في الأدب: حوارات مع 20 كاتبة عالمية”. ولأنه يؤمن بأهمية الحوارات مع الكتّاب للقارئ العربي، شرع في عمله هذا، ليقترب المبدعون من حيوات أصحاب الحرفة المقدسة، ومن تجاربهم وخبراتهم.

وعلاقة الطبيب الأديب بالحوارات قديمة جدًا، ترجع بنا إلى عام (1978م)، ولم يكن ولعه بها ناجمًا عن الانبهار بالآخر، أو نابعًا من شعور الكاتب العربي بالنقص، وإنما كانت غايته تقديم ثقافة أدبية موسوعية للقارئ العربي، مع ما في بعضها من أسئلة صادمة.

وقبل كل حوار، وضع المؤلف نبذة عن الكاتب، ليكون المطالع على مقربة من المحاوَر؛ بما يضمن فهمه، والإفادة منه، دون تسليم برأيه إلا بعد فحص، إذ لا قدسية لأي رأي بشري خالص. ومما جاء في تعريف الكاتبة التركية الشهيرة إليف شفق، أنها تخاف من الحشرات-ككل النساء- ولذا كتبت رواية عنها، وحصدت عددًا من الجوائز قبل بلوغها الثلاثين. ولها اهتمام بقضية الأرمن، ويبدو لي أن نوع الموضوعات التي يهتم بها الكاتب أو الروائي في العالم الإسلامي، مع طريقة المعالجة، هي التي تقدمه أو تؤخره في العالم الغربي وصداه الشرقي!

أما باولو كويلو البرازيلي، فرجل يدمن على المشي، وهو صوفي مغرم بالجنس! ويرى الجنس أساسًا للنجاح، وهذا مثال على أن الشهوة مركبة في الرجال كلهم، وليست في العرب فقط كما يجلد ذواتهم بعض بني قومنا. ويحتج الروائي الفرنسي/ الموريشيوسي غوستاف لوكليزيو على فظائع حروب الغرب، وعلى دعارة الأطفال، ولذا طرد من الخدمة العسكرية، بينما مارس القرغيزي جنكيز آيتماتوف شتى المهن، حتى انتهى به المطاف إلى السلك الدبلوماسي.

وزاوج ساراماغو البرتغالي بين الكتابة والسياسة، وكان مهمومًا بقضايا الإنسان في كل مكان، ولم يستطع الكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي، أن يكتب بينما يتملكه شعور بوقوف شرطي فوق رأسه، فهاجر هربًا من التسلط والاستبداد، ويبدو أن قدر الشرفاء من الكتّاب هو التنقل، أو تحمل نتائج قول مايعتقدونه.

ودرس الكاتب الهندي سواراب التاريخ في الجامعة وليس القانون كأسلافه؛ لأن أمه ضاقت ذرعًا بالمحامين حولها، وأقسمت أنها سترمي ولدها في الخارج إذا اختار المحاماة مهنة له! وفي المقابل ورثت الكاتبة الباكستانية كميلة شمسي مهنة الكتابة، عن ثلاثة أجيال سبقتها من النساء.

ويقترح ميلان كونديرا من تشيكوسلوفاكيا جلد من يفضح الخصوصيات بالسياط، ولا غرو فهو يمتاز بالكتمان الشديد جدًا، خلافًا لصراحة الكاتب الياباني هاروكي موراكامي، الذي هجر بلاده متمردًا، وعاد إليها متأثرًا بزلزال عام (1995م)، وهذا يدل على صدق وطنيته، وهو مغرم بالجري والسباحة، وينشط بعدهما للكتابة.

ومن طريف ما ورد عن الكاتب الأمريكي الأرمني وليم سارويان، أنه تشجع للكتابة بعد أن عرضت عليه أمه بعض كتابات والده، وهو لا يملك جهاز تلفزيون في منزله، وبشق النفس تحاشى تحقيقًا عسكريًا معه؛ عندما نشر رواية فُهم منها معارضة الحرب، وويح للعسكري حين يكتب رواية!

ويبدو أن سلمان رشدي، الذي تلقي تعليمه في مدارس تبشيرية، مغتاظ جدًا من الفصل بين الجنسين في بعض مجتمعات المسلمين، ولأبيه نظرة في ولده سلمان ملخصها أنه لا يصلح للكتابة! وقد جمع الإيطالي إمبرتو إيكو مواهب عدة، تؤهله كي يكون “كشاجم” الطليان، وسبق لي أن كتبت مقالة عن متلازمة كشاجم، وهي تفسر هذه التشبيه، ولإيكو شراهة نادرة في التدخين.

وكانت الكاتبة نتالي حنظل كونية بمعنى الكلمة، فهي فلسطينية الأصل، أمريكية الجنسية، وتنقلت في أربع قارات، وتفكر بالعربية، بيد أنها تكتب بالإنجليزية والإسبانية والفرنسية، وتعرف فلسطين حتى أشجارها من حكايات والديها، وهكذا يربي أصحاب القضايا الحية أولادهم.

ومارس الروائي الأفغاني عتيق رحيمي الكتابة والإنتاج السينمائي في وقت واحد، وهو مثال نادر. ويشترك جميع هؤلاء الكتاب المنقولة حواراتهم، بانتشار ترجمات كتبهم بلغات عدة، وطباعة ملايين النسخ منها، وحصولهم على جوائز عديدة، وتوافر كتبهم في شتى بلدان العالم، ومنهم المتوفى، وفيهم من لايزال على قيد الحياة، ويجيد عدد منهم أكثر من لغة.

وهذه بعض فوائدهم للكتّاب، وسأذكر اسم صاحب الفائدة أمام أول نقل عنه، وكل ما بعده فهو عنه مالم يتغير الاسم، علمًا أن هذه النقولات لا تغني عن العودة للكتاب، والاستمتاع بفوائده كاملة، ومنها:

  1. كانت الأحزان سببًا لاكتشافي المبكر لعالم الكتب. إليف شفق.
  2. الكآبة تغذي الفن والإبداع.
  3. أجد إلهامًا كبيرًا من قرائي، وأنمي صلتي بهم.
  4. والدتي، والسفر، وتناقضات جدتيّ الاثنتين، عوامل ملهمة لي.
  5. أحرص على تجديد نفسي باستمرار.
  6. أهم نصيحة في الحياة: أن يعيش المرء لحظته بصورة كاملة. باولو كويلو.
  7. بسبب كثرة السفر، برز اهتمامي بالحضارات والمهمشين والأقليات. غوستاف لوكليزيو.
  8. حين أكتب، أحاول في المقام الأول تفسير علاقتي بالحياة اليومية والأحداث.
  9. يثق الكتاب الملتزمون العظام بقوة الكلمة المكتوبة.
  10. التجارب الفريدة، والمغامرات الجريئة، ذات تأثير عميق على الكاتب.
  11. لا يكون الأدب قويًا إلا حين يستطيع وصف الأحاسيس الأولى، الأفكار الأولى، والخيبات الأولى.
  12. أستلهم عملي من الفولكور، وأجعله في سياق الحياة المعاصرة. جنكيز آيتماتوف.
  13. أستفيد كتابيًا من قربي الحميم من الحيوانات.
  14. أود التعبير عن الخصائص الروحية العظيمة والباهرة.
  15. انطباعات الطفولة والشباب ينبوع متدفق بالأفكار الإبداعية.
  16. من المحزن أن ينسى الكاتب تقاليده القومية الجديرة بالاهتمام.
  17. من التفريط ألا يهتم الكاتب بثقافته الروحية المميزة.
  18. تعد القرية المحلية مصدرًا إبداعيًا بالنسبة لي.
  19. على الكاتب أن يكون بارعًا في التمثيل.
  20. لا بدّ أن يتمتع الكاتب بقدرة جيدة على الملاحظة الدقيقة.
  21. على الكاتب أن ينشد الكمال في عمله قدر استطاعته.
  22. أنا مشغول بالإنسان في كل مكان، وأسعى للاتساق مع نفسي. خوزيه ساراماغو.
  23. أكتب صفحتين يوميًا، وبعدها أقرأ وأقرأ وأقرأ.
  24. لا أستطيع أن أتخيل نفسي خارج أي التزام مهما كان اجتماعيًا أو سياسيًا.
  25. سر تجربتي الكتابية هو أني أكنت ما أنا عليه تمامًا.
  26. أختار مكان سفري طبقًا لدرجة فائدته لكتابتي.
  27. ماهي الحياة إن لم تقدر أن تعبر عن ذاتك بحرية؟! عبد اللطيف اللعبي.
  28. حين نعود بالذاكرة إلى الوراء ندرك أشياء كثيرة، فالطفولة إرث للمبدع.
  29. لا يكون النص متماسكًا ومتينًا إلا إذا خلا من كلمة في غير محلها، وهذا من الاقتصاد المميز.
  30. لن تعرف أفضل طريقة لاستخدام الكلمات إلا بعد قراءة النصوص. فيكاس سواراب.
  31. التقمص العاطفي لشخصيات الرواية مهم جدًا للكاتب.
  32. أفكر في نهاية العمل أولًا، ثم أعود إلى الوراء لمعالجة وقائعه.
  33. الكتابة جزء من كياني، ويشق عليّ أن أتخيل هجرها. كميلة شمسي.
  34. كي تكون كاتبًا يجب عليك أن تكتشف حقيقة ما. ميلان كونديرا.
  35. العمل الأدبي الذي يستحق الخلود هو الذي يكشف جزءًا من الوجود الإنساني.
  36. بعض المترجمين يخدعنا حين لا يجرؤون على ترجمة غير المألوف لنا، ويفسدون النص الأصلي.
  37. أكره المشاركة في الحياة السياسية مع أن السياسة تفتنني.
  38. تخلو رواياتي من الموقف السياسي كي تكون عصية على التصنيف.
  39. المعرفة هي أهم أخلاق الكاتب.
  40. أكره حماقات الكتّاب! وإثم حماقة الكاتب خطير لأبعد الحدود.
  41. في ليلة فريدة، شرعت بتدوين خواطري، وتيقنت من قدرتي على الكتابة. هاروكي موراكامي.
  42. الإبداع الفكري مثل العضلة، يحتاج إلى تمرين وشحذ؛ كي يبقى ويقوى.
  43. عندما لا أمارس الكتابة أصبح لا شيء، نكرة، وأتلاشى من الوجود.
  44. قراءة كتاب جيد نوع من الدواء الشافي.
  45. إذا أدمن الناس على قراءة آثارك فسينتظرون جديدك.
  46. أقضي ستة شهور في كتابة المسودة الأولى، وثمانية شهور في إعادة الكتابة.
  47. عندما أكتب أحاول الهرب من ذاتي لأشعر بالمختلف.
  48. أثناء الكتابة أتترس بالحقيقة والإخلاص والسخرية. وليم سارويان.
  49. أستطيع مواصلة الكتابة دون نقد أدبي.
  50. أكتب يوميًا، وهذا الالتزام اليومي سينجم عنه المفيد قطعًا.
  51. في الكتابة عليك أن توجز وتكثف. سلمان رشدي.
  52. لحظة السيطرة تحدث بعد نهاية المسودة الأولى.
  53. كل إنسان تستحوذ عليه ذكريات طفولته وشبابه. أمبرتو إيكو.
  54. بشكل أو آخر، أعتقد أن كل رواية تستند على السيرة الذاتية.
  55. أفضل ممارسة الجنس على الكتابة عنه. ” ليت بعض الروائيين أن يتعظ”.
  56. الكتابة ممارسة في الذهن قبل أن تكون صف كلمات على الورق.
  57. كل ترجمة هي عملية تفاوض بين النص والمترجم.
  58. قد يكون النص أكثر ذكاءً من مؤلفه.
  59. القراءة أحسن طريقة لتنمية ذاكرة عظيمة، وشخصية متعددة.
  60. من المهم للقارئ تنمية عادة عدم الاهتمام العنيد، وأن يترك قراءة ما لا يهمه.
  61. تتيح الكتابة لي أن ألد شاهدًا يتلو قصصًا عن التجارب الإنسانية. نتالي حنظل.
  62. كانت الكتابة بالنسبة لي نوعًا من الحداد على شقيقي. عتيق رحيمي.
  63. عندما تكتب فأنت تعطي للعالم معنى وأملًا.

وحين جعل المترجم ترويض الخيال عنوانًا لهذا الكتاب، كان يعبر عن أهمية الخيال للكاتب، وضرورة إطلاقه العنان لخياله أولًا، ثم تقييده ثانيًا، وتطويعه للعمل الإبداعي ثالثًا، فهكذا تبدو لي تجليات هذا العنوان المترع بالإلهام، والمليء بالمعاني الإبداعية، التي لا يبلغ حقيقة كنهها إلا خبير عارف، قد عانى وسهر في ملاحقة الأفكار، والأساليب، والتعابير، والكلمات، وكم في الذهن من كدمات، وجروح، من جراء هذه الملاحقات الصعبة المضنية، بيد أنها ماتعة تمامًا كترويض جياد الخيل.

إن تجارب الآخرين الثرية مصدر غزير بالفائدة، ولا يعني هذا التسليم المطلق لآرائهم، بيد أن الاطلاع عليها يفيد الناشئ من الكتاب والشعراء وغيرهم، وهذا ما أسعى إليه من استعراض كتب القراءة والكتابة بعد تحصيل الفائدة الشخصية، وآمل أن يتحقق مبتغاي المتقاطع مع غايات المترجم د. علي عبد الأمير صالح، وهي غايات نبيلة بإذن الله لصالح أمتنا، وبلادنا، وشباب العرب من الجنسين حيثما كانوا.

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *