هـ. ب. لافكرافت: نتذكر الألم والوعيد أكثر مما نتذكر البهجة

ترجمة: نهى الرومي
لا عجب من وجود أدب الخوف الكوني، لطالما كان ولطالما سيكون، ولا دليل أشد قطعًا على عنفوانه المتشبث من النزعة التي تدفع الكتاب من ميول متباعدة تمامًا، إلى تجربة الكتابة فيه في قصص متفرقة، كما لو أنهم يطردون صورا فنتازية من أدمغتهم حتى لا تطاردهم.

لا عجب من وجود أدب الخوف الكوني، لطالما كان ولطالما سيكون، ولا دليل أشد قطعًا على عنفوانه المتشبث من النزعة التي تدفع الكتاب من ميول متباعدة تمامًا، إلى تجربة الكتابة فيه في قصص متفرقة، كما لو أنهم يطردون صورا فنتازية من أدمغتهم حتى لا تطاردهم.

الخوف هو الشعور الأقدم والأوقع في البشرية، والنوع الأقدم والأوقع من الخوف؛ هو الخوف من المجهول. سيجادل بعض علماء النفس في هذه الحقائق، وعلى حقيقتهم المعترف بها أن تحقق على الدوام أصالة القصص الغريبة العجيبة بوصفها شكلًا من أشكال الأدب.

جاذبية الشبحي المروع محدودة عامة، لأنها تحتاج من القارئ درجة من التخيل وقدرة على التجرد من الحياة اليومية. قليلون نسبيًا أولئك المنفكون من لعنة الروتين اليومي بشكل كافٍ.

إن الاستجابة إلى الطرق من الخارج، وإلى قصص المشاعر والأحداث العادية، أو إلى التحوير الشاعري المتوارد لهذه المشاعر والأحداث، ستحتل دائمًا المركز الأول في ذائقة الأغلبية ـعن جدارة ربما؛ بما أن هذه الأمور العادية تشكل بطبيعة الحال الجزء الأكبر من التجربة الإنسانية. لكن المرهفين موجودون بيننا دائمًا، ويغزو في بعض الأحيان بصيص متطفل من الخيال ركنًا مطموسًا في الرؤوس المتحجرة، حتى لا يقدر أي قدر من المَنطقة والتقويم أو التحليل الفرويدي على دحض الإثارة في الهمس عند الموقد أو الغابة الموحشة.

لأننا نتذكر الألم والوعيد بصورة أوضح مما نتذكر البهجة، ولأن مشاعرنا حيال الجوانب الطيبة من المجهول أحيطت وصيغت منذ البدء بطقوس دينية تقليدية، فقد وقعت في البقعة الغامضة الخبيثة من الغيب الكوني، لنصورها بفولكلورنا المعروف بشكل رئيس.

هذه النزعة مدعمة كذلك بواقع أن الارتياب والخطر مرتبطان بقوة، مما يجعل أي نوع من العوالم المجهولة عالمًا من الاحتمالات المهلكة والشؤومة.

عندما تضيف على هذا الإحساس بالخوف والشؤم ذاك الافتتان المحتم بالعجائب وحب الاستطلاع، يولد جسم مركب من عاطفة مستحكمة وخيال محرض، لابد من إبقائه حيًا مادامت البشرية.

سيخاف الأطفال دومًا من الظلام، وسيرتعد الرجال المتأثرون بالنزعة الموروثة أمام فكرة عوالم الحياة الغريبة المخبأة اللجية، التي ربما تنبض في الفجاج وراء النجوم أو تضغط بفظاعة على كرتنا الأرضية، في أبعاد نجسة لا يلمح طرفها إلا الأموات والمعاتيه.

على هذا الأساس، لا عجب من وجود أدب الخوف الكوني، لطالما كان ولطالما سيكون، ولا دليل أشد قطعًا على عنفوانه المتشبث من النزعة التي تدفع الكتاب من ميول متباعدة تمامًا، إلى تجربة الكتابة فيه في قصص متفرقة، كما لو أنهم يطردون صورا فنتازية من أدمغتهم حتى لا تطاردهم.

تحمل الحكاية الغريبة الحقة شيئًا أكبر من جريمة قتل غامضة، وعظام مدماة أو سلاسل مجلجلة كما تقول القاعدة. بل لابد من وجود جو من حبس الأنفاس والارتياع غير المفهوم من قوى خارجية مجهولة، ولابد من تلميح يعبر عنه بجدية و تنبؤ يصبح محوره.

محور المفهوم الأسوأ للعقل البشري، طعن خبيث أو انهزام لتلك القوانين الثابتة للطبيعة التي تعد حارسنا الوحيد في وجه اعتداءات الشاو ووحوش المكان الوعر.

الجو هو الأهم على الإطلاق، لأن المعيار الفاصل للأصالة ليس تشابك الحبكة، بل خلق شعور معين. يسعنا بصفة عامة أن نقول إن قصة غريبة تقصد تعليم أو إنتاج تأثير اجتماعي، أو أخرى تبدد فيها المخاوف عن طريق تفسيرها بالظواهر الطبيعية، ليست قصة خوف كوني صادقة، لكن تبقى الحقيقة أن روايات كهذه تحتوي غالبًا في مقاطع متفرقة إضفاءات على الجو تشبع كل حالات أدب الرعب الماورائي الحقيقي.

لذا علينا أن نحكم على القصة الغريبة لا من خلال قصد الكاتب، أو من تقنيات الحبكة المحضة، بل من خلال المستوى العاطفي المحقق في أدنى المراحل رتابة. إذا تحمست الأحاسيس الملائمة فإن مكانة عالية كهذه يجب أن تحظى بمؤهلاتها الخاضة كأدب غريب، مهما حطت ركاكته من مستواه.

الاختبار الوحيد للأدب الغريب حقًا هو هذا ببساطة: هل سيشعل لدى القارئ حسًا متأصلًا بالارتياع أم لا؟ وحسًا بالاتصال بأكوان وقوى مجهولة، موقف بارع من الاستماع بذهول، إلى ما يشبه رفرفة أجنحة سوداء أو خرفشة صور وكائنات دخيلة على آخر أغلفة كوننا المعلوم. و-بلا شك- بشكل تكاملي وموحد قصة توصل هذا الجو، كلما كان عملًا فنيًا أفضل في هذا الوسط.

 

This entry was posted in عن الكتابة. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *